• أحيانًا يسمع المرء شيئًا عن غيره، وبناءً على ذلك يبدأ في معاداته بدون أي تحقيق.
  • شهادة السمع والعين والقلب لا تكفي بل إنها تعتمد على العلم واليقين.
  • لا تجعل أعمالك أو محاسنك سببًا للكبرياء لأن التكبر يحرمك من الرقي.
  • ليس في الدنيا عمل يُعدّ سيئًا على إطلاقه وبسبب ذلك ينهانا اللهُ عن جوانبه السيئة.

وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (الإسراء: 36)

شرح الكلمات:
الكيل: كالَ الطعامَ كيلاً واكتالَه بمعنى واحد. واكتالوا على الناس أي اكتالوا منهم لأنفسهم. قال ثعلب معناه: مِن الناس. وقال غيره: اكتلتُ عليه أخذتُ منه. يقال: كال المعطي واكتال الآخذُ، وكالَه طعامًا وكالَ له. والكيل والمِكْيَل: ما كِيلَ به، حديدًا كان أو خشبًا. وكالَ الدراهم: وَزَنَها. كل ما وُزِنَ فقد كيل (التاج).
القِسطاس: الميزانُ؛ وأَقْوَمُ الموازين. وقيل: هو ميزان العدل (الأقرب).

التفسير:
في الآية السالفة أوصانا الله بأداء الحقوق، وهنا أيضًا قد آتانا أمرًا مماثلاً لما سبق، وقال: كما قد أمرناكم برد أموال اليتامى إليهم، كذلك نأمركم بردّ الحقوق لأصحابها في المعاملات الأخرى التي تتم بينكم.
ونبه بقوله تعالى ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً على أن هذا العمل خير لكم دِينًا ودُنيا. ذلك أن التاجر الذي يعلَم الناسُ أنه ينقص المكيال لا بد أن تصاب تجارته بالكساد في نهاية المطاف. وكذلك الحال بالنسبة للأمة التي لا تراعي الصدق والسداد في معاملاتها.

وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (الإسراء: 37)

شرح الكلمات:
لا تَقْفُ: قفا أَثَرَه يقفُو: تَبِعَه. قفا فلانًا بأمرٍ: آثَرَه به (الأقرب).

التفسير:
اعلَمْ أن قوله تعالى لا تَقْفُ ما ليس لك به علمٌ ليس نهيًا عن تحصيل العلوم الجديدة أو عن القيام بالبحوث المبتكرة، وإنما المراد منه ألا تسيئوا الظن ولا تتّهموا الآخرين دونما تحرٍّ وتبيّنٍ؛ ومن أجل ذلك ذكَر بعدها مسببات سوء الظن، أعني الأُذن والعين والقلب. فأحيانًا يسمع المرء شيئًا عن غيره، وبناءً على ما سمعه يبدأ في معاداته دونما تحقيق وفحص؛ أو يرى حادثًا ما ويستنتج منه استنتاجًا خاطئًا دون أن يكلّف نفسه عناء التحري، فقد يكون لما اعتبره خطيئةً ما يبرِّره ويُسوّغه. وكذلك يتولد في قلوب البعض أفكار سيئة عن الآخرين من دون أن يسمعوا أو يروا منهم شيئًا. والله تعالى ينهانا هنا عن كل تلك الأمور ويقول: لا تجرُوا وراء الظنون السيئة.
واعلم أن الأُذن هي أكبر دواعي سوء الظن، فإن الناس يسيئون الظن بالآخرين عمومًا بناء على ما يسمعون، ومن أجل ذلك ذكر الأذن قبل المسببات الأخرى. وتليها العين درجةً، ولذلك ذكرها في المقام الثاني. ثم ذكر القلب، لأن أسوأ الناس ظنًّا من لا يسمع أي شيء ضده، كما لا يرى أي أمر مريب، وإنما يختلق من عند نفسه ما يسيء به الظن بالآخرين فيُبغضهم. ولكن بما أن هذا النوع من الظن قليل الوجود لذلك ذُكر هنا في الأخير، لأن المصابين بالأمراض الخطيرة يكونون أقلَّ عددًا من المرضى العاديين دومًا.
أما قوله تعالى إن السمع والبصر والفؤاد فقد نبّه به إلى أن المرء لن يُسأل عن اعتدائه على أموال الآخرين وأنفسهم فقط، بل سيُسأل أيضًا عما ناله من أعراضهم وكرامتهم. فلو أن الأُذن استمعتْ عن الغير ما لا يحلّ لها سماعه فستُسأل عنه. ولو أن العين رأت من الغير ما لا يحلّ لها رؤيته فستُسأل عنه. ولو أن القلب حمل عن غيره ما لا يحل لـه حمله فسيُسأل عنه.
لقد آتانا الله هنا تعليمًا أخلاقيًا ساميًا جدًّا لو التزم به المرء لما بقي فيه أي نوع من الرجس والدرن. على الإنسان ألا يعتمد في قراراته على الظن، وإنما على العلم واليقين. إن شهادة السمع أو العين أو القلب وحدها لا تكفي، بل يجب على الإنسان أن يتحرّى الأمر بكل الإمكانيات المتاحة قبل أخذ القرار. ومن أجل ذلك قال الإمام أبو حنيفة – رحمه الله – مقولته الشهيرة: إذا كان هناك تسعةٌ وتسعون احتمالاً لكفر شخص واحتمالٌ واحد لإيمانه فلا تكفّروه.*
ولكن لا يعني هذا القول الحكيم، كما يزعم بعض الحمقى، أنه إذا كانت في أحد الناس 99 وجهًا شرعيًّا للكفر فأيضًا لا تكفّروه. ذلك أن وجوه الكفر ليست أكثر من سبعة أو ثمانية: الكفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والدعاء، والقدر والبعث بعد الموت. فلو فسّرنا هذه المقولة بأنه إذا كانت في أحد 99 وجهًا للكفر فلا تكفّروه أيضًا.. فلن يمكن حتى اعتبار الملحد كافرًا.

وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (الإسراء: 38)

شرح الكلمات:
مَرَحًا: مَرِحَ الرجلُ مَرَحًا: اشتدّ فرحُه ونشاطُه حتى جاوزَ القدرَ وتبختَرَ واختال (الأقرب).
لن تَخرِق: خرَق الثوبَ: مزّقه فتمزَّق. خرَق المفازةَ: قطَعها حتى بلَغ أقصاها (الأقرب).

التفسير:
إلى هنا كان الحديث يدور حول الأخلاق التي لها صلة بالله تعالى أو بأناس آخرين، أما الآن فقد تحدث القرآن عن الأخلاق التي هي ذات صلة بالمرء نفسه، فقال عزّ مِن قائل: إذا كنت أيها الإنسان متحلّيًا ببعض المحاسن فلا تجعلها سببًا للزهو والكبرياء، لأن هذا سيحرِمك الخيراتِ، ولن تقدر على إحراز المزيد من التقدم؛ لأن المتكبر يفكر أنه قد بلغ أوجَ الكمال، وبالتالي يُحرَم المزيدَ من الرقي.
كما نبّه بذلك أن نجاحك، يا ابن آدم، نجاح محدود داخل نطاق القدرة الإنسانية على كل حال؛ فلا تفرح إلا الفرحة التي هي مقدَّرة للإنسان. وتَذكَّرْ أنك لن تقدر، رغم كفاءاتك وقدراتك، على خرق الأرض، أي على الخروج منها. يقال: خرق المفازةَ أي قطعَها حتى بلَغ أقصاها، وهذا المعنى نفسه ينطبق هنا، والمراد أنك لن تعيش إلا في هذا العالم المحدود، وأن إنجازاتك أيضًا محدودة على كل حال؛ فلا تسلك مسلكًا يجعل عيشك مع الآخرين صعبًا. ويعرف الذين درسوا حياة المتكبرين عن كثب أن المتكبر يعيش عيشةً مريرة جدًّا. ذلك أنه من جهة يعتبر نفسَه أعجوبة من الأعاجيب، ومن جهة أخرى يضطر للعيش مع بني جلدته؛ فيظل طيلةَ حياته في صراع مع عواطفه المتباينة المتضاربة. وتعيش العذابَ نفسه الطبقةُ المثقفة بالثقافة الإنجليزية في بلدنا في هذه الأيام، حيث يرون أنهم أفضل من إخوانهم الهنود، ولكن الأوروبيين أيضًا ينظرون إليهم بازدراء واحتقار. إنهم من ناحية لا يريدون العيش مع أبناء جلدتهم، ومن ناحية أخرى لا يتلقون ممن يقلّدونهم إلا الذل والهوان.
فالله تعالى ينصح الإنسان بأنه عائش بين أبناء جنسه لا محالة، فينبغي ألا يُنمِّيَ في قلبه أفكارًا تجعل عيشَه جحيمًا.
أما قولـه تعالى ولن تبلغَ الجبالَ طُولا ، فاعلم أن من معاني الجبال سيدُ القوم وعالمُهم (الأقرب). وهذا هو المعنى الذي ينطبق هنا.
لقد نبّهنا الله بذلك على أن سيادة القوم إنما تُنال بالخدمة أو العلم. وخادم القوم وعالمهم كلاهما يكون نموذجًا مثاليًّا في التواضع، كما تقول العرب: «سيد القوم خادمُهم.» أي أن سيد القوم يكون خادما لهم في الحقيقة. وكذلك قال الله تعالى إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ (فاطر: 29).. أي كلما ازداد الإنسان علمًا ازداد خشيةً لله تعالى. فالله تعالى قد نبه الإنسان أنك لن تنال سيادة القوم بالتكبر والغرور، ولن تُعَدّ من علمائهم، لأن التكبر سوف يباعد بينك وبين قومك، كما يُبعِدك عن الله . فإذا كنت طالبَ عزة فاعلم أن غطرستك تضر بنفسك، لأنها تحرمك مما ترومه. فلا تتكبر، بل انفَعْ قومك بما في نفسك من خير دنيوي، فتكون سيدًا لهم، وإذا كان فيك أي خير ديني فاصنَعْ به المعروف لقومك، لتكون محبوبًا عند الله تعالى.
هذا النهي عن التكبر يبلغ من الروعة بحيث يستحيل أن يقدم أيُّ كتاب سماوي نظيرَه.

ذلك أن التاجر الذي يعلَم الناسُ أنه ينقص المكيال لا بد أن تصاب تجارته بالكساد في نهاية المطاف. وكذلك الحال بالنسبة للأمة التي لا تراعي الصدق والسداد في معاملاتها.

كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (الإسراء: 39)

شرح الكلمات:
سيِّئُه: السيِّئ: القبيحُ (الأقرب).

التفسير:
هذه الجملة الوجيزة قمة في البلاغة لأنها قد حصرت البحرَ في إناء. يقول الله تعالى إن للأمور المذكورة أعلاه جوانبَ خير وجوانب شر أيضًا؛ وإنما ننهاكم عن جوانبها السيئة، ولا ننهاكم عن الحسنة منها. بمعنى أنه ليس في الدنيا أي عمل يمكن أن يُعَدَّ سيئًا على إطلاقه. خذوا مثلاً توحيد البارئ، فالإيمان به حسنةٌ؛ ولكن لو أن أحدًا جعل عقيدة التوحيد هذه سببًا لنشر الفساد في الأرض، وسَبَّ آلهةَ الأمم الأخرى، لأصبح تمسكه بالتوحيد أمرًا سيئًا. وبالمثل فإن احترام الوالدين حسنة، ولكن لو أن أحدًا أشرك بالله أو ظلَم الناس طاعةً لوالديه لصار احترامه للوالدين سيئة. ولا شك أن القتل سيئة، ولكن لو أن أحدًا تجنَّبَ قتل العدو أثناء الدفاع عن الوطن أو عند القصاص اللازم لعُدَّ عدمُ قتله سيئةً. ثم إن الاقتراب من أموال اليتامى معصية، ولكن لو أن أحدًا تخلَّى عن حماية هذه الأموال خوفًا من وقوعه في معصية التصرف الخاطئ فيها لكان فعله هذا سيئًا. وإن الأمانة في المعاملات حسنة، ولكن لو أن أحدًا ترك كسب الحلال مخافة الخيانة في معاملاته لعُدّ عمله سيئة. وضبط القُوى الشهوانية في دائرتها المحددة حسنة، ولكن لو أن أحدًا تخلى عن ممارستها كليةً واختار الرهبانية، أو مارس الشهوة في حرام، فقد أتى معصية. وسوء الظن منكر من المنكرات، ولكن لو أن أحدًا من الحراس ظن بالناس خيرًا وسمح لهم بالاقتراب مما أُوكلَ إليه حراستُه لاعتُبر عملُه سيئًا. وعدم الزهو والتكبر حسنة، ولكن لو أن أحدًا تواضع في موطن يتطلب الشجاعة والبسالة لأتى عملاً سيئًا.
ولذلك يعظنا الله تعالى أن نفقه الحكمة في تعليماته، فنستخدم كل قوة من قوانا في محلها الملائم. إنه تعالى لا ينهانا عن الانتفاع من هذه الملكات، وإنما يمنعنا من استخدامها الخاطئ.
وهذا الشرح للأعمال يبلغ من السمو والكمال بحيث إن عدم إدراك الإنسان لها هو الذي يؤدي إلى المفاسد كلها. وما أَقَلَّهم الذين يسلكون هذا الطريقَ الوسط!