• القراءات القرآنية ليست نسخًا
  • اللهجات العربية ولهجة الحجاز
  • إيقاف الرخصة بزوال الحاجة
  • شبهات عديمة الجدوى

التفسـير:
كان أبو الدرداء شديد الغلوّ حول هذه الآية؛ إذ كان يرى أن الآية الأصلية هي: “والذَكرِ والأنثى”، وليس وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثى . فقد ورد عن علقمة قال: قدمتُ الشامَ، فأتى أبو الدرداء، فقال: فيكم أحد يقرأ على قراءة عبد الله؟ قال: فأشاروا إليّ. قال: قلت أنا. قال: فكيف سمعتَ عبدَ الله يقرأ هذه الآية: (وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى والنَّهارِ إذَا تَجَلَّى والذَّكَرِ والأنْثَى)؟ قال: وأنا هكذا سمعتُ رسول الله يقول. فهؤلاء يريدوني أن اقرأ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى ، فلا أنا أتابعهم. (البخاري: كتاب التفسير، وتفسير الطبري)
هذا الموضوع مذكور في عدة كتب من كتب الحديث بمتون وأسانيد مختلفة عن أبي الدرداء. وليكن معلوما هنا أن الفرق بين القراءات موجود منذ البداية، والمسلمون الذين تنقصهم المعرفة الكاملة يصابون بالقلق لدى سماع مثل هذه الروايات، ويظنون أنها إذا صحّت، فلا يصح قولنا إن القرآن الكريم محفوظ تماما وأنه لم يتطرق إليه أي تغيير وتبديل. والحق أن استنتاجهم هذا باطل، لأن منكري النسخ الذين يؤمنون بحفظ القرآن الكريم حفظا تاما يعترفون أيضًا بالقراءات منذ بداية الإسلام، ومع ذلك يؤكدون أن قراءةً لا تنسخ قراءة أخرى ولا تغيّر المعنى.. أي أن من المحال أن تذكر قراءةٌ معنى لا تحمله قراءة أخرى، نعم، يمكن أن توسّع قراءة ما نفس المعنى وتصدّقه أيضا. والحق أن الله تعالى قد أنزل القرآن على سبعة أحرف (البخاري، كتاب فضائل القرآن).. أي جعل الله له سبع قراءات، وذلك بسبب الفروق الموجودة بين اللهجات العربية المختلفة وتوسيع نطاق المضامين القرآنية. فيجب أن لا ينخدع أحد بسبب القراءات فيظن أن في القرآن اختلافا، بل القراءات نتيجة طبيعية للفروق الموجودة بين اللهجات العربية المختلفة آنذاك. ففي كثير من الأحيان يكون اللفظ واحدا، ولكن ينطقه أهل بلد بطريقة وأهل بلد آخر بطريقة أخرى، وهذا لا يعني أن هذا اللفظ قد تغيرَ أو أن معناه قد تغيرَ، كلا، بل يبقى اللفظ كما هو تقريبًا، كما يبقى معناه هو هو، كل ما يحدث هو أن شعبا إذا لم ينطق بذلك اللفظ نطقا صحيحا فإنه يصوغه بلهجته بطريقة أخرى. كان عدد سكان الجزيرة العربية في زمن النبي قليلا نسبيًا، وكانت القبائل تعيش بعيدة بعضها عن بعض، فلذلك كان هناك فرق كبير بين لهجاتها وأساليب النطق.كانت لغتهم واحدة، ولكنهم كانوا يختلفون في نطق بعض الكلمات، وفي بعض الأحيان كانت قبيلة تستعمل كلمةً لأداء مفهومٍ بينما كانت قبيلة أخرى تستخدم كلمة أخرى لأداء نفس المفهوم. فأجاز الله لرسوله أن يسمح لمختلف القبائل باستعمال كلمات بديلة مكان كلمات يصعب عليهم نطقها، وقد ظلّ الحال على ذلك إلى أن أصبحت القبائل العربية أمة واحدة. ولولا هذا السماح لتعذرَ حفظُ القرآن وقراءته على كلّ مَن لم يكن من سكان مكة، ولم ينتشر القرآن بينهم بهذه السرعة.
وهذا الفرق اللغوي بين القبائل لا يزال قائما بين غير المثقفين حتى اليوم. إن المثقفين يتعلمون بالكتب لغة واحدة، ولكن غير المثقفين الذين يتعلمون اللغة مشافهةً، تروج فيهم اللغةُ القَبلية بدلاً من لغة الدولة. عندما ذهبتُ للحج كان مع قافلتنا شاب يمني عمره حوالي 17 سنة، وكان خادمًا لأخينا السيد أبي بكر الذي كان رجل أعمال، وفي الطريق كنت أحدّث هذا الفتى بالعربية، فرأيتُ أنه يفهم معظم حديثي، ويردّ على كلامي، ولكنه كان أحيانًا ينظر إلى وجهي مذهولا قائلا: لم أفهم كلامك. فكانت تأخذني الحيرة وأقول: هذا الشاب يفهم العربية، ومع ذلك يتوقف أحيانا ويقول لي: لم أفهم كلامك! فلما وصلتُ مكة المعظمة قلتُ لأحد الناس: هذا الشاب عربي ويجيد العربية، ولكنه لا يفهم كلامي أحيانا، فلا أدري سبب ذلك. فأخبرني الرجل أن هذا الشاب يمني، وهناك اختلاف كبير بين اليمنيين والحجازيين حول معنى بعض الكلمات، فلا يتفاهمون أحيانا. ثم حكى لي طريفة أنه كانت في مكة امرأة ثرية، وكان عندها خادم يمني، وكانت المرأة تدخن النرجيلة، وكان إناء النرجيلة عندهم من الزجاج، ويسمونه الشيشة. فقالت للخادم يومًا: غيِّر الشيشةَ؛ وكانت تقصد أن يغيّر ماءَها، فقال لها: ستّي، هذا طيب.. أي لا يزال هذا الإناء جميلا. فقالت له: قلتُ لك غيِّر الشيشةَ. فقال لها في حيرة: ستّي، هذا طيب! فزجرتْه وقالت: أخادمي أنت أم سيّدي؟ قلتُ لك غيِّر الشيشةَ. أتغيِّرها أم لا؟ فحمل الشيشة خارج الغرفة وضربها بالأرض وكسرها. فقالت: ماذا فعلت؟ كسرتَ هذا الإناء الغالي؟! فقال: لقد قلتُ لك مرارًا إنه طيب، ولكنك لم تقبلي قولي، فلماذا تغضبين الآن؟ فكادت تَميّزُ من الغيظ. فقال لها بعض مَن يعرف اللهجة اليمنية: لا ذنب لخادمكِ، لأننا نحن الحجازيين نعني بتغيير الشيشة تغييرَ مائها، أما اليمنيون فيعنون بالتغيير الكسر.. ففَهِمَ خادمك أنك تريدين كسر الشيشة، ولذلك كان يقول لك مرارا: ستّي، هذا طيب، فلماذا تريدين كسره. فلمّا أصررتِ عليه بتغيير الشيشة كسرها المسكين.
فترى أن جملة (غَيِّر الشيشة) بسيطة، ولكن بسبب الفرق في اللهجات فهِمها الخادم اليمني على عكس مراد سيدته. ومثل هذه الكلمات التي يختلف معناها باختلاف اللهجات لو قرئت في القرآن بصورتها الأصلية لأدركنا مدى معاناة القبائل المختلفة في فهم القرآن الكريم، فدرءًا لهذا النقص أجاز الله لهم استبدالها بكلمات مماثلة في المعنى تساعدهم على فهم القرآن، ولا تشُقُّ على أصحاب القبائل المختلفة. وهكذا ظلّ المفهوم القرآني كما هو، وأعطاهم الله كلماتٍ أو تعابير أخرى مكان الكلمات والتعابير التي لا يعرفونها، وذلك حفاظا على مفاهيم القرآن الكريم وحتى لا يصعب عليهم فهمه نتيجة اختلاف اللهجات، بينما ظلت القراءة الأصلية للقرآن هي هي باللهجة الحجازية.
وبعد الاطلاع على هذا التفصيل لا يصعب على أحد أن يدرك أنّ هذا الإذن كان مؤقتا، وأن الوحي الأصلي هو نفس ما نزل على رسول الله في البداية، وكان استعمال كلمات مترادفة مكان بعض الكلمات الأصلية جائزا ما دامت القبائل العربية لم تتّحد بعد. وفي خلافة عثمان لما أصبحت المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية اتّحدت القبائل العربية بدلاً من أن يبقى أهل مكة أو المدينة أو نجد أو الطائف أو اليمن منغلقين على أنفسهم في مناطقهم الخاصة غير مطلعين على لهجات الآخرين وتعابيرهم، إذ صار الحكم عندها بيد أهل المدينة الذين شكّل المهاجرون إليها من مكة شريحة كبيرة فيها. ثم إن أهل المدينة أنفسهم كانوا قد تعلموا اللهجة المكيّة بصحبة المهاجرين. كان زمام الحكم وتطبيق القانون والمال بيد أهل المدينة وكانوا محط أنظار الناس كلهم، فكان أهل الأمصار الأخرى كالطائف ونجد ومكة واليمن وغيرها يفدون إلى المدينة بكثرة، ويخالطون الأنصار والمهاجرين فيها ويتعلمون منهم الدين، فأخذت لغة الجميع تتوحد. ثم إن بعضهم كان قد استقر في المدينة، فصارت لغتهم حجازية أيضا، ولما كان هؤلاء يرجعون إلى بلادهم علماءَ وأساتذةً فلا بدّ أن يكون لهم تأثير على أهالي منطقتهم. كما أن الحروب أتاحت للقبائل المختلفة فرصة العيش معًا، ولأن القادة كانوا من أكابر الصحابة فكانت صحبتهم ورغبة الناس بتقليدهم عاملا كبيرًا على توحيد اللغة. فمع أن أهل القبائل المختلفة وجدوا صعوبة في فهم لغة القرآن الكريم في البداية، إلا أن المدينة لما أصبحت مركزا للعرب بحكم كونها عاصمة للدولة، وأخذت شتى القبائل والشعوب يفدون إليها تباعا وبكثرة، فلم يكن هناك مجال لهذا الاختلاف في اللهجات، لأن كل المسلمين ذوي المزاج العلمي كانوا قد تعلموا لغة القرآن، فلما وقفوا على لغته حقَّ الوقوف أمَرَ عثمانُ بالاكتفاء بقراءة القرآن بلغته الأصلية التي نزل بها.. لهجةِ الحجاز دون اللهجات الأخرى (البخاري، كتاب المناقب). وكان قراره هذا يعني أن الناس قد بدءوا يفهمون اللهجة الحجازية عموما فلا مبرر للسماح لهم بقراءته بلهجات بديلة.

والحق أن الله تعالى قد أنزل القرآن على سبعة أحرف (البخاري، كتاب فضائل القرآن).. أي جعل الله له سبع قراءات، وذلك بسبب الفروق الموجودة بين اللهجات العربية المختلفة وتوسيع نطاق المضامين القرآنية.

والشيعة الذين يخالفون أهل السنة يقولون بسبب هذا القرار العثماني أن المصحف الحالي هو مصحف عثمان، والحق أنه اعتراض باطل كلية. الواقع أنه في عهد عثمان كان قد مضى زمن طويل على اختلاط العرب، فكانوا قد اطلعوا على الفروق الموجودة في لهجاتهم اطلاعا كاملا، فلم يبق هناك أي حاجة للسماح بقراءة القرآن بقراءات أخرى. هذا السماح كان مؤقتًا حيث كان الإسلام في بدايته وكانت هناك قبائل وشعوب مختلفة، وكانت الفروق البسيطة بين اللهجات تؤدي إلى قلب بعض المعاني، ودفعًا لهذا اللبس سُمح للناس بقراءة بعض الكلمات الرائجة في لغة قبائلهم مكان كلمات الوحي الأصلي للقرآن لكي لا يكون هناك عائق في فهم أحكامه والعمل بتعاليمه، ولكي يفهم أحكامَه كلُّ ذي لهجة بلهجته ويقرأها أيضا بلهجته. فلما انقضت عشرون سنة على هذا السماح، وانقلب الزمان وتغيرت الشعوب وأصبح العرب الذين كانوا قبائل متفرقة أمةً قوية حاكمة تدير النظام وتنفذ القانون وتنشر التعليم وتقيم الحدود والقصاص، لم يجد الناس صعوبة في فهم لغة القرآن الأصلية، فألغى عثمان هذا السماح الذي كان مؤقتا. وهذه كانت مشيئة الله أيضا، ولكن الشيعة يرون أن أكبر جرائم عثمان أنه ألغى القراءات المختلفة، وأبقى على قراءة واحدة. مع أنهم لو فكّروا لأدركوا بسهولة أن الله تعالى لم يأذن بقراءة القرآن بقراءات مختلفة إلا في الفترة الثانية لا في الفترة الأولى المكية.. وهذا يوضح بجلاء أن القرآن نزل بلغة الحجاز، وأما فرق القراءات فحصل بإسلام القبائل الأخرى؛ إذ كان بين قبيلة وأخرى اختلاف في نطق بعض الحروف أو في معاني بعض الكلمات، فسمح النبي بإذن رباني لهؤلاء القبائل باستبدال هذه الكلمات أو نطقها، ولكن هذا ما كان يغيّر معاني الآيات ومفاهيمها، بل لولا هذا الإذن لتغيرت معانيها. والدليل على ذلك أن النبي ‎ علّم عبد الله بن مسعود سورة بطريقة وأقرأَها عُمَرَ بطريقة أُخرى، لأن عمر كان من الحضر، وعبد الله بن مسعود راعٍ وكثير الاختلاط بالبدو، وبين لهجتَي الفريقين فرق كبير. وذات يوم كان عبد الله بن مسعود يقرأ تلك السورة، فمر به عمر فوجده يقرؤها بشيء من الاختلاف عن قراءته، فتعجّب عمر وقال إنه يغيّر بعض الكلمات، فلَبَّبَه بردائه وقال تعال أعرضك على رسول الله، لأنك تقرؤها على خلاف ما هي. فانطلق به يقوده إلى النبي وقال: يا رسول الله إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأها عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا. فَقَالَ لعبد الله بن مسعود: كيف تقرؤها؟ فأخذ يرتجف خوفا، ظنا منه أنه قد أخطأ، فهدّأ النبي من روعه وقال: اقرأ. فَقَرَأَ. فقَالَ . هَكَذَا أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ لِي اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ. إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فلا تختصموا على هذه الأمور البسيطة.
وليس سبب هذا الفرق إلا أن النبي فكر أن عبد الله بن مسعود راعٍ، ولهجته مختلفة عن لهجة أهل الحضر، فعلّمه قراءةً تتفق مع لهجته، وأما عمر فهو من الحضر فعلّمه السورة باللهجة المكية الأصلية التي نزل بها القرآن.
هذه هي الفروق البسيطة التي ظهرت بسبب القراءات، ولكن هذا لم يغير من فحوى القرآن شيئًا، وكل عاقل يدرك أن هذا نتيجة حتمية للتمدن والتعليم وفروق اللهجات.
وذات مرة كنت في كراتشي، فجاءني وكيل شركة بأحد التجار من أصحاب الملايين، وكان الوكيل من أهل الحضر والتاجر من البدو، فبدأ التاجر حديثه معي بقوله: لعلك تعرف هذا الأمر، واستخدم لذلك كلمة (تُم نُوں)، وأهل الحضر لا يخاطبون الشخص الكبير بكلمة (تُم)، بل يقولون (آپْ)، ثم إن كلمة (نُوں) معيبة جدًّا في الأردية، فلا يقال (تُم نوں)، بل (تُم كو). وعندما أخذ التاجر يخاطبني بهذه الكلمة مرارا وجدتُ وكيله يتململ في كرسيه قلقًا وينظر إليّ ليرى تأثير هذه الكلمة عليّ، أما أنا فكنتُ أستمتع بكلماتِ التاجر وقلقِ الوكيل.
والحق أنه ليس هنالك أدنى فرق بين (تُم نوں) و (آپْ كو) في الأردية من حيث المعنى، ولكن يصعب جدًّا على شخص من أهل الحضر أن يستعمل كلمة (تُم نوں)، كما يصعب جدًّا على أهل القرى من منطقة “أنباله” أو”بتياله” مثلاً أن يقول (آپْ كو). وفي ولايتنا “البنجاب” يستخدم أهل منطقة “غجرات” كلمة “پهدْنا”، وفي منطقتنا يقال “پهڑنا”، ولو حاولنا أن نقول “پهدنا” لتصبَّبْنا عرقًا، ولو قلتَ لشخص من “غجرات” أن يقول “پهڑنا” لخنقتَه.
ومثال آخر لذلك أن أهل منطقة “غورْداسْبور” يسمون الشرير “شُهْدا”، أما أهل منطقة “سرْجودا” فيطلقون هذه الكلمة على إنسان شريف نبيل. وذات مرة جاءت إحدى قريبات الخليفة الأول إلى قاديان وقالت عنه أثناء حديثها بين النساء: إنه “شُهْدا”.. أي أنه إنسان شريف ولا علاقة له بالأشياء الشريرة. فأردن أن يمنعنها من استعمال هذه الكلمة في حقه ولكن الحياء منعهن، وبعد قليل أعادت نفس الكلمة في حقه ، فكادت النساء يأخذن بتلابيبها وقلن لها: ألا تستحين من سب هذا الإنسان الشريف؟ فقالت في حيرة: متى شتمتُه؟ إنما أُثني عليه، أليس هو “شُهْدا”؟ فتقدّمت سيدة كانت تعرف الفرق بين لهجتي المنطقتين وهدّأتْ زميلاتها.
فلو ألّف المرء اليوم كتابًا لأهل البنجاب كلها واستعمل فيه كلمة “شُهْدا” بحق بعض الصلحاء، ألا ترى أن عليه أن يوضّح هذه الكلمة أو يستبدلها بكلمة أخرى لأهل المناطق البنجابية الأخرى؟ هذه الحاجة نفسها قد اقتضت في ذلك الزمن قراءاتٍ قرآنية مختلفة، ولكن لما تغيرت حالة القبائل نتيجة التمدن والحُكم، وصار العرب كلهم أمة واحدة، وتوحدت لغتهم حيث فهموا القراءة الحجازية تمامًا ارتأى سيدنا عثمان -وكان مصيبا في رأيه كل الصواب- أن السماح بالقراءات المختلفة سيؤدي إلى الاختلاف، فألغى استعمال هذه القراءات استعمالا عاما ولم ير بأسًا في بقائها محفوظةً في الكتب. فبِنِيَّةٍ حسنة منع عثمان من استخدام القراءات المختلفة، وجمعًا للعرب والعجم على قراءة واحدة، أجاز تداوُلَ المصاحف المطابقة للقراءة الأصلية الأولى للقرآن أعني القراءة الحجازية.
وقصة ابن أم عبد وأبي الدرداء التي ذكرتها قبل قليل بشأن قوله تعالى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى هي أيضا من قبيل هذا الاختلاف في القراءات، ذلك أن (ما) في العربية تكون نافية أو مصدرية أو بمعنى (مَن). وإذا أُريد بيان معنى المصدرية ومعنى (مَن) فلا ينفع استعمال (مَن) أو المصدر، لأن المصدر سيعطي معنًى واحدا فقط، وكذلك (مَن) ستعطي معنى واحدا فقط، لا المعنيين في وقت واحد. وهناك أماكن كثيرة في القرآن الكريم حيث أريد المعنيان: المصدر و (مَن)، ويستعمل القرآن في هذه الأماكن (ما) لأداء المفهومين. ولكن بعض القبائل العربية تستعمل (ما) بمعنى المصدر ولا تستعملها بمعنى (مَن)، فكانوا يعانون مِن فهم (ما) التي تكون بالمعنيين. ودفعًا لهذه المشكلة سُمح لهم بقراءة (والذكر والأنثى). وهذه الجملة تؤدي مفهوم (ما) إلى حد ما، ولكن ليس بصورة كاملة، فلذلك سمح لهم بها كقراءة مؤقتة، بدون أن تسجل هكذا في المصحف.
ومن الممكن أيضا أن يكون أبو الدرداء قد وقع في خطأ. وما دام يقول إن الصحابة يضغطون عليه أن يقرأ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى فهذا يعني أنه نسي حتمًا.. وإلا لما ضغطت عليه أكثرية الصحابة قائلين إن القراءة الأصلية هي وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى وليس (والذَّكَرِ وَالأُنْثَى). وعليه فأولاً ليس ضروريا أن نعتبر هذه الجملة قراءة أخرى بل نعتبرها خطأ من أبي الدرداء، خاصة وأن الصحابة لا يرونها قراءة، ولكن لو سلّمنا أنها قراءة أخرى، فهذا لا يغير معنى الآية أيضا كما قلتُ، واختلاف القراءات ليس دليلا على عيب في القرآن الكريم، بل دليل على سعة معانيه.
في الزمن القريب، زعم أحد الإنجليز -وكان بروفيسورا في دير في حلب-أنه اكتشف ثلاث نسخ قديمة للقرآن الكريم، وقد نشر ما فيها من اختلاف باسم (LEAVES FROM THREE ANCIENT QURANS).. أي أوراق من ثلاثة مصاحف قديمة. فأثار كتابه ضجة بين الناس، وظنّ المسيحيون أن دعوى القرآن بحفظه قد بطلت. فطلبتُ ذلك الكتاب لأرى الأدلة التي حاول أن يثبت بها أن القرآن غير محفوظ، فلما قرأته علمتُ أن النُّسخ التي قدّمها يوجد فيها اختلاف من قبيل ورود (ما) مكان (مَن)، وسقوط ألف من كلمة (قالوا) في بعض الأماكن، أو ورود ضمير الغائب المفرد مكان ضمير الجمع، مما يبين جليًّا أن هذا الاختلاف في النسخ إما أنه راجع إلى اختلاف القراءات أو أخطاء مطبعية.. فاستنتجتُ بقراءة هذا الكتاب أن هذه النسخ القديمة إذا كانت صحيحة فإنها تؤكد حفظ القرآن الكريم حتمًا، لأن عباراتها لا تؤدي إلى أي فرق في معاني الآيات القرآنية مطلقًا. كل ما في الأمر أنه قد ورد في بعض الأماكن (ما) مكان (مَن) و(هو) مكان (هم)، مما يؤكد أنه مجرد اختلاف في القراءات فحسب.
باختصار، لا نجد حتى في مكتبات المسيحيين كتابًا يثبت أي فرق عن المصحف الحالي إلا بقدر ما أشرت إليه آنفًا.
لقد أشار المسيح الموعود إلى هذا الفرق في القراءات في بعض الأماكن، فمثلا قال في تفسير قوله تعالى وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ (النساء:160) أن هناك قراءة قَبْلَ مَوْتِهِمْ وهي تؤيد موقفه حول وفاة المسيح (الحق -المباحثة في دهلي- الخزائن الروحانية المجلد 4 ص 162). فالاختلاف في القراءات كان إما تفاديًا لضرر الاختلاف الموجود بين لهجات القبائل المختلفة، أو توسيعًا لمعاني القرآن الكريم. (التفسير الكبير، مجلد9، تفسير سورة الليل، آية وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثى)