حضارة حاجات لا حضارة رغبات

التحرير

  • مفهوم السعادة.
  • الفرق بين الحاجة والرغبة.
  • إغفال الرغبات الروحانية يقودنا نحو الهلاك.
  • التقرب إلى الله مضاد حيوي فعال اتجاه الحُزن والاكتئاب.

للسعادة مفاهيم ومعان تختلف من شخص لآخر، وإذا حاولنا تلخيصها نجد أنها الحالة التي يحكم الإنسان من خلالها على حياته. فهي التي تملؤ حياته بالراحة والاستقرار وتبعده عن المصاعب والضغوط وتبعث فيه الأمل لحياة أفضل، وبالتالي تزرع فيه الرغبة الشديدة للتمسك والتمتع بكل لحظة في الحياة.
وبعد التقدم التكنولوجي الملحوظ وغزوه لحياة الإنسان المعاصر نرى أنه بدأ يشكك فيما تقدمه له الحضارة المعاصرة التي يرى معظم الناس أنها السبيل الوحيد لتحصيل السعادة. ففي واقع الأمر فإن هذه السعادة المزعومة يحصل عليها من خلال المعدات الالكترونية على مختلف أنواعها وأشكالها التي تسهل حياته وتوفر له الرفاهية.
وفي هذا المقام تفرض أسئلة عديدة نفسها على الواقع الخالي من السعادة الذي تتخبط فيه الإنسانية:
هل المعدات التقنية من شأنها أن تمنح الإنسان سعادة حقيقية؟ وهل إرضاء الجانب المادي كفيل لمنح الإنسان السعادة المرجوة؟ وهل أصبحت السعادة من الكمالات في عالم مليء بالمآسي والأحزان؟
بداية نود أن نلامس معالم وأبعاد مصطلحين غالبا ما يُخلط بينهما.. الحاجة والرغبة. فالحاجة لها علاقة بالجانب المادي في حياة الإنسان، أي أنها أداة إشباع الغرائز البهيمية لديه، كالحاجة إلى الطعام والنوم. أما الرغبة فلها علاقة بمشاعره وأحاسيسه وجانبه الروحي. وبالتالي فإن هنالك اختلافًا بين الحاجة والرغبة في كيفية تفاعل الإنسان معهما. فيمارس الحاجة مرغما بدافع ضرورة المحافظة على حياته أو بضرورة اجتماعية كالشغل لتسديد المصاريف الخ. أما الرغبة فإنها تستقطب إليها الإنسان من تلقاء نفسه بدون أي ضغوط خارجية حتى أنها تكلفه عناء وإرهاقا جسديا ولكنه لا يبالي ولا يهتم.

فلا شك أننا اليوم نعيش حضارة حاجات لا حضارة رغبات. فالسعادة التي يجب أن نبحث عنها في هذا الخضم هي امتلاء روحي عميق ورغبة دفينة بالحياة الكريمة….

وإن ما نراه على الساحة اليوم هو أن الإنسان يلبي الجانب المادي في حياته ويهمش الجانب النفسي والروحي. فتراه يعلن شكاويه واشمئزازه وهو في حالة خالية من الإحساس بعمق الحياة ودفئها. فالشعور بالفراغ أصبح من أهم صفات الحياة اليومية للإنسان المعاصر وذلك لأن الرغبات أصبحت لديه مجرد حاجات يلبيها من خلال الأفلام والألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. وكما لا يخفى علينا فإن الإنسان «باقة من الرغبات» لذلك حري بنا أن نرعاها ونحافظ عليها، ولكننا نراها تتحطم أمام العواصف العاتية لواقع الحياة المعاصرة بدون أن نحرك ساكنا.. فلا شك أننا اليوم نعيش حضارة حاجات لا حضارة رغبات. فالسعادة التي يجب أن نبحث عنها في هذا الخضم هي امتلاء روحي عميق ورغبة دفينة بالحياة الكريمة. ولا شك أنها فعلا الأمل الذي نتمسك به لدى مواجهتنا الإحباط بالثقة في المستقبل، وذلك لأن الرغبة تفتح لنا فضاء نتجاوز فيه الحدود الضيقة التي فرضتها علينا الطبيعة.
والنتيجة التي نصل إليها من خلال معاينة ما يحصل في مجتمعاتنا هي أن الإنسان مات روحيا وإن كان يحيا الحياة المادية المليئة بإشباع الغرائز البهيمية. والخيار الوحيد أمامه هو المزيد من الاستهلاك وعدم المبالاة بالمسئولية لتحسين مستوى حياته. وفي هذه الظروف يحل الوهن والحزن والخوف على نفسه ويتمكنان منه ويجريان منه مجرى الدم. ذلك لأنه أخطأ في تقديرة حيث ظن أن السعادة هي الانغماس فيما توفره حضارة الاستهلاك، فتغير مفهوم السعادة لديه حيث خرجت من نطاق الممكن وأصبحت تراكما للملذات.
فإذا ما لخصنا حال الإنسان المعاصر غالبا ما نجده يعيش في دوامة الخوف من المستقبل ويحيا سعادة وهمية واهية تقدمه له حضارة الاستهلاك. وفي واقع الأمر فإن حياته مليئة بالحزن وعدم الاستقرار. وأعظم شاهد على هذا هو حالات الانهيار العصبي المتفاقمة والانتحارات التي لم تشهد لها الإنسانية مثيلا منذ بدء الخليقة.
ولسنا في هذا المقام نقوم بإدانة الوسائل الحضارية المعاصرة على أنها السبب في هذه المأساة بل لا ضير في استعمالها والاستفادة منها ولكن علينا أن نتذكر دائما المغزى الذي خُلقنا من أجله ألا وهو العيش في كنف خالقنا.
فالتقرب من الله والدخول في زمرة أوليائه ليس بالأمر المستحيل إذا ما صدرت منا تلك الرغبة الجياشة للحصول على هذا المرام العظيم. فإذا ما تأملنا في مفهوم الآية الكريمة:

أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (يونس: 63)،

نجد أن السعادة هي فعلا المضاد الحيوي لحالة الحزن والخوف التي يعيشها الإنسان المعاصر.. الحزن اليومي الذي يتخبط فيه من جراء أعباء الحياة المعاصرة والخوف من المستقبل وما يحمله من مآسٍ. أفلم يأن لنا بأن نقبل عرض الله تعالى ونتقرب منه كي يقبلنا في زمرة أوليائه ويخلصنا من هذه العيشة الضنكى. فالفلسفات على تنوع مدارسها وعلم النفس وباقي العلوم الإنسانية لا تمتلك الآليات الناجعة لإسعاد الإنسان. فسعادته وبدون أي شك في كنف خالقه.
هدانا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه . وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.