• قتل الأولاد هو قتل الأخلاق والروحانية
  • لا قتلوا أولادكم أي أنفقوا على الأولاد
  • حافظوا على صحتهم وأخلاقهم
  • لا بد من الحفاظ على حصة الأهم أيضا

  إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا  (الإسراء: 31)

التفسير:
لقد بين الله هنا أنه يعطي البعض بسطة في الرزق بينما يضيق على البعض الآخر رزقَه، لكي ينظر هل يعين الغنيُ الفقيرَ. فإذا حفظتم أموالكم لكي تخدموا بها عبادَ الله إلى أكثر مَدًى فهذه حسنة عظيمة جدًّا.
ما أعظمَ إعجازَ القرآن! ففي الوقت الذي كان فيه المسلمون عرضةً لصنوف المحن والتعذيب في مكة بدأ القرآن يبين لهم الأحكام التي سيحتاجون إليها زمنَ الرقي والغلبة. فهل يمكن أن يتكلم بمثل هذا الكلام إلا الذي هو قادر بالفعل على تحقيق هذه الأمور قدرة كاملة. فثبت أن هذا القرآن لم يكن من افتراء بشر، إذ لو حاول أحد من البشر النطقَ بمثل هذا الكلام.. في الفترة المكية وفي تلك الظروف الحالكة التي كان المسلمون يمرون بها.. لجَفَّ ريقُه وغُصَّ به حلقومه.

وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا  (الإسراء: 32)

شرح الكلمات:
إملاق: أَملَقَ الرجلُ: أنفقَ مالَه حتى افتقر (الأقرب).
خِطْئًا: الخِطْءُ: الذَنْبُ؛ وما تُعُمِّدَ منه (الأقرب).

التفسير:
في الركوع السالف (الآيات 24- 31) قد أمر الله تعالى أن أحسِنوا إلى الناس، شريطة ألا يؤدي معروفكم إلى فساد الناس أكثر، أو إلى فسادكم أنتم، أما الآن فقال : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ .. أي لا تقتلوا أولادكم خوفًا من الإنفاق عليهم. علمًا أن هذا النهي ليس عن قتل البنات، لأن القرآن الكريم لم يقل في أي موضع منه أن الناس يقتلونهن خوفًا من الإنفاق عليهن، وإنما أرجع قتلهن إلى الخزي الذي يشعر به البعض لدى ولادتهن.
كما لا يمكن أن تفسَّر هذه الآية بألا تقتلوا أولادكم بسبب الفقر والضيق المالي، لأن الإملاق لا يعني الفقر والضيق المالي، وإنما معناه الإنفاق، والمراد من هذه الآية: لا تقتلوا أولادكم خوفًا من الإنفاق عليهم.

قتل الأولاد قتلا أخلاقيًّا وروحانيًّا، حيث لا يهيئ لهم الآباء فرصة التعليم المناسب خوفًا من إنفاق المال. لذا ينهى الله المؤمنين عن ذلك، ويوصيهم ألا يترددوا أبدًا في الإنفاق على أولادهم لضمان صحتهم وأخلاقهم.

وهنا ينشأ سؤال: هل في الدنيا أحد يقتل أولاده خوفًا من الإنفاق عليهم؟ الحق أننا لا نجد بين أصحاء العقول من يرتكب جريمة قتل أولاده خشية الإنفاق عليهم، بل لا يوجد من يفعل ذلك حتى بين أولئك الذين لا يملكون المال. فثبت أن القتل هنا لا يعني معناه المعروف، بل له مفهوم آخر، وعلينا بدراسة حياة البشر بحثًا عن هذه «الجريمة».
وحين نفحص أحوال الناس على مختلف شرائحهم نجد أن هناك فئة منهم لا تربي الأولاد تربيةً سليمة من جراء البخل والشح، حيث لا يطعمونهم كما ينبغي، أو لا يطعمونهم ما هو ضروري لنموّهم نموًّا سليمًا. مما لا شك فيه أنه لا يوجد في الدنيا بخيل يقتل أولاده بدس السم في طعامهم أو خنق حلقومهم خوفًا من الإنفاق عليهم.. إلا بين المجانين فقط، ولكن ما أكثر ما نجد بين أصحاء العقول من يمنعه بخله من أن يهيئ لأولاده طعامًا مناسبًا ولباسًا ملائمًا، فيمرض أولاده أحيانًا لرداءة الغذاء، أو يقعون بسبب رداءة اللباس فرسى لأمراض فتّاكة كالتهاب الرئة مثلاً. وهؤلاء البخلاء يوجدون في كل أنحاء العالم بالآلاف بل بالملايين.
وقد تعني هذه الآية قتل الأولاد قتلا أخلاقيًّا وروحانيًّا، حيث لا يهيئ لهم الآباء فرصة التعليم المناسب خوفًا من إنفاق المال. لذا ينهى الله المؤمنين عن ذلك، ويوصيهم ألا يترددوا أبدًا في الإنفاق على أولادهم لضمان صحتهم وأخلاقهم.
هذا، وتشنيعًا على هذه الفعلة فقد استخدم الله كلمة «القتل»، لأن الإنسان بفطرته يكره قتل أولاده. فالله تعالى ينبهنا أنكم لا يمكن أن تقتلوا أولادكم بأيديكم في حال من الأحوال، ومع ذلك فإنكم تقتلونهم بطرق أخرى، عندما لا تهتمون بإمدادهم بغذاءٍ ولباسٍ مناسبَين بخلاً وشُحًّا، وهكذا تدمّرون صحّتهم، أو تقصّرون في تربيتهم وتعليمهم فتقتلونهم قتلاً أخلاقيًّا.

إذا فقد ربَط القرآن الكريم النهيَ عن قتل الأولاد بشرط «خشية إملاق» ليلقي الضوء على موضوع واسع يشمل الاهتمام بتوعية الأولاد ورعايتهم، والحفاظ على صحة الأم وحياتها الغالية. وهذا جانب آخر من الإيجاز القرآني المعجز الذي يستحيل أن يوجد له نظير في أي كتاب آخر، بل الحق أنه موضوع فريد من نوعه لم يتطرق إليه أي سِفر من الأسفار السماوية إلا القرآن الكريم.

وهناك سبب آخر أيضًا لاستخدام كلمة «القتل» وهو أن الله تعالى لو اكتفى بقوله: لا بد لكم من الإنفاق على الأولاد، لم تتم الإشارة إلى التأثيرات السلبية الأخرى غير المباشرة التي تقع على حياة الأولاد، ولكن هذا التعبير القرآني قد أدى هذا الغرض، حيث أشار إلى كافة التأثيرات السلبية الأخرى غير المباشرة التي يصبح الأولاد عرضة لها مثل عدمِ اهتمام الرجل بغذاء الأم ولباسها كما ينبغي، أو إرهاقِها بالعمل الشاق أثناء الحمل أو الرضاعة. فكلها أمور تؤثر على الأولاد سلبيًّا، فإما أن يُفقَد الجنين أو يكون المولود معتلّ الصحة.
كما يمكن تفسير هذه الآية بالمفهوم الذي ذكره بعض الصوفية وهو: لا تمنعوا الحمل مخافة أن يكثر الأولاد فلا يجدوا ما يكفيهم من الأكل، لأن هذا السلوك هو بمنزلة قتل الأولاد الذي هو عمل حرام وسيئ في كل حال.
غير أن منع الحمل جائز في حالات معينة، كأن تكون المرأة مريضة. العذر المرفوض في صدد قتل الأولاد – وهو خشية الإملاق – عذر موهوم غير مشهود، ومثل هذا العذر مرفوض لمنع الحمل أيضًا؛ أما منع الحمل بناء على عذر ملموس وخطر مشهود فليس بمحظور.
وإضافةً إلى منع الحمل فإن إجهاض الجنين أيضًا جائز في بعض الحالات، كأن تكون الحامل مهدَّدةً بخطر الموت إذا ما تمت الولادة بطريقة طبيعية. ذلك أنه لا يمكن الجزم بما إذا كان الجنين سيولد حيًّا أم ميتًا، وهل سيعيش بعد الولادة أم لا؛ ولكن الأم موجودة كعضو مفيد في المجتمع، فلذلك سوف ترجَّح الخسارة المؤكدة على الخسارة الموهومة، فيتم إجهاض الجنين.
إذا فقد ربَط القرآن الكريم النهيَ عن قتل الأولاد بشرط «خشية إملاق» ليلقي الضوء على موضوع واسع يشمل الاهتمام بتوعية الأولاد ورعايتهم، والحفاظ على صحة الأم وحياتها الغالية. وهذا جانب آخر من الإيجاز القرآني المعجز الذي يستحيل أن يوجد له نظير في أي كتاب آخر، بل الحق أنه موضوع فريد من نوعه لم يتطرق إليه أي سِفر من الأسفار السماوية إلا القرآن الكريم.
أما قوله تعالى إنَّ قَتْلَهم كان خِطْئًا كبيرًا فاعلم أن هناك فرقًا بين الخِطْءِ والخَطَأ، لأن الخِـطْءَ هو ما تُعمِّدَ من الذنوب، أما الخَطَأ فيعني المتعمَّد منها أو غير المتعمَّد. إذا فباستخدام كلمة «الخِطْء» قد أشار القرآن الكريم إلى أن قتل الأولاد جريمة تمجّها الفطرة وترفضها.. بمعنى أنه لا يمكن أن يأتي هذه الفعلةَ الشنيعة إلا الذي ماتت أحاسيسه الفطرية.
ويؤكد التعبير القرآني إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا أيضًا أن القتل هنا لا يعني الذي يتم بسُمٍّ أو سلاح، لأن هذا التعبير يوحي أن هذا النوع من القتل يتم بكثرة، ولكنا لا نجد أبدًا ظاهرة قتل الأولاد بأيدي الوالدين في أي بلد بكثرة بحيث يُعَدَّ جريمةً عامة.
ومما يدل على أن القتل هنا لم يرد بمعناه المادي أن القرآن الكريم قد تناول أحكام القتل منفصلةً فيما بعد، وتلك الأحكام تشمل قتل الأولاد أيضًا. فثبت من ذلك أن القتل هنا له مفهوم خاص.
وبيّن بقوله تعالى نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ أن رزق الأولاد مشمول في رزق الوالدين، فيجب ألا يُحرَموا منه؛ ولأجل ذلك قال نرزُقهم قبل وإياكم .

وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا  (الإسراء: 33)

شرح الكلمات:
فاحشة: ما يشتدّ قبحُه من الذنوب؛ وقيل: كلُّ ما نهى الله عنه (الأقرب).

التفسير:
لقد جاء النهي عن الزنا هنا بعد النهي عن قتل الأولاد فورًا، وفيه إشارة لطيفة إلى أن الزنا أيضًا يؤدي إلى قتل الأولاد؛ وذلك لسببين: أولهما أن الناس يسعون عمومًا لإجهاض جنين الحرام، وثانيهما أنه إذا لم يتم التخلص من جنين الحرام فإن الأب لا يساهم – في الغالب – في تنشئة وتربية ولده الحرام بشكل علني، ومن ثم يدمَّر مستقبل الطفل عمومًا، ويعيش محرومًا من الوارث الذي من واجبه أن يتولى رعايته.
وباستخدام كلمات «ولا تَقرَبوا الزنا» نبّهنا الله إلى ضرورة تجنب مواقع الزنا أصلاً.. فعلى المرء ألا يلتقي المحارمَ على انفراد، ويتجنب الاختلاط بهن قدر الإمكان وما إلى ذلك من مواقع الزنا.
واعلم أنه من فضائل القرآن الكبرى أنه لا ينهى عن الإثم فحسب، بل يدل أيضا على الوسائل التي تُجنِّب الإنسانَ ارتكابه؛ ولا شك أن مثل هذا التعليم وحده كفيل بحماية المجتمع الإنساني. أما الكتاب الذي لا يدل الإنسان على ما يساعده على تجنب المعصية فإنه يدفعه إلى الحيرة والارتباك. وإنما يجلب للإنسان الطمأنينةَ والسكينةَ الكتابُ الذي ينهاه عن شيء ثم ينبهه على وسائل التجنب منه، لكي يطمئن الإنسان أن بإمكانه العمل بما أُمر به. وعلى سبيل المثال، يقول الإنجيل: لا تَنظُرْ إلى امرأة بنيّة سيئة، ولكن القرآن الكريم ينهى عن النظر إلى المحارم أصلاً. ذلك لأنه إذا أُفسِحَ المجال للشهوة التي تخلق الزلّة في القلب فاجتنابها يصبح صعبًا جدًّا إن لم يكن مستحيلاً. ومن أجل هذه الحكمة يوصينا الله تعالى هنا أن نقف بعيدين عن مواقع الإثم بحيث نظل قادرين على مكافحته.
لقد طعن البعض في هذا التعليم فقالوا: هذا جبن! ولكنه ليس من الجبن في شيء، وإنما هو الحيطة والحذر؛ وليس ثمة عاقل يعتبر الحذر جبنًا. ذلك أن الناس نوعان: أولهما مَن يقدر على تجنب المعصية وإن قارَبَها، وقد أُمر هذا بالابتعاد عن مواقع الإثم لأنه وإن كان قادرًا على تجنب ارتكاب الإثم رغم مقاربته له، بيدَ أنه قد يتسبب في اقتراب بعض الضعفاء الآخرين من مواقع المعصية، فيقعون فريسة لها لضعفهم. فعليه ألا يكون حجر عثرة للآخرين.
والنوع الآخر منهم من لا يقدر على اجتناب المعصية إذا ما توفرت دواعيها. والحكمة في نهيهم عن الاقتراب من مواقع الإثم واضحة. فسواء كان الإنسان قادرًا على تجنب المعصية رغم الاقتراب من مَواقعها أم لا، عليه عدم الاقتراب من مسبباتها.
كما أن المرء إذا ابتعد عما فيه مصلحة لـه ونفع فيمكن أن يسمى عملُه هذا جبنًا، ولكن ابتعاده عما ليس فيه منفعة ولا مصلحة لا يُعَدُّ جبنًا أبدًا.
وأما قوله تعالى وَسَاءَ سَبيلاً فقد نبّه به أن في الزنا مضار عديدة أخرى بالإضافة إلى كونه معصية أخلاقية. فمثلا من يريد الزواج يأخذ في الحسبان أن تكون الفتاة جيدة الصحة، وبريئة من أي عدوى، وذات خُلق وسيرة طيبة، وكذلك يحسب أولياء الفتاة ألف حساب في شأن الفتى. ولكن هذه التدابير لا تُتخذ وقت الزنا، لأنه لا يُرتكب إلا عند هيجان العواطف الشهوانية، حين لا يمكن لمرتكبه أن يتخذ أي حيطة، وتكون النتيجة تَفشِّي الكثيرِ من الأمراض والدمار الاقتصادي. ومن أجل ذلك حذر الله تعالى منه، وقال إن إشباع الرغبات الشهوانية بهذا الطريق خطير جدًّا.
ومع أن العلاقة التي تتم بين الزاني والزانية تشبه العلاقة التي تتم بين الزوجين، إلا أنه من الملاحظ أن الأمراض التي يورثها الزنا لا تفشو بين المتزوجين، أو تكون في حكم النادر. لو فحصتم حالات المصابين بالزُّهري والسيلان في العالم لوجدتم أن عدد الذين أصابتهم هذه العدوى من زوجاتهم لا يتجاوز حتى الواحد بالمائة، بينما التسعة والتسعون بالمائة منهم أو أكثر يصابون بهذه العدوى جراء الزنا. والحق أن تناقُلَ هذا المرض بين الزوجين أيضًا عائد إلى حادث زنا فيما سلف.
فبقوله وساءَ سبيلا قد نبهنا الله تعالى إلى حقيقة عظيمة جليّة للجميع، ولكن قليل هم الذين يهتمون بها.