دعاة يهدون بغير هدى النبي!
  • ازدواجية كشف الأضاليل
  • بدعة الحيل الشرعية واولاء والبراء
  • الإسرائيليات والقرآن
  • المسيح الموعود المُصلح لما فسد

__

يعيب كثير من المسلمين على بولس قوله فى كتاب النصارى المقدس: (إِنْ كان صدق الله قد ازداد بكذبى لمجده، فلماذا أُدان أنا بعد كخاطئ؟)، وذلك باعتبار بأنه يبيح الكذب من أجل زيادة مجد الإله!

إلا أنه من المؤسف أن نجد من يعيبون عليه هذا القول يبيحون الكذب لنفس الغاية، بل يبيحون معه أفعالا منكرة أخرى، إذ يعتقدون بأنهم يزيدون مجد الله بالكذب، ويتقربون إليه ببغض الآخر وكراهيته!

وبعد بروز التيارات الإسلامية على الساحة السياسية بعد ثورات ما يسمى بالربيع العربى، لاحظ كثير من الناس أخلاقيات تتنافى مع القيم الإسلامية من بعض أفراد تلك التيارات ومؤيديهم من الدعاة والمشايخ الذين يدّعون بأنهم على نهج السلف الصالح! فلقد رأوا منهم الكذب وما يندرج تحته من خداع وتزوير وافتراء.. ورأوا منهم الكراهية، وما يندرج تحتها من تكفير وتخوين المخالفين لهم فى الرأى وسبهم بأقذع الألفاظ.. ثم إرهابهم فكريا، والعمل على قمعهم وإقصائهم إن عابوا عليهم ما يفعلون!

الحق أن الولاء يكون للعقيدة الصحيحة، والبراء يكون مما يخالفها، وإن كان هذا لا يقبل المساومة ولا المداهنة بحال، فإنه لا يعنى الولاء للمؤمن إن فعل باطلا، ونصرته على المخالف فى المعتقد إن كان له حق عنده،

لقد صُدم الكثيرون من هذه الأخلاقيات واستنكروها على هؤلاء الذين يدّعون بأنهم حماة الدين والشريعة! وبان جليا – لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد- بأن هؤلاء هم أول من يزدرون الدين، وبأن أعداءه من الكفار والمشركين لو اجتمعوا على قلب رجل واحد من أجل الإساءة إليه، لما استطاعوا كما استطاع هؤلاء الذين هم من بنى جلدتنا..

وتساءل العامة من ذوى العقول استنكارا: هل يرضى الله بهذا؟! كيف يكذبون ويكرهون، إلى حد استباحة العرض والدم، ثم يدّعون بأن غايتهم هى إعلاء كلمة الله عن طريق تطبيق الشريعة، أو إقامة دولة الخلافة وما إلى ذلك..

ولا أملك شيئا لمن شهد هذه الممارسات ثم لم يستنكرها! فماذا أملك لمن لا يتلقى رسالات الله إلى البشر، أو لمن لا يرى جرما ولا حرمة فى استحلال الكراهية باسم الدين، وفى التحايل باسم الشرع على الآخرين..

ولعل الذين لابد وأن فيهم خيرا كثيرا لاستقباحهم هذه الأفعال التى تتنافى مع قيم الإسلام الراقية، ولعل الذين صدموا فى هؤلاء الذين أتوا بهذه الأفعال المنكرة- يعرفون الآن كارثية الإيمان بما وراء هذا البغض، وما وراء هذا الكذب من هؤلاء الذين يعيبون على بولس كذبه من أجل زيادة مجد الله، ثم يكذبون ويبغضون لنفس الغاية!

فالإيمان بما يسمى بعقيدة الحيل الشرعية، هو ما يفتح أبوابا شتى للكذب، مثل الكذب الصريح، ومثل التورية والمعاريض، التى تعتمد على التحايل والخداع، وعلى التلبيس والتدليس..

أما بغض الآخر وكراهيته فقد نتج عن المفهوم الخاطئ لعقيدة الولاء والبراء، والبغض في الله، حيث يعتبر هذا المفهوم أن البراء من المخالف عن طريق بغضه شخصيا وجهاده بالقلب واللسان والجوارح- هو من أشكال التقرب إلى الله!

فهذه هى العقائد التى من يعتقد بها لا يجد حرمة فى كراهيته لكل من يخالفه فى الرأى، وفى كذبه على الناس باسم الدين! فهل من يعتقدون بها هم من الدعاة إلى الإسلام، أم من الدعاة على أبواب جهنم!

ولست هنا بصدد شرح وتفنيد الأدلة الواهية على هذه العقائد، لكن يكفى القول بأنه قد استند للتدليل عليها إلى إسرائيليات، وإلى تفاسير مغلوطة لأحاديث وآيات.. فكان من ضمن ما استند إليه للتدليل على ما يسمى بالحيل الشرعية وما تحتها من أشكال للكذب- ما فُهم خطأ بأن الرسول عليه الصلاة السلام قد أباح الكذب فى ثلاث حالات، وأن إبراهيم قد كذب ثلاث كذبات.. ولكن حاشا لخاتم النبيين الصادق الأمين أن يبيح الكذب بأى حال من الأحوال! وحاشا لإبراهيم أن يكذب، وهو الذى وُصف فى القرآن الكريم بأنه كان صديقا نبيا!

ولا شك أن من يؤمنون بالكذب والتحايل من أجل الوصول إلى غاية ما- هم فى الواقع يهدون بغير هدى النبى، ويَسْتَنُّونَ بغير سُنَّته، حيث يَسْتَنُّونَ هنا بسُنَّة ميكيافللى “الغاية تبرر الوسيلة”، وهو ما يعنى بأنه إذا كانت الغاية هى الوصول إلى شيء ما، فمباح أن تفعل أى شيء للوصول إليه حتى ولو كان حراما! فإذا كانت غاية القائلين بالحيل الشرعية هى غاية شرعية، فإن الوصول إلى هذه الغاية قد يحل الحرام للوصول إليها! وهنا تبرز كارثية التفسير الحرفى لبعض آيات الذكر الحكيم، وذلك بادعائهم الباطل بأن الخضر قد فعل من المحرمات أبشعها من أجل الوصول إلى غايات حلال!

أما المفهوم الخاطئ للولاء والبراء وهو ما وراء بغض الآخر وكراهيته- فقد استدل عليه أيضا بتفاسير مغلوطة لبعض الروايات والآيات التى تتحدث عن الشدة والغلظة مع المخالف، فالتفسير الخاطئ قد وصل بالكثيرين إلى حد الغلو فى ولائهم لمن ينتمى لفكرهم، حتى وإن لم يراع حرمات الله، وجعل براءتهم مِن كلّ مَن لا ينتمى إليهم حتى ولو كان مسالما، أو يشهد الشهادتين!

ها نحن نرى كثيرا ممن يدّعون بأنهم يستنون بسنة النبى، ويهدون بهديه- يكرهون الناس ويذبحونهم إن لم يؤمنوا بما يرون، فيستنون بسنة فرعون، ويهدون بهديه الذى لم يكن يريد لأحد أن يرى إلا ما يرى!

بينما الحق أن الولاء يكون للعقيدة الصحيحة، والبراء يكون مما يخالفها، وإن كان هذا لا يقبل المساومة ولا المداهنة بحال، فإنه لا يعنى الولاء للمؤمن إن فعل باطلا، ونصرته على المخالف فى المعتقد إن كان له حق عنده، وإلا لما قال الله تبارك وتعالى

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ..

كما أن البراء لا يعنى التبرؤ من المخالف الذى لا يحمل سيفا، ولا يعنى مقاطعته وكراهيته واستباحة حقوقه، وإلا لما كان هناك مجال للدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ولما بلغ الحرص بالنبى الأكرم على البشر إلى حد أن يوشك على إهلاك نفسه وذبحها من أجل دعوة الكافرين، حتى قال له الحق تبارك وتعالى مسليا له ومهونا عليه:

لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ !

وقال له فى حال إعراضهم:

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ !

ولكن ها نحن نرى كثيرا ممن يدّعون بأنهم يستنون بسنة النبى، ويهدون بهديه- يكرهون الناس ويذبحونهم إن لم يؤمنوا بما يرون، فيستنون بسنة فرعون، ويهدون بهديه الذى لم يكن يريد لأحد أن يرى إلا ما يرى!

وعليه ومما تقدم، فلا غرابة أن نجد من يخططون للقتل وللخراب ظنا منهم بأن الإصلاح لن يأتى إلا به، ونجد من يفتى بإهدار الدم، وبحد الردة بحجة حماية الدين، ومن يدْعون على المخالفين وعلى أولادهم تقربا إلى الله وطلبا لرضاه!

ولا عجب أن نجد من يبيح تزوير الانتخابات من أجل تطبيق شرع الله، ومن يبيح كذب الزوجة على زوجها إذا أرادت شيئا يخالف ما يريده، طالما أن هدفها إعلاء كلمة الله.. لا غرابة أن نجد من يتحايل ويكذب، ظنا منه بأن فى ذلك زيادة لمجد الله!

والمؤسف حقا أن نجد كثيرا من الناس أشبه بقوم فرعون الذين استخفهم فأطاعوه، حيث نجدهم يوالون من يكذبون ويكرهون باسم الدين، وينصرونهم بتشجيعهم على الاستمرار فى بغيهم، ولا يتبرأون من أفعالهم، وذلك لاعتقادهم بأنهم يهدونهم سبيل الرشاد!

والأكثر أسفا أن من يكذبون ويكرهون باسم الدين، يثأرون لأنفسهم على حسابه فى حال عاب الناس عليهم أفعالهم! إذ يهرعون إلى الكتب التى يتباهون بأنهم حملة ما بها من علم! فيعرضون القرآن عليها بدلا من عرضها على القرآن، ويفتشون فيها، لعلهم يجدون ما يدلل على أفعالهم، فيأتون بروايات تتنافى مع القيم، ويُحمّلون الآيات والأحاديث ما لم تحتمل، فيبدو بأن الأهم لديهم هو الثأر لأنفسهم، وتبرئة ساحتهم!ولعل ما رأيناه من كذب وحقد من هؤلاء الدعاة- هو الدخن الذى كدر الخير الذى سينتج عما يسمى بثورات الربيع العربى، وهو ما تنبأ به المصطفى عليه الصلاة والسلام فى حديثه مع حذيفة بن اليمان، حيث قال عن هذا الدخن بأنه هم القوم الذين يهدون بغير هديه، ويستنون بغير سنته، يُعرف منهم ويُنكر..

فالإسلام الأصيل لا يقر بما يفعله هؤلاء باسمه، لأنه دين المحبة والطهر والسلام، بعث به نبيه ليتمم به مكارم الأخلاق، فحاشا لله أن يقبل بأى أخلاقيات قذرة لإعلاء كلمته، فالله طيب لا يقبل إلا طيبا، فلا يقبل من الأفعال إلا ما كان طاهرا.

أما الخير الذى كدره هذا الدخن، فهو أن يفتش أصحاب القلوب الطاهرة والعقول النيرة، عن حقيقة الفرقة الناجية، وعندها إن كانوا غيورين على الدين بحق، وحريصين على طاعة سيد الخلق- فلن يجدوا مفرا إلا أن يلزموا جماعة المسلمين وإمامهم، كما أمر النبى الأكرم حذيفة !

فالإسلام الأصيل لا يقر بما يفعله هؤلاء باسمه، لأنه دين المحبة والطهر والسلام، بعث به نبيه ليتمم به مكارم الأخلاق، فحاشا لله أن يقبل بأى أخلاقيات قذرة لإعلاء كلمته، فالله طيب لا يقبل إلا طيبا، فلا يقبل من الأفعال إلا ما كان طاهرا.

ولأن من البديهى لكل عاقل أن تقوم جماعة المسلمين على أساس ربانى- فتلك هى إذن جماعة الإمام المهدى والمسيح الموعود حضرة ميرزا غلام أحمد ، والذى بعثه الله فى الآخرين ليحيى به دعوة سيد المرسلين، بعد أن ابتعد إلى الثريا.. ولن تفلح محاولات القضاء على دعوته، ومحاربة أتباعها، والكذب على الناس بشأنها، كما لم يفلح فرعون مع دعوة موسى، حتى وان بدا ذلك لعشرات السنين! بل سيعيب أحفاد المحاربين لها على أجدادهم ما كتموه من حق، وسينكرون عليهم ما علّموه من باطل، وسينجذب أصحاب القلوب الطاهرة تباعا إلى الفكر الأحمدى عن الإسلام الذى سيمكث فى الأرض، فهو الإسلام الأصيل المنزه عما ابتدعه فيه هؤلاء الذين يهدون بغير هدى النبى، حتى أصبح من يتعلم على أيديهم أحوج إلى قليل من الأدب، أكثر من حاجته إلى كثير من علمهم هذا الذى سيذهب جفاء.

وإِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ!

أسأل الله أن يجعل أصحاب القلوب الطاهرة من السابقين فى الآخرين الذين لم يلحقوا بالأميين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

Share via
تابعونا على الفايس بوك