تداديات التشكيك في كمال الله و قدرته

التحرير

  • تحديات الإنسانية بين الماضي الإليم والواقع المرير
  • الميل إلى الطبائع السبُعية بدلًا من الروحية في مواجه المستقبل
  • الطغيان المادي وقصور الوصول للسلام
  • الإسلام وطريق الوصول

لقد شهد العصر الحديث انتكاسات عديدة أحدثت جروحا عميقة في جسد الإنسانية المترامية الأطراف. وبالرغم من أن المجتمعات المعاصرة لازالت تعاني من جراح الماضي القريب إلا أنها تُطعن يوميا بخناجر حادة. حيث أصبح التجرد من الصفات الإنسانية طابعا سائدا في العلاقات الفردية والجماعية من خلال إهانة كرامة الإنسان، وهضم حقوقه المشروعة وحَدِّثْ ولا حرج عن المواقف المحرجة التي تعكس أبعاد الانحطاط الأخلاقي والحضاري لهذا العصر.
ولطالما عقدت الإنسانية الآمال على أن ترتقي وتتجاوز محن الماضي الأليم. ولطالما تمنت أن تنمحي تلك الحقبة من مخيلتها. فأنشأت منظمات وهيئات وعقدت المؤتمرات والجلسات، متطلعة إلى مستقبل باهر لا ينتقص من حقوق الإنسان شيئا. فيصبح الإنسان سيد نفسه.. عزيزًا كريما لا يكدر صفو حياته أحد بسبب لونه أو عرقه أو فكره أو معتقده.

ففقدت الإنسانية آليات الوصال بالحضرة الأحدية، وبالتالي تشوهت صفات خالقها في ذهنها وروحها. فباتت تشك في كمال الله وقدرته، الأمر الذي فسح المجال للشرك الخفي والجهري أن يغزو معالم ومقومات شخصيتها.

ويا حسرتاه فإن هذه الآمال تصطدم مع الواقع الإنساني المرير الذي يعيش متناقضات في زمن قطعت فيه المعرفة العلمية أشواطًا كبيرة غيَّرت معالم العصر وجعلت بينه وبين الأمس البعيد بونا شاسعا.. وبالرغم من هذا الرقي ما زالت البشرية ترى صور هذه المتناقضات وتسمع أصواتها.. اضطهادًا وحرية، شقاء وسعادة، ثراء فاحشًا وفقرًا مدقعًا. وتسير الحشود الغفيرة في هذا الخضم بلا هدف نبيل، وتكتفي بمشاهدة ظلمة هذا العالم لتصبح جزءا من هذه العَتمة من خلال الحياة اليومية المضطربة. ولعل دوافع هذه المأساة ناجمة عن الحيرة والهيبة من المستقبل من جراء الفراغ الروحي. ذلك الفراغ الذي يجعل حياة كثير من الناس في عصرنا الحالي تتسم بالضبابية وعدم اليقين، وهذا هو العامل الرئيس الذي يفرغ الحياة من الأمل والصبر، لأنه عادة ما يتسبب في شل ّ وتعطيل القدرات لما ينجم عنه من تحجر في القلوب فتصبح أشد قسوة من الحجارة، ومن ثم إلى التردي الأخلاقي والبغضاء والقسوة والمظالم. وهذا نتاج تعامل خاطئ يمكن معاينته في التاريخ الإنساني القديم، لكنه غدا أكثر جلاء وخطورة مما كان عليه في الماضي.
وبما أن التيارات المادية والإلحادية طغت على حياتنا المعاصرة فمن البديهي أن يحدث اضطراب في السلوك البشري من خلال علاقة الإنسان بأخيه الإنسان. وعلى الرغم من الإنجازات النبيلة التي وصل إليها عالم اليوم لتشخيص أعراض الانحطاط والتدهور على المستوى الاجتماعي، تبقى الرغبة الإنسانية الجياشة للوصول إلى السلام قاصرة. وهكذا تكون قد فشلت فشلا ذريعا لاعتمادها على آليات مادية واجتهادات عقلية أقصت البعد الروحي والإيماني. لأنه لا يمكن للقلب والعقل أن ينعما بالهدوء والطمأنينة باجتهادات فكرية وأسباب مادية إلا إذا استمدا فعاليتهما وقوتهما من واهب السلام الذي هو وحده سبحانه وتعالى الذي يهب الإحساس بالاطمئنان والنجاة والتآلف للبشر.
إن تخبطَ الإنسان المعاصر في المشاكل النفسية والاجتماعية يدل على أنه يبحث عن توافق بين احتياجاته المادية والروحية في ظل غياب قاعدة مشتركة بينهما. ولا شك أن ما قدمه الإسلام للبشرية من هداية حقيقية كاملة عبر تعاليمه الحكيمة هي السبيل الأوحد الذي يحقق الأماني الفطرية التي يبحث عنها الإنسان في كل زمان ومكان، ولن يتخلص العالم اليوم من آفة التردي الأخلاقي والفراغ الروحي الذي يعاني من ويلاتهما إلا عن طريق الرجوع إلى الله تعالى.
ويا حسرتاه على الإنسانية في عالمنا اليوم حيث غرقت في بحر تلبية رغبات الغرائز البهيمية بالإضافة إلى تكبلها في أحبال السيئات المعاصرة من خلال هدر طاقاتها في سوء استعمال وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة. فقد انحدرت إلى حضيض الجاهلية الأولى.. ففقدت آليات الوصال بالحضرة الأحدية، وبالتالي تشوهت صفات خالقها في ذهنها وروحها. فباتت تشك في كمال الله وقدرته، الأمر الذي فسح المجال للشرك الخفي والجهري أن يغزو معالم ومقومات شخصيتها.
ولا شك أن أهم أسباب هذه المأساة هو كما بيَّن سيدنا أحمد عليه السلام في كتابه دافع الوسواس:

“لا تقعدوا في خيمة العقل وحده وقد سقط البُوانُ، واسعوا إلى الله بإمحاض الطاعة وإخراج غيره عن الجَنان.”

هدانا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد المصطفى وعلى آله وصحبه أجمعين.

Share via