حكمة علو مقام الحمد والتحميد

__

وما تعلم ما الحمد والتحميد، ولِم أعلى مقامه الربُّ الوحيد. وكفى لك مِن عظمته أن الله ابتدأ به كتابه الكريم، ليبيّن للناس عظمة الحمد ومقامه العظيم. وإنه لا يفور من قلبٍ إلا بعد المحويّة والذوبان، ولا يتحقق إلا بعد الانسلاخ ودوسِ أهواء النفس الثعبان، ولا يجري على لسان إلا بعد اضطرام نار المحبة في الجنان، بل لا يتحقق إلا بعد زوال أثر الغير من الموهوم والموجود، ولا يتولّد إلا بعد الاحتراق في نار محبّة المعبود. فمن ألقى نفسه في هذه النار، فهو يحمد الله بقلبٍ مُوجَع وسِرِّ محوٍ في الحبيب المختار، وهو الذي يُدعى في السماء باسم أحمد ويقرَّب ويُدخَل في بيت العزّة وقُصارة الدار، وهي دار العظمة والجلال.. يُقال استعارةً إن الله بناها لذاته القهار، ثم يعطيه لحمّادِ وجهه فيكون له كالبيت المستعار، فيُحمَد هذا الرجل في السماء والأرض بأمر الله الغفّار، ويُدعى باسم محمّد في الأفلاك والبلاد والديار، ومعناه أنه حُمّد حمدًا كثيرا واتفق عليه الأخيار من غير الإنكار.
وإن هذين الاسمين قد وُضعا لنبيّنا مِن يوم بناء هذه الدار، ثم يُعطَيان للذي صار له كالأظلال والآثار. ومن أُعطي من هذين الاسمين بقبس فقد أُنير قلبه بأنواع الأنوار. وقد جرى على شفتَي الرسول المختار، أن الله يرزق منهما عبدًا له في آخر الزمان كما جاء في الأخبار، فاقرؤوا ثم فكِّروا يا أولي الأبصار.
فالغرض أن الأحمدية والمحمدية أمرٌ جامع دُعِيَ الموحّدون إليه، ولا يتمّ توحيد نفس إلا بعد أن يرى في وجوده تحقُّقَ جَنْبَيه، ولا تصير نفس مطمئنةً، ولا تتنـزل على قلبٍ سكينة، إلا أن يكون سابحا في هذه اللُّجّة، ولا ينجو أحدٌ من مكائد الأمّارة إلا أن يحصل له حظٌّ من هذه المرتبة. والذين بعدوا منها وما أخذوا منها حصّةً ترهَقهم ذلّةٌ في هذه ويوم القيامة. هم الذين يمشون على الأرض كغُثاءٍ على السيل، كأنّما أُغشيتْ وجوههم قِطعًا من الليل. يتولدون محجوبين، ويعيشون محجوبين، ويموتون محجوبين. أولئك الذين أعرضتْ قلوبهم عن حمد ربهم وضيّعوا أعمارهم في حمد أشياء أخرى أو رجال آخرين.
فبُشرى لنا معشر الإسلام.. قد بُعث لنا نبي بهذه الصفة وهذا الكمال التام، وسُمّي أحمد ومحمد من الله العلاّم، ليكون هذان الاسمان بلاغا للأُمّة وتذكيرا لهذا المقام.. الذي هو مقام الفناء والانقطاع والانعدام، لترغب الأُمّة في هذه الصفات وتتّبع اسمَي خيرِ الأنام. وقد نُدب عليهما إذ قيل حكايةً عن الرسول:

فاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله *.

فاهتزّت أرواحنا عند وعد هذا الجزاء والإنعام، وقلوبنا مُلئت شوقا وصارت أشكالها ككؤوس المُدام. وما أعظمَ شأنَ رسول ما خلا اسمُه مِن وصيّة للأُمّة، بل مُلئ مِن تعليم الطريقة، ويهدي إلى طرق المعرفة، وأُشيرَ في اسمَيه إلى مُنتهى مراحلِ سبلِ حضرة العزّة، وأُومِئَ إلى نقطةٍ خُتم عليها سلوك أهل المعرفة. اللهم فصَلِّ عليه وسلِّمْ وآلِه المطهرين الطيبين، وأصحابه الذين هم أسودُ مواطن النهار ورهبانُ الليالي ونجوم الدين، رضي الله عنهم أجمعين.
* آل عمران:32 (نجم الهدى، ص 4 – 7)

وكنت أُحبّ أن أُترَك في زاوية الخمول، وكانت لذّتي كلها في الاختفاء والأُفول، لا أبغي شهرة الدنيا والدين، ولم أزل أنصّ عَنْسي إلى مُكاتمة كالفانين. فغلب عليّ أمرُ الله العلاّم، ورفَع مكانتي وأمَرني أن أقوم لدعوة الأنام، وفعل ما شاء وهو أحكم الحاكمين. والله يعلم ما في قلبي ولا يعلم أحد من العالمين.

حِبٌّ لنـا فبِحُــــــــــبِّه نتحبّبُ
وعن المنازل والمـراتب نرغَبُ

إني أرى الدنيا وبلـــدةَ أهلِها
جدَبتْ وأرْضُ ودادِنا لا تجـدُبُ

يتـمايلـون على النعيــم وإننا
مِلْــنا إلى وجـهٍ يسُـرُّ ويُطرِبُ

إنّـا تعلَّقْـــــــنا بنــورِ حبيــــــبِنا
حتى اسْتنارَ لنا الذي لا يُخشَبُ

سبُّوا وما أدري لأيِّ جـــــريمةٍ
سبُّوا أنعصـي الحِــبَّ أو نتجنّبُ

أقسمـــــتُ أني لن أُفارقه ولو
مـزَقـتْ أسـودٌ جثّـتـي أو أَذْأُبُ

ذهبتْ رياسـاتُ الأناس بموتهم
ولنـا رِيـاسـةُ خُــلّـةٍ لا تـذهَـــبُ

(نجم الهدى، ص 19 – 20)

Share via
تابعونا على الفايس بوك