• يقضي الله تعالى بعذاب الأمم عند فسادها. لذا يرسل رسوله منذرًا من العذاب. الذين يصدقونه وإنذاره هم ناجون من العذاب وأما رافضي الإنذار فيأخذهم العذاب الإلهي.
  • النوع الأول للنصر الإلهية هو لعامة الناس والنوع الثاني هو للمؤمنين.

وَإذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (الإسراء: 17)

شرح الكلمات:
مُترَفيها: المترَف: المتنعِّمُ لا يُمنَع مِن تنعُّمه؛ المتروكُ يصنع ما يشاء؛ الجبّارُ (التاج).
فسَقوا: فسَق الرجلُ فِسقًا وفسوقًا: ترَك أمرَ الله؛ عصى وجارَ عن قصد السبيل؛ خرَج عن طريق الحق. وفسَقت الرطبة عن قشرها: خرجت (الأقرب).
دمّرنا: دمّرهم وعليهم: أهلكهم (الأقرب).

التفسير:
لقد نبه الله هنا أنه يقضي بعذاب الأمم عند فسادها، فيرسل إليهم رسولاً ينذرهم بالعذاب، ولكنهم لا يصدّقونه، بل يرفضونه مستهزئين، فيأخذهم العذاب.
لقد فسر بعض أعداء الإسلام قوله تعالى أَمَرْنا مُتْرَفيها ففَسَقُوا فيها تفسيرًا خاطئًا، فقالوا أن القرآن يعلن هنا أن الله نفسه يأمر عِليةَ القوم من القرية بارتكاب الفواحش، فيرتكبونها؛ ثم بناءً على تفسيرهم الخاطئ هذا يعترض هؤلاء: كيف يحثّ المترَفين أوّلاً على ارتكاب الفواحش، ثم يعذبهم؟ فهذا خلاف العدل والنَّصَفة!

وباختصار فإن المفهوم الحقيقي للآية هو أن الله تعالى عندما يريد إهلاك قوم يأمرهم بعمل الصالحات بواسطة رسول يبعث فيهم، ولكنهم بدلاً من أن ينتفعوا بهذا الإنذار يزدادون عصيانًا لأوامره ، فيُهلكهم.

الحق أن تفسير هؤلاء الطاعنين المغرضين باطل تمامًا، إذ لو أخذنا بتفسيرهم لأصبحت هذه الجملة مدحًا للمترَفين، لأنها ستعني أن الله يأمرهم بارتكاب الفواحش، ولكنهم يعصون أمر الله هذا – علمًا أن فسَقوا تعني عصَوا – وكأنهم رغم حث الله لهم على الفواحش لا يرتكبونها، بل يصبحون أكثرَ صلاحًا من ذي قبل! وهذا المعنى باطل بالبداهة، لأن هذه الآية جاءت في محل اللوم على المترفين.
ولو فسّرناها بأن الله يحث المترَفين على الفواحش فيرتكبونها، لم تستقم كلمة فسَقوا في السياق، لأنهم ما داموا ارتكبوا الفواحش بأمر الله تعالى فلم يفسقوا أي لم يعصُوه ، بل أطاعوه.
فثبت أن تفسيرهم هذا دليل على جهلهم باللغة العربية، ولا يَرِدُ الاعتراض على القرآن الكريم في الواقع، وإنما على علمهم الناقص.
إن ما يقوله القرآن الكريم هو أن الله تعالى يعطي هؤلاء المترفين أوامره – وهي طبعًا أوامر حسنة لأنها منه – ولكنهم يفسقون أي يعصون أوامره . مع العلم أن المفعول الثاني لفعل أَمَرْنا محذوف هنا لكونه ظاهرًا بيّنًا، وهو فعل الخيرات. وحذفُ أحد المفعولين أو كليهما جائز في العربية في مثل هذه المناسبات.
لقد قلت إن المحذوف هنا ظاهر بيّنٌ، لأن القرآن الكريم قد أكد مرة بعد أخرى أن الله لا يأمر إلا بالخير، كما صرح الله تعالى في قوله:
إنَّ اللَّهَ يأمُرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإِيتاءِ ذي القُرْبى ويَنهَى عن الفحشاءِ والمنكَرِ والبَغيِ يَعِظُكم لعلّكم تَذكَّرون (النحل: 91)..
أي أنه تعالى يأمر بالعدل والإحسان وكذلك بالخيرِ الذي لا يمكن أن يفكر صاحبُه في الجزاء عليه.

كما نصح الإنسانَ ألا يَعُدّ الترقياتِ المادية وحدها فضلَ الله تعالى إنه يمنح بعضَ الأمم الرقي المادي أحيانًا، ولكنه لا يكون دليلاً على رضاه، لأن الرقي المادي لا يُعتبر فضلاً ورضوانًا من الله إلا إذا صحبه الرقيُّ الروحاني أيضًا.

وقال الله تعالى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بالْفَحْشَاءِ (الأعراف: 29) وباختصار فإن المفهوم الحقيقي للآية هو أن الله تعالى عندما يريد إهلاك قوم يأمرهم بعمل الصالحات بواسطة رسول يبعث فيهم، ولكنهم بدلاً من أن ينتفعوا بهذا الإنذار يزدادون عصيانًا لأوامره ، فيُهلكهم. عــلمًا أن قــوله تعــالى أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا لا يعني أنه تعالى يأمر الأثرياء منهم فحسب، ذلك لأن من معاني المترَف: الذي يصنع ما يشاء ولا يُمنَع، وهذا المعنى يشمل الآثمين جميعًا، الأثرياء منهم والفقراء على حد سواء. وقد يكون المراد أن أَمْرَنا هذا يكون أمرًا عامًّا في الحقيقة، فيرفضه المترَفون أي الجبابرة البُغاة منهم، بينما يقبَله الصلحاء من بينهم؛ ونظيره في القرآن قول الله تعالى لإبليس مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُك (الأعراف:13)، مع أن أمر السجود لم يكن موجَّهًا إليه بشكل خاص، بل كان عامًّا يشمله مع غيره. وهكذا تمامًا يأتي كل نبي بأحكام الله التي تخصّ القومَ كله، فيؤمن بها المؤمنون، ويكفر بها الكافرون.
أما «القرية» فلم تَرِدْ هنا بمفهومها العام، بل جاءت بمعنى «أُمّ القرى».. أي القريةُ التي يختارها الله مركزًا لدعوة نبيه المبعوث في ذلك العصر؛ كما قال الله تعالى:
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا (القصص:60).

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (الإسراء: 18)

شرح الكلمات:
القرون: جمعُ قرنٍ، ولها عدة معانٍ منها: كلُّ أمة هلكت فلم يبق منها أحد؛ الوقتُ من الزمان؛ أهلُ زمان واحد؛ أُمةٌ بعد أُمة. وقرنُ الشيطان وقرناؤه: أُمّته المتّبعون لرأيه، أو قوّتُه وانتشارُه وتسلُّطُه (الأقرب).

التفسير:
يقول الله تعالى إنكم ستجدون أمثلة كثيرة على بعث رسول إلى كل أمة على مر الدهور منذ عصر نوح حتى اليوم .
وقوله تعالى وكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا يعني أنه لا يليق بالله الخبير البصير أن يلتزم الصمت وهو يرى عبادَه في الضلال تائهين!! وهذه الجملة أيضًا تبطل زعم أولئك الجاهلين الذين قالوا أن الآية السابقة تعني أن الله يدفع العبادَ إلى غشيان المعاصي ثم يعذبهم! فقد صرّح الله تعالى هنا أنه يرى الناسَ آثمين فيأمرهم بالكف عنها، وليس أنه هو الذي يدفعهم إلى ارتكاب الآثام.

مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (الإسراء: 19)

شرح الكلمات:
العاجلةَ: عجِل الرجلُ: أسرَعَ. العاجلةُ: الدنيا (الأقرب). وقوله مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ.. أي الأعراضَ الدنيوية (المفردات).
جهنم: دارُ العقاب بعد الموت (الأقرب).
مدحورًا: دحَره يدحُر دُحورًا: طرَده؛ أبعدَه؛ دفَعه (الأقرب).

التفسير:
لقد نبه الله تعالى الإنسانَ هنا أن لا يطمع في المنفعة العاجلة، بل يطمح إلى ما هو مبارك وإن كان آجلا.
كما نصح الإنسانَ ألا يَعُدّ الترقياتِ المادية وحدها فضلَ الله تعالى إنه يمنح بعضَ الأمم الرقي المادي أحيانًا، ولكنه لا يكون دليلاً على رضاه، لأن الرقي المادي لا يُعتبر فضلاً ورضوانًا من الله إلا إذا صحبه الرقيُّ الروحاني أيضًا.

وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (الإسراء: 20)

التفسير:
إن ضمير المؤنث في سعيها راجع إلى الآخرة، والمعنى: أنهم يسعون للآخرة السعي المناسب للفوز بها. وقد أشار الله بذلك إلى أنه لن ينفع أحدًا في الآخرة السعي العادي، وإنما ينفعه من السعي ما يتلاءم ومتطلبات الفوز بالآخرة. كما نبّه بقوله وهو مؤمنٌ إلى أن الفوز في الحياة الآخرة إنما أساسه طهارة القلب. ذلك أن الأعمال الدنيوية تنفع صاحبها في الدنيا أحيانًا بدون الإيمان أيضًا، ولكن في الآخرة لن ينفع الإنسان من أعماله إلا ما صدر عن إيمان صادق، لأن «مشكورًا» هنا يعني مقبولا، أي لن يقبَل عند الله إلا العمل الذي معه إيمان. علمًا أن قوله تعالى وهو مؤمن لا يعني أنه لا يُقبَل العمل الحسن أبدًا إلا من المؤمن، وإنما المراد أن الذي يعمل العمل الحسن مؤمنًا بجزاء الآخرة سينال الجزاء عليه هنالك، أما الذي يعمل العمل الحسن غيرَ مؤمن بجزاء الآخرة فينال جزاءه عليه في هذه الدنيا نفسها.

قد يظن البعض أن غير المؤمن لن ينال أي جزاء على حسناته؛ لذا صرّح الله هنا أن النصرة الإلهية نوعان: النوع الأول لا يختص بالدين والإيمان بل هو عام؛ فكل من يعمل عملاً ويسعى لهدف ينال ثمرة جهوده، سواء أكان هندوسيًّا أو مسلمًا أو مسيحيًّا أو يهوديًّا أو غير ذلك. والنوع الآخر من النصرة الإلهية خاص بالدين، ويتلقاه المؤمن دون الكافر.

كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (الإسراء: 21)

شرح الكلمات:
نُمِدّ: أمدَّه؛ أمهلَه؛ أمدَّ أجلَه: أخَّره. أمدَّ الجندَ: نصرهم بجماعة. أمدَّ فلانًا بمال: أعطاه؛ أعانَه وأغاثَه (الأقرب).
محظورًا: المحظور: الممنوعُ المحرَّمُ، ومنه في القرآن وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ، وقيل: مقصورًا على طائفة دون أخرى، مِن حَظَرَ الشيءَ إذا حازه لنفسه خاصة (الأقرب).

التفسير:
لقد أزال الله تعالى هنا الشبهة التي قد تتولد لدى قراءة الآية السالفة، إذ قد يظن البعض أن غير المؤمن لن ينال أي جزاء على حسناته؛ لذا صرّح الله هنا أن النصرة الإلهية نوعان: النوع الأول لا يختص بالدين والإيمان بل هو عام؛ فكل من يعمل عملاً ويسعى لهدف ينال ثمرة جهوده، سواء أكان هندوسيًّا أو مسلمًا أو مسيحيًّا أو يهوديًّا أو غير ذلك. والنوع الآخر من النصرة الإلهية خاص بالدين، ويتلقاه المؤمن دون الكافر.