سيرة المهدي - الجزء 2 الحلقة 25
  • إن الله يقيم أحد على منصب يراه أهلا لأداء مهامه
  • قول والد المسيح الموعود عليه السلام أنه يحب عيش حياة العزلة
  • شاهد عيان يشهد بصلاح المسيح الموعود عليه السلام

__

معنى قول موسى الذي حكاه القرآن: وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي

414- بسم الله الرحمن الرحيم. حدثتني والدتي أنه ذات مرة في أوائل الأيام اجتمع الناس وأصبح الأمر شبيها بالجلسة، فأبدى الناس رغبتهم في أن يلقي حضرته عليهم كلمة. فلما همَّ حضرته بالخروج تلبية لرغبتهم قال لي: لست عالما بإلقاء الكلمات، فماذا عسى أن أقول لهم؟!

أقول: هذا هو معنى قول موسى

وََلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي (الشعراء 14) أي أنني لا أعرف إلقاء الكلمات. ولكن إذا أقام الله تعالى أحدًا على منصب فلا بدّ أنه عز وجل يراه أهلا لأداء مهامه، وإذا كان فيه نقص ما فإنه يسُدُّهُ. فلما وصل موسى بلاط فرعون انطلق لسانه، بحيث بدا وكأنه تجاهل هارون الذي سبق أن طلب من الله أن يبعثه لموازرته. كذلك المسيح الموعود ، فقد وهبه الله تعالى قوة خطابية ساحرة إلى درجة أن أصبح بعض أهل الدنيا يقولون بأن بيانه ساحر.

حياء المسيح الموعود منذ حداثة سنه وتعلقه بالمسجد

415- بسم الله الرحمن الرحيم. لقد كتب بير سراج الحق في كتابه تذكرة المهدي ج2 أن حدَّثه رجل طاعن في السن من إقطاعيي السيخ من سكان إحدى القرى المجاورة لقاديان وقال: إنني أَكبُر «مرزا صاحب» بـ 20 عامًا، وكنت أتردّد كثيرًا على «المرزا الكبير» (أي والد حضرته )، ولقد حدث كثيرًا أمامي أيضا أنه كلما زاره بعض كبار الحكام أو الأعيان يسألونه أثناء الحديث: كثيرًا ما نلتقي بأكبر ابنيك، إلا أننا لم نر الأصغر قط. فكان والد حضرته يردّ: نعم، لي ابن أصغر أيضا إلا أنه يعيش حياة العزلة، ويستحيي كالعرائس وبسبب هذا الحياء لا يلقى أحدًا. ثم كان المرزا الكبير يرسل أحدًا ليأتي بحضرته (أي المسيح الموعود )، فكان يأتي مُنكِّسًا ويسلّم ويجلس على مقربة من والده. كان المرزا الكبير يقول للضيوف مبتسمًا: ها هي العروس، قد رأيتموها اليوم.

كتب بير سراج الحق: جاء مرة هذا الإقطاعي السيخي إلى قاديان وكنا عددًا من الناس، نتناول الطعام في الغرفة المستديرة. سأل السيخي: أين المزرا المحترم؟ قلنا له: هو في بيته، وليس هذا وقت يخرج فيه عادة، لذلك لا نستطيع أن نناديه إذ ربما يكون منهمكا في العمل، فانتظِر حتى يخرج فتلقاه. فلم يلبث أن  رفع عقيرته مناديا دون أي وجل وخوف: يا سيدي المرزا، اخرُج قليلا. فلما سمع حضرته صوته خرج حاسر الرأس، ولما رآه تبسّم وقال له: كيف حالك يا «سردار صاحب»؟ هل أنت بخير وعافية؟ مرت أيام لم أرك فيها. قال السيخي: نعم أنا سعيد ومسرور ولكن الشيخوخة تقضّ مضجعي، وأجد صعوبة في المشي أيضا، حتى أنني لا أقوى على أعمال الفلاحة. هل تتذكر يا مرزا المحترم وقت كان المرزا الكبير يقول عنك: إن ابني هذا عليق المسجد، فلا يتوظف ولا يكسب شيئا، ثم كان يخاطبك وهو يبتسم قائلا: سأطلب تعيينك شيخًا في أحد المساجد، فستكسب على الأقل 400 كغ قمحًا سنويا، ثم هل تتذكر أن المرزا الكبير كان يرسلني لأدعوك إليه، فكان ينظر إليك بنظرة ملؤها التأسف وكأنه يقول: يا للأسف! إن ابني هذا يتخلف عن رقي العالم. أما الآن، فلو كان حيًّا لرأى هذا الرقي والازدهار اليوم وأدرك أن ابنه العليق بالمسجد قد صار ملكًا، بحيث يأتيه كبار الناس من أماكن بعيدة ليكونوا خدامًا على عتبته.

كان حضرته يسمع أقواله متبسما، ثم أجابه: نعم أتذكر كل هذه الأمور، إنه فضل من الله، ولا دخل فيه لجهدي وقوتي. ثم قال له بكل محبّة: انتظر، حتى آمر بتحضير الطعام لك.

كتب بير سراج الحق: ثم إن هذا السيخي العجوز استرسل في الحديث معي وقال: كان المرزا الكبير يقول: إن ابني هذا لن يعدو كونه شيخًا، وإنني قلق جدًّا تجاهه، كيف سيعيش حياته بعدي؟! لا شك أنه صالح، ولكن العصر هو عصر الشطّار. وأحيانًا كان يقول وقد اغرورقت عيناه: إن غلام أحمد صالح وطاهر، وأنى لنا أن نبلغ مقامَه؟!

يقول بير سراج الحق: كانت دموع هذا السيخي أيضا قد انهمرت أثناء سرده هذه الأمور، ثم قال: لو كان مرزا غلام مرتضى حيًّا اليوم لرأى مشهدًا عجيبًا.

النبيون أظلال الله الكاملة في صفة الرحمة والاستغناء وكذلك يعلمون بفراستهم الفطرية أحوال الناس

416- بسم الله الرحمن الرحيم. لقد كتب بير سراج الحق في كتابه «تذكرة المهدي» أن ثَرِيًّا من عائلة «ميمن» جاء مرة من مومباي إلى قاديان يريد تقديم 500 روبية هدية لحضرته ، وقال لي لدى وصوله أن أخبر حضرته كي يسمح له بلقائه في التو، إذ إنه جاء خصيصًا لزيارة حضرته وسيعود من فوره، فليست لديه فرصة أكثر. لقد كتبت في ورقةٍ حال هذا الشخص وأرسلتها إلى حضرته. كتب حضرته في الرد: قل له بأنني مشغول الآن في أمر ديني وسألتقي به عند صلاة الظهر إن شاء الله. قال ذلك الثري: ليس عندي وقت كثير حتى أمكث هنا حتى الظهر. فكتبتُ مرة أخرى إلى حضرته قولَه فلم يجب حضرته، وبالتالي غادر هذا الشخص.

فلما خرج حضرته وقت الظهر، أخبره أحد الإخوة بعد الصلاة بمجيء ذلك الثري من عائلة «ميمن»، وأنه كان يريد أن يقدّم لحضرته هدية أيضا قدرها 500 روبية. قال حضرته: ما لنا ولأمواله؟ إن لم يكن لديه وقت فمتى كان عندنا متسع من الوقت؟! إن لم يكن لديه رغبة في الله فلا رغبة لدينا في الدنيا.

أقول: إن الأنبياء من ناحية يتسمون بمكانة أسمى في الشفقة والالتفات، ومن ناحية ثانية إنهم ظل الله الكامل في صفة الاستغناء. وكثيرًا ما يعرفون بفراستهم الفطرية عن المرء إذا كان يحتاج إلى الالتفات إليه أم لا.

Share via
تابعونا على الفايس بوك