جري اللهِ في حُللِ الأنبياء

جري اللهِ في حُللِ الأنبياء

الأستاذ حميد كوثر

لكل سؤال جواب

 

 

إن الوعد الذي قطعته (التقوى) على نفسها بأن تكون مهداً لكل حوار فكري علمي هادئ يطل اليوم في شكل باب جديد نضيفه لصفحات المجلة تحت عنوان “لكل سؤال جواب” يجيب من خلاله الكتاب المختصون على الأسئلة الكثيرة التي يحملها بريد المجلة. إن أسئلتكم ستكون الزاد الذي يغني هذا الباب ولذلك فصدر (التقوى) الرحب سيتسع لكل سؤال بناء يتعلق بالمواضيع التي تطرحها المجلة.

سؤال هذا العدد يُجيب عليه الأستاذ: محمد حميد كوثر*

 

السؤال: لماذا قال مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية أنه جمع في نفسه كل شأن النبييّن؟

وما هو المقصود من هذه العبارة؟

الجـواب: إذا اطّلعنا على كتب الأديان المختلفة، وجدنا أن الكثير من الأنبياء والرسل والأولياء الذين بُعثوا في العصور الماضية إلى شعوبٍ مختلفة وأُممٍ متنوعة وأقوام متباينة، قد أخبروا أنّهم سوف يرجعون إلى أُممهم وأقوامهم مرةً ثانية في آخر الزمان قبيل يوم القيامة، وذلك حتى ينشروا في الأرض الدين الصحيح، ويُحقِّقوا ملكوت الله في هذه الدنيا، ويهدوا أقوامهم إلى طريق الله سبحانه وتعالى.

وتوجد الكثير من النبوءات في مختلف الأديان عن عودة أولئك الأنبياء في ظروفٍ تتشابه فيها أحوال الدنيا، وتُشير كلها إلى آخر الزمان عند فساد الناس وانحرافهم عن صراط الله المستقيم، وخروجهم عن تعاليم أنبيائهم ورُسلهم، فيعود أولئك الأنبياء والرسل كي يهدوا أقوامهم مرة أخرى إلى طريق الله، ويدينوا الأشرار ويقضوا عليهم، حتى ينتصر الحق ويعلو في جميع أنحاء الأرض. وعلى سبيل المثال.. نجد في الديانة الهندوسيّة نبوءات عن عودة “كرشنا” في آخر الزمان، كذلك في الديانة البوذيّة نجد نبوءات عن عودة “بوذا” قبل يوم القيامة، وفي الديانة الزرادشتيّة هناك كذلك نبوءات عن عودة “مسيّو” قبل انتهاء العالم، وفي الديانات السامية.. أي اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام.. نجد أيضًا نفس الظاهرة. فهناك نبوءات في التوراة عن عودة إيليّا النبي، وهناك نبوءات في الإنجيل عن عودة المسيح ، وفي الإسلام نجد أن هناك نبوءات عن نزول المسيح، ويؤمن الكثير من أهل الشيعة بعودة الإمام المهدي الذي اختفى في كهف منذ مئات السنين.

وهناك ما يُشير في القرآن الكريم إلى عودة رسول الله حيث ذكر الله تعالى أنّه سبحانه قد قدَّر أن تكون له بعثتان.. بعثة في الأولين وبعثة في الآخرين، فقال تعالى:

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الجمعة: 3-4)

وتُشير هذه الآية أنّ الله تعالى قد قضى أن يبعث رسول الله في الأُمييّن، وأن يبعثه أيضًا في آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ . ويُشير استخدام الحرف “لما” بدل “لم” على انقضاء فترةٍ زمنية بين البعثتين. لما نزلت هذه السورة على رسول الله فَهِمَ المسلمون منها أنّ للنبي بعثتين. جاء في صحيح البخاري ما يلي:

“عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الجُمُعَةِ: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ حَتَّى سَأَلَ ثَلاَثًا، وَفِينَا سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ، وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ ثُمَّ قَالَ: لَوْ كَانَ الإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا، لَنَالَهُ رِجَالٌ -أَوْ رَجُلٌ- مِنْ هَؤُلاَءِ”. (صحيح البخاري – كتاب التفسير: سورة الجمعة).

ويُشير هذا الحديث الشريف إلى أنّه حينما يفقد الناس الإيمان فيبتعد من الأرض حتى لكأنّه صعد إلى مجموعة نجوم الثُّريا البعيدة، فإنّ رجالاً أو رجلاً من قوم سلمان الفارسي سوف يُعيده مرةً أخرى إلى قلوب الناس.

فإذا وضعنا في الاعتبار النبوءات المذكورة في الأديان الأخرى جميعها، وحملنا تلك النبوءات على حرفيّتها، لاصطدمنا بمشكلة عويصة، فكل النبوءات تُشير على عودة هذا الجمع الكبير من الأنبياء في نفس الوقت وعند نفس العلامات وفي نفس الظروف وكلها كما أسلفنا القول تُشير إلى آخر الزمان قبيل يوم القيامة. ومن غير المعقول طبعًا أن يعود كرشنّا ليدعو الناس إلى دينه، ويعود في نفس الوقت بوذا ليدعو الناس إلى دينه، بينما يعود زرادشت ليدعو الناس إلى دينه، وينزل أيضًا المسيح ليدعو الناس إلى دينه، ويأتي ذلك الرجل من قوم سلمان الفارسي ليعود بالإيمان إلى قلوب الناس. فحيث إنَّ الله تعالى قضى بقوله:

إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ (آل عمران: 20) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (آل عمران: 86)

فهذا يعني أنّ على أتباع الأديان كلها أن يدخلوا في دين الإسلام حيث إنّه هو الدين الكامل الذي ارتضاه الله تعالى لعباده إلى يوم القيامة، وبالتالي فليس هناك ما يدعو إلى عودة كل هؤلاء الأنبياء السابقين لكي يدعوا أقوامهم إلى أديانهم المختلفة التي نسخها الإسلام، وعلى ذلك يكون معنى كل تلك النبوءات التي جاءت في مختلف الأديان عن عودة هؤلاء الأنبياء الكرام هو ظهور مبعوث واحد من عند الله تعالى، في دين الإسلام ومن أتباع رسوله الكريم، يدعو الناس جميعا إلى صراط الله المستقيم وسُنّة رسوله الكريم . وهذا المبعوث يجمع في نفسه صفات مختلفة لأولئك النبييّن المزمع عودتهم إلى الدنيا مرةً أخرى في آخر الزمان، أي أنّه يُشابه أولئك النبيين ويرتبط بهم بصلةٍ ما.

وهذا هو المقصود من العبارة التي ذكرها مؤسِّس الجماعة الإسلامية الأحمدية حين قال إنّه جمع في نفسه شأن كل النبيين. فقد بعثه الله تعالى في الهند التي بعث الله تعالى فيها بوذا، والقوم الذين كان يعيش بينهم في الهند هم الهندوس وهؤلاء أتباع كرشنا، كذلك فإنه يرتبط بالزرادشتيين الذين هم من أصل فارسي لأنه هو أيضًا من أصل فارسي كما أشار إلى ذلك رسول الله في الحديث الشريف الذي رواه البخاري، وحيث أنه من نسل سيدنا إبراهيم فله ارتباط كذلك باليهود، ولأنه كان يعيش تحت حكومة مسيحية فله كذلك ارتباط مع أتباع المسيح، وحيث أنّه من خُدَّام وأتباع رسول الله فهو أيضًا يُمثل البعثة الثانية للنبي الأكرم ، كما أنه يُشابه رسول الله في الخُلُق كما جاء في بعض الأحاديث والآثار. فقد روى البيهقي عن أبي إسحاق قال: قال عليٌّ ، ونظرَ إلى ابنهِ الحَسَن فقال: إنَّ ابني هذا سيِّدٌ كما سمَّاهُ النبيُّ . سَيَخرُجُ مِنْ صُلبِهِ رجلٌ باسمِ نَبيِّكُم، يُشبِهُهُ في الخُلُق ولا يُشبِهُهُ في الخَلْق.

وعن حُذيفة قال: قال رسولُ اللهِ : “لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ واحد لبَعَثَ اللهُ فيهِ رَجُلاً اسمُه اسمي، وخُلُقُهُ خُلُقي، يُكنَّى أبَا عبدِ الله”. أخرجه الحافظ أبو نعيم في صفة المهدي.

لقد جاء الإمام المهدي والمسيح الموعود ، وهو مؤسِّس الجماعة الإسلامية الأحمدية، وقد دعا الناس كافة إلى دين الله الإسلام، وآمن به الكثير من الهندوس والبوذيين والزرادشتيين واليهود والنصارى والمسلمين، وجميعهم رأوا فيه الموعود المنتظر لهم، ومن أجل ذلك وصفه الله تعالى بأنّه (جَرِيُّ اللهِ في حُلَلِ الأَنْبِيَاءِ) كما جاء ذلك في كتاب “تذكرة” ص79، وهو الكتاب الذي يضم كل كلمات الوحي التي تلقَّاها مؤسِّس الجماعة من الله . وبناءً على هذه الحقائق.. كتب سيدنا أحمد بِنِعم الله عليه فقال:

“…إنهُ جمَعَ في نفسي كُلَّ شأنِ النبيين على سبيلِ الموهبةِ والعَطاء، فَهذا هو الحقُّ الذي فيهِ يَختَلِفون. لا يَعودُ إلى الدُنيا آدم، ولا نَبِيُّنا الأكرم، ولا عيسى المتوفَّى المتَّهَم، سُبحانَ اللهِ وتعالى عمَّا يَفتَرون. أليسَ هذا الزمانُ آخِرَ الأزمنةِ؟ ما لكم لا تُفكِّرون؟…” (الخزائن الروحانيّة: ج16- كتاب: الخطبة الإلهامية ص324)
Share via
تابعونا على الفايس بوك