الفتنة الكبرى

تحت سلسلة السيرة المطهرة يتناول الكاتب

سيرة حضرة ميرزا غلام أحمد

الإمام المهدي والمسيح الموعود

مبرزاً الوقائع والأحداث الهامة

من حياة حضرته المطهرة

ذكرنا في الحلقة الماضية كيف أن الإمام المهدي عليه السلام قد مدح نظام الحكم الإنجليزي الذي كان يقوم على احترام حرية الجميع في ممارسة شعائر أديانهم، وكيف أن الإنجليز قد أوقفوا المظالم التي كان يتعرض لها المسلمون على أيدي السيخ والهندوس. ومن أجل ذلك فقد مدحهم علماء المسلمين في الهند وفي الحجاز وفي مصر، وأفتوا بعدم شرعية الجهاد ضدهم. وقد شرح الإمام المهدي المعنى الحقيقي للجهاد وما يقتضيه الزمن من نشر الدين بالحكمة والموعظة الحسنة وليس بالقتل والاغتيال، وعلى ضرورة استخدام السيف إذا استخدم العدو السيف لمنع المسلمين من ممارسة شعائر دينهم، واستخدام الأقلام والحجة إذا استخدم العدو تلك الوسائل للهجوم على الإسلام. ومن هذا المنطلق كان يواجه المبشرين المسيحيين الذين كانوا يشنون حملة شعواء على الإسلام، فتصدى لهم بقوة و بلا هوادة، ولكنه دعا ملكة بريطانيا إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان في هذا يتأسى بالنهج القرآني الحكيم.

وقد آثرنا أن ننشر الحلقة الأخيرة من هذا الفصل في عدد واحد رغم طولها، وذلك لأهمية الموضوع و ارتباط أحداثه حتى يفهم القارئ مدى الكذب الذي عمل القساوسة المبشرون على نشره ضد الإمام المهدي ، وكيف أن المسلمين قد وقعوا ضحية أكذوبة كبرى خلقتها قوى الاستكبار للقضاء على الجماعة الإسلامية الأحمدية وليفرضوا عليها تعتيماً إعلامياً حتى لا تعلم الجماهير المسلمة حقيقة الأمر وما يحاك لهم وضدهم من مؤامرات.

إلى الرفيق الأعلى..

و بعد حياة من الجهاد المتواصل، قضاها الإمام المهدي منذ أخرجه الله تعالى من عزلته، و بعثه مجدداً ومهدياً ومسیحاً موعوداً، اختاره تعالى ليلحق بركب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وكتب الكثيرون، حتى من بين أولئك الذين كانوا يختلفون معه في حياته، كتبوا يَرْثونه ويعترفون بخدماته الجليلة للإسلام والمسلمين. وكان من بينهم الشيخ أبو الکلام آزاد، العالم الهندي الشهير الذي تقلد منصب الوزارة بالهند، والذي كتب في جريدة “وكيل” الصادرة في أمرتسر، كلمةَ تأبين لمؤسس الجماعة قال فيها:

“ذلك الشخص! نَعَمْ ذلك الشخص العظيم الذي كان قلمه سحراً، ولسانُه طِلَسْماً والذي كان تجسيداً للعجائب العقلية، والذي كانت نظرتُه ثورةً وصوتُه حشراً، والذي كانت أسلاك الثورة مطويةً بأصابعه، والذي كانت يداه بطاريتين كهربائيتين؛ ذلك الشخص الذي ظل بمثابة الزلزال و الطوفان في عالم الأديان إلى ثلاثين سنة، وأصبح بمثابة ضجة القيامة وظل يوقظ الأموات الروحانيين .. قد ارتحل من الدنيا خاوي الوفاض….

إن الذين يُحدثون الثورة في عالم الدين أو العقل لا يجود بهم الدهر كثيراً، بل إن أبطال التاريخ الأفذاذ هؤلاء نادراً ما يظهرون على منصة العالم، ولكنهم عندما يظهرون فإنهم يحدثون ثورة في العالم. إن عظمة السيد الميرزا – رغم وجود الخلافات الشديدة حول بعض معتقداته ودعاویه – جعلت المسلمين، نَعَمْ ! المسلمين المثقفين المتنورين، يشعرون لدى وفاته أن رجلاً كبيراً منهم قد فارقهم. وبذلك فقد انتهى ذلك الدفاع المجيد عن حياض الإسلام الذي كان يقوم به مقابل معارضي الإسلام والذي كان خاصاً بشخصه هو. لقد ظل يؤدي واجبه كقائد ناجح ضد أعداء الإسلام. وإن ميزته الفريدة هذه تُوجب علينا أن نعترف بهذا اعترفاً واضحاً حتى تبقى تلك الحركة الجليلة، التي داست أعداء الإسلام تحت الأقدام وهزمتهم إلى فترة من الزمن، سارية مستمرة في المستقبل أيضاً. إن كتب السيد الميرزا التي ألفها ضد المسيحيين والأريا الهندوس قد نالت قبولاً واسعاً، وإن حضرته لغني عن التعريف من هذه الناحية. ولا بد لنا اليوم أن نقدّر هذه الكتب – وقد أنجزت مهمتها – ونعترف بعظمتها من الأعماق. إذ لا يمكن أن يُمحى من صفحة القلب ذلك الوقت العصيب حين كان الإسلام عرضة لهجمات أعداء الإسلام من كل حدب وصوب، وحين كان المسلمون – وهم مأمورون بحمايته من قبل الحامي الحقيقي ( ) – يتأوهون عقاباً على تقصيراتهم، وكانوا لا يحركون ساكناً لصالح الإسلام بل ما كانوا على ذلك من القادرين…. كانت أسباب الدفاع (عن الإسلام والمسلمين) ضعيفة لدرجة أنه لم تتوفر لهم حتى السهام مقابل المَدَافع. ولم يكن هناك شيء اسمه الهجوم أو الدفاع أبداً…. ولكن هذا الدفاع المجيد (أي الذي قام به حضرته) حطم تأثيرَ الغزو المسيحي الذي كان في الواقع قوة المسيحية التي كانت تحظى بها المسيحية تحت ظلال الحكومة الإنجليزية. وهكذا فقد نجا آلاف من المسلمين، بل مئات الآلاف، من هجوم المسيحية الذي كان يشكل خطراً وشیکاً أفدح، وهكذا جعل الميرزا سحرَ المسيحية نفسها يتبخر في الهواء كالدخان. لقد غيّر حضرته أسلوب الدفاع وجعل المغلوبَ غالباً…. وسوف تظل الأجيالُ المسلمة تنظر بالإعجاب والامتنان إلى تلك الخدمة الجليلة التي قدمها حضرة الميرزا للإسلام، حيث أدى فريضة الدفاع عنه متصدراً صفوفَ المدافعين عنه بالقلم. لقد خلف كتابات سوف تظل حية مشرقة ما جرت في عروق المسلمين دماءُ الغيرة على الإسلام، وما دامت حماية الإسلام شعاراً قومیّاً لهم. هذا، وقد أسدى الميرزا المحترم خدمةً كبيرة للإسلام بكسر أنياب الآريا المسمومة… وكتاباتُه ضد الآريا تؤكد أيما تأكيد على أنه لا يمكننا غضُّ الطرف عن هذه الكتابات مهما اتسع نطاق دفاعنا….

وليس من المأمول أن يظهر في المستقبل في الأوساط الدينية بالهند شخص بهذا الشأن، حيث يُضحي بأمنياته السامية من أجل دراسة الدين.” (جريدة “وكيل” أمرتسار، يونيو ۱۹۰۸م، نقلاً عن جريدة “بدر” الصادرة في قادیان 18/6/1908 ص 2-3)

قد يتفق أحد مع سيدنا أحمد عليه السلام فيما أعلنه للناس من أنه هو المسيح الموعود وأنه هو المهدي المعهود.. وقد لا يتفق، ولكن الأمر الذي لا يمكن أن يختلف فيه اثنان، هو أن حضرة ميرزا غلام أحمد كان من ألد أعداء العقائد المسيحية الباطلة، وكان قلبه ووجدانه شديد الاستياء من أعمال المبشرين المسيحيين، ومن مكائدهم وشراكهم وفخاخهم التي نصبوها لاصطياد المسلمين وصرفهم عن دين الإسلام. وقد نجح بفضل الله تعالى في تحطيم: “تأثير الغزو المسيحي الذي كان في الواقع قوة المسيحية التي كانت تحظى بها المسيحيةُ تحت ظلال الحكومة الإنجليزية. وهكذا فقد نجا آلافٌ من المسلمين، بل مئات الآلاف، من هجوم المسيحية الذي كان يشكل خطراً وشيكاً أفدح، وهكذا جعل الميرزا سحرَ المسيحية نفسها يتبخر في الهواء کالدخان”، كما ذكر ذلك الشيخ أبو الکلام آزاد. ولذلك كان هؤلاء المبشرون المسيحيون يناصبونه العداء، ويتحينون الفرص للقضاء عليه وعلى دعوته، و استعداء السُلطة عليه، واتهامه بأنه خطر يهدد سلامة الدولة والحكومة، وأنه المناضل الإسلامي الخطير المنطوي في خبايا الدهر، وما إلى ذلك من الاتهامات والافتراءات والبهاتانات التي ألصقوها به.

الغريب والمريب

ولكن الغريب والمريب في الأمر أنه بعد أن انتصف القرن العشرين، وبعد أن نجحت قوى الاستكبار في زرع إسرائيل في قلب الوطن العربي، بدأت آثار كذبة خطيرة تتضح في الآفاق.. إذ بدأت بعض الفرق الإسلامية المتطرفة تشيع فريةً عجيبة عن سیدنا أحمد وعن جماعته، بينما ظهر المبشرون المسيحيون وكأنهم ليسوا بطرف في خلق وإفشاء و نشر تلك الكذبة الكبرى. كانت تلك الفرية العجيبة.. أن سيدنا أحمد عليه السلام.. ليس سوى عميل للإنجليز!

وأنهم هم الذين أو حوا إليه أن يدّعي أنه هو الإمام المهدي وأنه هو المسيح الموعود!!!

إن اللص يجري أحياناً مع الناس وينادي مثلهم: “أَمْسِكْ حرامي!”، وذلك لصرف الأنظار عن نفسه. والمرأة الساقطة تتهم غيرها بالرذيلة لتظهر كأنها امرأة شريفة. والعملاء دائما يتهمون غيرهم بالعمالة والخيانة، حتى ينفوا عن أنفسهم هذه الوصمة الحقيرة.

لم يخطر على بال هؤلاء الذين خلقوا تلك الكذبة الكبرى، ونشروها على أوسع نطاق أن يُفكروا قليلاً.. كيف يمكن للرجل الذي كان يُتهم أثناء حياته بأنه يشكّل خطراً على الحكومة الإنجليزية، كما اتهمه بذلك المشائخ المسلمون والمبشرون المسيحيون على السواء، كيف يمكن له أن ينقلب.. بعد مرور ما يقرب من نصف قرن على وفاته.. ليكون عميلاً للإنجليز؟

كيف يمكن للرجل الذي كانت الحكومة الإنجليزية تتوجّس منه شرّاً بسبب ادعائه بأنه الإمام المهدي، وكانت تضعه تحت مراقبة البوليس، باعتراف الصحف والجرائد الإنجليزية نفسها، كيف يمكن له أن يكون.. بعد مرور خمسين عاماً على وفاته.. مِن صنع الإنجليز؟

كيف يمكن للرجل الذي اعترف أعداؤه و مخالفوه عند وفاته أن دفاعه الرائع عن الإسلام ” قد حطم تأثيرَ الغزو المسيحي الذي كان في الواقع قوة المسيحية التي كانت تحظى بها المسيحيةُ تحت ظلال الحكومة الإنجليزية. وهكذا فقد نجا آلافٌ من المسلمين، بل مئات الآلاف، من هجوم المسيحية الذي كان يشكل خطراً وشیکا أفدح، وهكذا جعل المرزا سحر المسيحية نفسها يتبخَّر في الهواء كالدخان”. كيف يمكن أن يكون هذا الرجل من عملاء الإنجليز؟

وكيف يسيغ العقل أن تأتي الحكومة الإنجليزية – التي كانت ولا تزال تعتبر نفسها حامية حمي المسيحية – بشخص يُعلن عن نفسه أنه هو المسيح الموعود، الذي من أكبر مهامه أن يكسر الصليب، ويقضي على العقائد المسيحية الباطلة التي يروجها المبشرون المسيحيون، والتي تقوم الحكومة الإنجليزية بحمايتها؟

كيف يُعقل أن تستخدم الحكومة الإنجليزية رجلاً عادي الدنيا كلها ليثبت أن المسيحَ .. إله الإنجليز .. قد مات ودفن في التراب، شأنه في ذلك شأن كل الأنبياء والبشر؟

كيف يتصور عاقل.. أو حتى إنسان به شيء من العقل.. أن يقيم الإنجليز رجلاً قضی حياته في الدفاع عن الإسلام، وفي إثبات عظمة رسول الله ، وفي إثبات صدق كتاب الله القرآن، وتحدى جميع قادة الأديان الأخرى، بما فيهم المبشرون المسيحيون، أن ينقُضوا ولو ځمس الأدلة التي قدمها هو على صدق الإسلام وفضله؟

أي عقلية سقيمة هذه التي تتصور أن يأتي الإنجليز برجل يقف لمبشريهم ودعاتهم بالمرصاد، حتى ولو كانوا يقيمون في بريطانيا نفسها أو في أمريكا، من أمثال بيجوت في إنجلترا و دوئي في أمريكا؟

ثم أي خبل يمكن أن يصيب الإنسان فيتصور أن الإنجليز يأتون برجل يدعو ملكتهم العظمى إلى الإسلام، ويقول لها: “توبي واسمعي.. أسلمي تسلمين.. أتتخذون من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون؟”

وهل توقف أحد ليسأل أو يتساءل: لماذا كان هؤلاء الذين خلقوا تلك الكذبة ونشروها بين الناس.. كانوا هم أيضاً دعاه متحمّسين لإثبات أن عيسى عليه السلام يعيش في السماء، وأنه سوف ينزل إلى الأرض ويحكم العالم.. تماماً كما يقوله المبشرون المسيحيون؟

وهل حاول أحد أن يسأل أو يتساءل: لماذا كانت الدول التي هي في مقدّمة الدول التي تحارب الجماعة الإسلامية الأحمدية، وتُجنّد في سبيل ذلك جهودها العظمی، مثل السعودية وباكستان، هي نفسها الدول التي تدين بالولاء والطاعة للغرب، وتخدم المصالح الغربية؟

ثم.. لماذا لم يسأل أحد: كيف خرجت هذه الفرية الوضيعة ضد مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية من القارة الهندية، و كيف بدأت تنتشر في أرجاء الوطن العربي والعالم الإسلامي، بل وفي العالم أجمع على أوسع نطاق؟ ولماذا ظلت ما يقرب من خمسين عاماً محصورة في القارة الهندية، ولم يكن المسلمون خارج الهند يعادون الجماعة الإسلامية الأحمدية، حتى إن الأمير فيصل الذي صار ملكاً للسعودية فيما بعد، قد حضر بنفسه حفل افتتاح مسجد “فضل”

بلندن في عام 1926، الذي بنته الجماعة الإسلامية الأحمدية؟ ثم بعد ما صار فيصل ملكاً دعا ابن الأحمدية البار السير محمد ظفر الله خانْ ليقوم بعمرة بيت الله الحرام ضيفاً على الملك، وذلك اعترافاً بخدمات ظفر الله خانْ ومواقفه تجاه القضايا العربية وبالأخصّ قضية فلسطين في المحافل الدولية وخاصةً في الأمم المتحدة.

ثم لماذا لم يسأل أحد: لماذا لم تنتشر هذه الفرية الوضيعة في المجال العالمي، وخاصةً في الدول العربية، إلا بعد إنشاء إسرائيل؟

مؤامرات ضد المسلمين

ولكن.. إنَّ من عادة عامة الناس أنهم سريعاً ما ينسون، ولعلَّ الأجيال الجديدة التي لم تكن موجودة في زمن الإمام المهدي عليه السلام، لم تُتح لها معرفة الحقائق كاملة، ومن هنا بدأت حملة التعتيم الإعلامي ضد الجماعة الإسلامية الأحمدية في الأوساط الإسلامية، وصَحِبَتْها حملةٌ من التشويش والتضليل، حتى تظل القاعدة العريضة من المسلمين.. يجهلون الجماعة الإسلامية الأحمدية، ولا يعلمون عنها إلا كل ما هو كذبٌ وافتراء وبهتانٌ وتزوير.

ولهذا لا بد من الإشارة إلى المؤامرات التي كانت تُحاك ضد المسلمين، وضد الجماعة الإسلامية الأحمدية بالذات. وتعالوا بنا نستعرض الأحداث التي وقعت خلال الخمسين عاماً التي أعقبت وفاة الإمام المهدي عليه السلام. ويمكن تقسيم تلك الأحداث إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: بعد الحرب العالمية الأولى.. وفي أوائل العشرينات بدأ يظهر في سماء القارة الهندية نجم قائد جديد تزعّم حركةً سياسية للمطالبة باستقلال الهند عن التاج البريطاني. كان هذا القائد هو غاندي.. الذي سحر الجميع ببساطته وحركته المسالمة. وأسّس حزب المؤتمر الهندي (Indian Congress) للعمل على جمع كلمة الهنود، وتوحيد الصفوف للمطالبة بالاستقلال. ولكن الهند لم تكن وطناً للهندوس فقط، بل كان يشاركهم فيها المسلمون أيضاً. ومن هنا بدأ التخطيط بين الهندوس لتحقيق عدة أهداف مرحلية، تساعد على تحقيق الهدف النهائي، وهو الاستقلال عن بريطانيا واستيلاء الهندوس على الحكم.

كانت الخطة الأولى هي تدبير الهندوس لِــــمَا عُرِفَ بمشروع “شُدهي”. وكان الغرض من هذا المشروع هو هندكة المسلمين الهنود.. أي تحويلهم إلى الديانة الهندوسية. فقام دعاة الفرق الدينية الهندوسية يجوبون أنحاء الهند لجذب المسلمين الفقراء والأميين إلى الديانة الهندوسية خاصةً الذين كانوا هندوساً قبل الإسلام يعيشون في القرى. وفي هذه المرة لم يستعملوا أساليب السبِّ والبذاءة التي كانوا يستعملونها في حياة الإمام المهدي عليه السلام، مما كان يُثير حفيظة المسلمين ضدهم، وإنّما تعلَّموا من المبشِّرين المسيحيين أساليبهم الناعمة ووسائلهم التي يتودَّدون بها للناس ليكسبوهم إلى صفوفهم. وبالفعل كان الهندوس يتودّدون إلى الفلاحين المسلمين الفقراء ويُساعدونهم، ويجذبونهم بذلك إلى اعتناق الهندوسية.

وكانت الخطة الثانية هي إنشاء بعض الأحزاب الإسلامية التي يدين زعماؤها بالانتماء للوطن الأم وهي الهند، وتكون مهمة هذه الأحزاب الإسلامية هي نشر الأهداف السياسية للهندوس بين المسلمين، ومحاولة جمعهم مع الهندوس للعمل على نوال الاستقلال عن بريطانيا. وقد تم لهذا الهدف إنشاء حزب الأحرار، وحزب الجماعة الإسلامية التي تزعّمه أبو الأعلى المودودي.

وكانت الخطة الثالثة هي التظاهر بنبذ الخلافات الدينية جانباً، والمناداة بوحدة الشعب الهندي بكل طوائفه.. للوقوف في جبهةٍ واحدة والمطالبة باستقلال الهند عن الحكم البريطاني.

كان التخطيط يبدو محكماً، والتدبير يظهر محنَّكاً، إلا أنَّ الله كان لهم بالمرصاد.. فإذا بإمام الجماعة الإسلامية الأحمدية.. الخليفة الثاني ميرزا بشير الدين محمود أحمد.. وهو الابن الموعود لسيدنا الإمام المهدي عليه السلام، يقوم بتعبئة أفراد الجماعة للتصدّي لما كان يُخطط له الهندوس من هندكة المسلمين حسب مشروع “شُدهي”*. وفي عام 1922 رفع إمام الجماعة نداء الجهاد بين أفرادها، وحثّهم على التطوّع لمجابهة مشروع “شُدهي” وإبطال أثره. وتسابق أفراد الجماعة لتلبية نداء إمامهم، وخرج دعاتها وانتشروا في المناطق التي كان الهندوس يعملون فيها بحسب حركتهم “شدهي”،* ودخلوا في كل قرية من قراها، وذهبوا إلى كل بيت تحوّل أهله إلى الديانة الهندوسية ليعودوا بهم مرةً أخرى إلى الإسلام. وخلال هذه الحملة المقدّسة.. استطاع دُعاة الجماعة الإسلامية الأحمدية أن يكسبوا إلى الإسلام الكثير من الهندوس أنفسهم. وهكذا رأى دعاة الهندوسية فشل خطتهم وسقوط تدبيرهم، بل أحسوا بالخطر العظيم من قبل هذه الجماعة التي صار وجودها يهدّد الديانة الهندوسية نفسها، بعد أن دخل أعداد كبيرة من الهندوس في الإسلام.

وقد اعترف بخدمات الأحمدية هذه حتى أشد معارضيها. ونورد هنا، على سبيل المثال لا الحصر، شهادتين من جريدتين:

قالت جريدة “المشرق” الناطقة باسم المسلمين والصادرة في “غورخبور” في عددها 15 مارس 1923م:

“لقد أوقعت الجماعة الأحمدية ضربةً قاسية على أفكار الآريا على وجه الخصوص. وروحُ الفداء والحماسُ الشديدان اللذان تتحلّى بهما الجماعة الأحمدية في سبيل التبشير والنشر لا يُلاحَظان في فِرقٍ أخرى في الزمن الحالي”.

تورد جريدة “زميندار” – وكانت من أشد المعارضين للأحمدية – ذكر هذه الأحداث وتقول:

“الأحداث التي اطَلعنا عليها عبر الجرائد عن فتنة الارتداد، تُبيّن صراحةً أنَّ مسلمي الجماعة الأحمدية يقومون بخدماتٍ عظيمة للإسلام. وما ظهر منهم من روح التضحية والعزم القوي والنوايا الحسنة والثقة بالله لهو جديرٌ بالإشادة والتقدير الكبيرين، إن لم يكن عديم النظير في الهند في الزمن الراهن. إنَّ مرشدينا ومشائخنا المعروفين رُقودٌ بلا حراك، في حين أنَّ هذه الجماعة ذات العزم القوي قامت بخدمةٍ عظيمة”. (“زميندار” 24/6/1923م)

كان السيد غلام حسين من غير الأحمديين، وكان مدير المدرسة الثانوية بمدينة “جهلم” بباكستان الآن، وكان يعمل مع ممثلي مختلف الجماعات في تلك المناطق. فأرسل من هناك رسالةً إلى جريدة “زميندار” المذكورة آنفاً، فنشرتها الجريدة في عددها 29 حزيران 1923م. حيث كتب السيد غلام حسين مخاطباً محررَ الجريدة:

“الأحمديون القاديانيون يُبدون روحَ التضحية السامية. إذ أنَّ حوالي 100 شخص من دُعاتهم متحصِّنون في مختلف القرى بإشراف رئيسهم. لقد قاموا بأعمالٍ بارزة. إنَّ جميع هؤلاء الدعاة يعملون دون أن يُدفع لهم راتب ونفقات السفر. وبالرغم أننا لسنا من الأحمديين ولكن لا نستطيع الامتناع عن الإشادة بعمل الأحمديين العظيم. وروحُ التضحية التي أظهرها الأحمديون من المستحيل أن نلاحظها إلا في المسلمين من أوائل الإسلام….. فكل من دُعاتهم، غنيّاً كان أو فقيراً، ماضٍ في مضمار العمل دون أن تُدفع له نفقات السفر أو الطعام. كلهم منشغلون بإشراف أميرهم في الحرِّ الشديد والرياح اللاهبة”.

بعد أن سقطت الأقنعة التي كان الهندوس يحاولون أن يُخفوا بها حقيقةَ دوافعهم من وراء تودّدهم للمسلمين البسطاء الأميين لتحويلهم إلى الديانة الهندوسية، لم يستطيعوا أن يستروا حقدهم وكراهيتهم للإسلام والمسلمين. وفي عام 1927 نشروا كتاباً بغيضاً ومُشيناً باسم: “رنغيلا رسول”، أي الرسول المنغمس في الملذات والعياذ بالله. وكان هذا الكتاب يطفح بذاءةً ضد شخص سيدنا ومولانا محمد رسول الله ، بشكل يجعل الدماء تغلي في عروق كل مسلم، وتُدمي القلوب حقارته ودناءته. ثم تبع ذلك الكتاب مقال نشرته إحدى النساء الهندوسيات في مجلة “ورثمان” الناطقة باسم الهندوس، وكان أيضاً موجهاً ضد شرف سيدنا وإمامانا رسول الله ، وكان المقال في منتهى القذارة والنجاسة، حتى إنَّ الإنسان ليستغرب من شدة خبث طوية تلك المرأة، وسفالة قلمها الذي كتبت به تلك الكلمات.

وسرعان ما تصدَّت الجماعة الإسلامية الأحمدية لهذا الهجوم الشرس الوضيع، وانقضّت كالشهاب الثاقب تحرق هؤلاء الشياطين. وقام إمام الجماعة في وجه هذا الهجوم بكل قوةٍ وحماس، وراح يردّ على الهندوس ويفنّد أقوالهم. ونشرت الجماعة الكتب والمقالات فإذا هي تلقف ما صنع الهندوس، وتُظهر للملأ علوّ قَدْرِ ذلك النبي العظيم، نبي الرحمة والعظمة والجلال، عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه المخلصين، أزكى السلام وأعظم التسليم إلى يوم الدين. هنا.. كان لابد من التآمر، فإنَّ أساليب التآمر هي الأساليب الخسيسة التي يلجأ إليها كل من تعوزه الحجة ويفتقد البراهين. فكان أن أوحى دُعاةُ الهندوسية إلى عملائهم المسلمين من حزبي الأحرار والجماعة الإسلامية المودودية بمحاربة الجماعة الإسلامية الأحمدية، ونشر الأكاذيب والمفتريات ضدها، وترديد بعض الفتاوي التي أصدرها النكرات من المولويين والمشائخ بكفر هذه الجماعة وخروجها عن الإسلام. وراح الهندوس يُذْكُونَ نار العداء ضد الجماعة الإسلامية الأحمدية، ويُهيبون بالمسلمين ألا يستمعوا لما يقوله الأحمديون، ويوحون إليهم بأنَّ بعضاً من علماء المسلمين قد أفتى بكفرهم، فلا يصحُّ أن يستمع لهم المسلمون أو يتبعوهم.

وفي الثلاثينيات.. كانت حملات الحقد والكراهية ضد الجماعة الإسلامية الأحمدية تُنشر على أوسع نطاق، حتى إنَّ حزب الأحرار أعلن أنه سوف يدمّر قاديان مقر الخلافة الأحمدية، ولن يترك فيها داراً يسكنها واحد من الأحمديين. غير أنَّ عامة المسلمين في الهند لم يتأثروا بهذه الحملات، وكانوا يرون في الجماعة الإسلامية الأحمدية جماعةً مسلمة، قد تختلف في بعض معتقداتها عما تؤمن به الفرق الأخرى من المسلمين، ولكن هذا كان شيئاً عادياً في الهند التي تجمع الكثير من الفِرق الإسلامية من ديوبنديين، وبريلويين، وأهل الحديث، وأهل القرآن، وأهل السُنّة، وأهل الشيعة، والوهّابيين، والإسماعيليين وغيرهم الكثير، وكل من هذه الفرق تختلف في معتقداتها عن الفرق الأخرى. فلم يكن من الغريب ولا من غير المألوف في الهند أن تختلف الجماعة الإسلامية الأحمدية هي الأخرى في بعض المفاهيم عن الفرق الأخرى.

ولذلك.. حينما ثارت مشكلة كشمير – بعد أن حاول الحكّام الهندوس حرمان سكانها من حقوقهم المدنية وحتى من أبسط الحقوق الإنسانية، حيث كانوا يعيشون كالعبيد للهندوس رغم أنَّ المسلمين كانوا يُشكّلون الأكثرية الساحقة – نادى إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية في ذلك الوقت.. ميرزا بشير الدين محمود أحمد.. بتكوين لجنة من الزعماء المسلمين للمطالبة بالحفاظ على حقوق المسلمين في كشمير. وبدأت عيون كبار المفكّرين والزعماء السياسيين تتجه إلى قاديان، وذكروا لإمامنا الهمام أنَّ مهمة تخليص المسلمين من هذه المؤامرات والمشاكل لن تُكلّل بالنجاح أبداً إلا إذا حمل هو عِبْأها على عاتقه. وقد كتب الشاعر الشهير الدكتور محمد إقبال رسالة بخط يده بتاريخ 5 سبتمبر (أيلول) عام 1930 يعرض على إمام الجماعة أن يكون ضمن أعضاء اللجنة المقترحة.

وقد اجتمع عدد كبير من العلماء المسلمين والزعماء السياسيين عام 1931 في مدينة “شِملة” وانتخبوا بالإجماع إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية ليكون رئيساً للجنة المطالبة بحقوق المسلمين في كشمير.

أسرع الهندوس ليوحوا إلى عملائهم من حزب الأحرار أن يتولّوا تفتيت وحدة المسلمين وعرقلة عمل هذه اللجنة التي تُطالب بحقوق المسلمين في كشمير. وقام العملاء بواجبهم خير قيام، فأعلنوا عن تشكيل لجنة أخرى للمطالبة أيضاً بحقوق المسلمين في كشمير، وراحوا يجمعون الأموال باسم اليتامى في كشمير، ثم أكلوها أكلاً لَمَّاً. ولنقرأ ما كتبه أحد الكتّاب المسلمين أنفسهم يصف حقيقة ما حدث: “برزت للعيان جماعتان اثنان فقط لمساعدة الكشميريين المظلومين: إحداهما لجنة كشمير (بزعامة سيدنا الخليفة الثاني )، والثانية جماعة “الأحراريين”. ولم يشكل أحد جماعةً غيرهما ولم تتشكّل. أنا شخصياً ما كنتُ أضع ثقتي في الأحراريين. واليوم تعرف الدنيا كلها أنَّ الأحراريين جمعوا الأموال باسم اليتامى في كشمير، وباسم المظلومين المنكوبين والأرامل، ثم أكلوها وهضموها مثل حليب الأم. وليس منهم زعيمٌ واحد لم يرتكب هذه الجريمة بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة. لقد دعتهم لجنة كشمير إلى وحدة العمل ولكن بشرط أن تتم المشاريعُ كلها بكثرة الرأي وتسجيل حسابات النفقات بصورةٍ نظامية، ولكن الأحراريين رفضوا كلا المبدأين. فلم يبقَ لي خيار إلا أن أكون مع لجنة كشمير. وأقول بصراحةٍ متناهية وأعلن على دقّات الطبول إنَّ ميرزا بشير الدين محمود أحمد، زعيم لجنة كشمير، عمل بجدية متناهية وجهدٍ متواصل وحماسٍ مفرط وأنفق الأموال من عنده، لذلك أنا أحترمه.” (حركة قاديان تأليف السيد سيد حبيب مدير جريدة “السياسة” ص42)

أثارت لجنة الدفاع عن حقوق المسلمين في كشمير حنق الهندوس، فأرادوا القضاء عليها بكل وسيلةٍ ممكنة، ولم يكن أمام عملائهم من حزب الأحرار والجماعة الإسلامية بقيادة المودودي سوى أساليب الدسّ والوقيعة بين المسلمين، فراحوا يُشيعون في كل مكان أنَّ الجماعة الإسلامية الأحمدية جماعةٌ كافرة خارجة عن الإسلام، وذلك لكي يعزلوها عن الجماهير المسلمة، ويقضوا بذلك على جهادها من أجل مصلحة المسلمين. وراحت الجرائد الهندوسية تنشر الفتاوى بكفر الأحمديين، وتحضُّ المسلمين عامةً على مقاطعة الأحمديين. وبكل الأسف.. لم يستطع المسلمين أن يميّزوا الغثَّ والثمين، ولم يفطنوا إلى أنّهم كانوا ضحية مؤامراتٍ خسيسة لبثّ الفرقة بينهم، وعزلهم عن القيادة الحكيمة المخلصة التي كانت تقوم بها لجنة الدفاع عن حقوق مسلمي كشمير.

وقد كتب السيد عبد المجيد سالك، وكان أديباً وصحفياً شهيراً ومديراً لجريدة “انقلاب”، فقال في أحد مؤلفاته باسم”سرغزشت”:

“حينما أثار الأحراريون الفساد ضد الأحمديين دون مبرّر، ووقعت ثغرات الضعف في قوة كانت لجنة كشمير قد حازتها من خلال توحيد الهدف والعمل بسبب تحالُف الجهات المختلفة، استقال ميرزا بشير الدين محمود أحمد من زعامة اللجنة وعُيِّن د. محمد إقبال زعيماً لها. وبدأ بعض أعضاء اللجنة يُعادون الأحمديين لمجرّد كونهم أحمديين، وهذا الوضع كان مضرَّاً جداً لمصالح كشمير”. (سرغزشت ص338)

أما الهندوس فقد تنفسّوا الصعداء بالتخلُّص من زعامة ميرزا بشير الدين محمود أحمد للجنة كشمير، فكتبت جريدة “ملاب”، الناطقة باسم الهندوس في عددها 1 أكتوبر/ تشرين الأول 1931م ص5:

“لقد أسّس الميرزا القادياني “لجنة كشمير” بهدف الإطاحة بحكومة كشمير الحالية، وقام لهذا الغرض بالدعاية في كل قرية في كشمير.. أرسل إليهم النقود، كما أرسل المحامين والواعظين المثيرين للضجة، وظل يتآمر مع المسؤولين الكبار في مدينة “شمله”.

المرحلة الثانية: ظلت الحرب الدائرة بين الجماعة الإسلامية الأحمدية وبين الهندوس من خلال عملائهم حزب الأحرار والجماعة الإسلامية بقيادة المودودي تجري على أشدها بعد أن تيقّن الهندوس أن لا أمل لهم في الاستيلاء على الهند إلا بعد القضاء على الجماعة الإسلامية الأحمدية وعزلها عن المجتمع الإسلامي. ودخلت هذه الحرب معركة حاسمة خلال السنوات الأخيرة التي سبقت المناداةَ بتقسيم الهند وإنشاء وطن خاص بالمسلمين.

وقد يكون من غير المعروف لدى بعض القرَّاء العرب أنَّ محمد علي جناح، مؤسّس دولة باكستان والمعروف بالقائد الأعظم، كان عضواً في حزب المؤتمر الهندي الذي كان يتزعمه غاندي وينادي باستقلال الهند عن بريطانيا. ولما بدأت بوادرُ الاستجابة تحقّقِ هدف الاستقلال تظهر في الآفاق، ولما كان المسلمون قد عانوا الأمرّين في كشمير بسبب اغتصاب حقوقهم بأيدي الحكومة الهندوسية المتسلّطة هناك، سأل السيد محمد علي جناح السيدَ غاندي عن الضمانات التي تحفظ حقوق المواطنين المسلمين في الهند بعد خروج الإنجليز، ولكن غاندي رفض أن يعطي أية ضمانات، وقال: إنَّ الهدف في تلك المرحلة يتطلب الحصول على الاستقلال أولاً، وبعد ذلك يمكن للهندوس والمسلمين أن يتباحثوا في هذه الأمور المتعلقة بينهم.

ورفض محمد علي جناح أن يُساير غاندي في خطته، حيث إنه كان يعلم أنه إذا خرج الإنجليز من الهند قبل أن يحصل المسلمون على ضمانات تحمي حقوقهم، فإنَّ مصيرهم سيؤول إلى ما آل إليه مسلمو كشمير. ولذلك فقد استقال محمد علي جناح من حزب المؤتمر الهندي، وانضم إلى حزب الرابطة الإسلامية (Muslim League) للدعوة إلى تقسيم الهند وإنشاء وطن خاص بالمسلمين. وقد حاز حزب الرابطة الإسلامية على تأييد كافة قطاعات المسلمين المخلصين. وكان في مقدمة هؤلاء بالطبع الجماعة الإسلامية الأحمدية. وقد كان يعمل مع محمد علي جناح أحد شخصيات الجماعة الإسلامية الأحمدية البارزة، وهو السيد محمد ظفر الله خان، الذي قدَّر الله له أن يلعب دوراً حاسماً أيضاً في المرحلة الثالثة من هذا التاريخ الذي نكشف عنه الستار للقارئ، والذي تود قوى الاستكبار والاستخبار إخفاءه وفرض التعتيم الإعلامي عليه وعلى الجماعة الإسلامية الأحمدية.

غير أنَّ عملاء الهندوس من بين المسلمين، وهم حزب الأحرار والجماعة الإسلامية التي كان يتزعمها المودودي، راحوا ينعقون بما يريده أسيادهم الهندوس، فوقفوا يُعارضون إنشاء وطن خاص بالمسلمين، بزعم المحافظة على وحدة الهند وعدم تقسيمها، وقالوا: إن محمد علي جناح لن ينشئ أرض الأطهار (علما أن هذا هو المعنى الحرفي لكلمة باكستان) وإنما “أرض النجساء”. وقد فعلوا ذلك رغم الأخطار المحدقة بحقوق المسلمين التي كان يعلمها جيدا كل من كانت له معرفة بحقيقة الهندوس ومؤامراتهم التي كانوا يحيكونها للاستيلاء على الهند بأكملها.

ولقد أدت المواقف الانهزامية والخائنة لكل من حزب الأحرار وجماعة المودودي إلى تفتيت وحدة المسلمين الهنود، وتشتيت كلمتهم، وضياع مجهوداتهم، مما دفع محمد علي جناح إلى أن يترك الهند ويذهب إلى إنجلترا، متخلياً عن استكمال كفاحه لإنشاء باكستان وطناً للمسلمين. ولكن إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية أرسل إليه في انجلترا إمامَ مسجد “فضل” بلندن، وهو القائم على شؤون الجماعة الإسلامية الأحمدية في بريطانيا، الذي طلب إليه ألا يخذل المسلمين هكذا، بليعود إلى الهند لقيادة الكفاح من أجل مصلحتهم، ووعده بأن الجماعة الإسلامية الأحمدية سوف تضع جميع إمكاناتها لمساعدته في تحقيق أهدافه وسوف تقف وراءه بكل ثقلها لتأييد النضال من أجل إنشاء وطن للمسلمين.

واستجاب محمد علي جناح لدعوة إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية، وعاد فعلاً إلى الهند، وكان أن استطاع المسلمون تحت قيادته الفذة الحكيمة انتزاع حقوقهم من الهندوس، وتأسست بالفعل دولة باكستان. وتقديرا خدمات السيد محمد ظفر الله خان، واعترافا وتقديرا بدوره في الكفاح من أجل تأسيس دولة باكستان، وامتنانا للجهد الكبير الذي قامت به الجماعة الإسلامية الأحمدية لتحقيق آمال المسلمين في الهند، فقد قرر محمد علي جناح أن يُعيّن محمد ظفر الله خان ليكون وزيرا للخارجية في أول حكومة لباكستان.

غير أن مؤامرات حزب الأحرار لم تتوقف، ونيران الفتنة والفُرقة التي كانت تشعلها جماعة المودودي لم تَخبُ، بل استَعرَّ أوارُها. ورغم أن هذين الحزبين كانا من أشد المعارضين لقيام دولة باكستان، إلا أنهما قد انتقلا إلى باكستان بعد إنشائها، ليكونا الطابور الخامس للهند، وليعملا على تفتيت وحدة باكستان وهدمها من الداخل.

المرحلة الثالثة: في تلك الآونة .. في عام 1946/1947 كانت هناك مؤامرة أخرى قيد التنفيذ ضد مصلحة المسلمين عامة والوطن العربي خاصة، وهي زرع كيان أجنبي في قلب الوطن العربي بإنشاء دولة لإسرائيل في فلسطين. وكان من الواضح ان الدول الكبرى كانت على اتفاق فيما بينها لتحقيق أكبر جريمة لاغتصاب حقوق شعب من الشعوب في التاريخ المعاصر.

وحينما كان يجري الإعداد والتدبير لهذه المؤامرة في أروقة الأمم المتحدة لإضفاء  الشرعية الدولية على جريمة اغتصاب أرض فلسطين.. حينذاك.. كان السيد محمد ظفر الله خان، وزير خارجية باكستان، يقوم بالدفاع عن حقوق شعب فلسطين دفاعا مجيدا أحرج قوى الاستكبار والاستخبار، وعرّاها وفضحها أمام المجتمع الدولي، وكشف الظلم الفظيع الذي يحيق بشعب فلسطين نتيجة إنشاء دولة إسرائيل على أرضه. وأوضح أن متطلبات الحقوق الإنسانية التي قامت منظمة الأمم المتحدة للدفاع عنها تستدعي أن تظل فلسطين دولة موحدة لأبنائها الذين يعيشون فيها.

لقد ظل السيد محمد ظفر الله خان يدافع عن قضية العرب وشعب فلسطين .. في خطاب له بمنظمة الأمم المتحدة.. على مدى مائة وخمس عشرة دقيقة، أي ما يقرب من ساعتين، حتى إنه من بعد أن انتهى من خطابه التاريخي هذا، كانت كثيرٌ من الدول الأعضاء قد استطاعت أن تتفهم حقيقة المشكلة، وغيرت رأيها في التصويت إلى جانب مشروع قرار التقسيم. وذهب زعماء الوفود العربية لتهنئة السيد محمد ظفر الله خان، ذاكرين أن خطابه كان أحسن ما قيل في الدفاع عن قضية فلسطين، وأنهم لم يسمعوا قط خطابا من أحد الدبلوماسيين بهذه المهارة الفائقة وهذه الجدارة الكاملة.

كانت هناك مؤامرة أخرى قيد التنفيذ ضد مصلحة المسلمين عامة والوطن العربي خاصة، وهي زرع كيان أجنبي في قلب الوطن العربي بإنشاء دولة لإسرائيل في فلسطين. وكان من الواضح ان الدول الكبرى كانت على اتفاق فيما بينها لتحقيق أكبر جريمة لاغتصاب حقوق شعب من الشعوب في التاريخ المعاصر.

كان من المقرر أن يتم التصويت على قرار تقسيم فلسطين يوم 26 نوفمبر عام 1947، ولكن بعد خطاب السيد محمد ظفر الله خان أمام الأمم المتحدة، بات من الواضح أن القرارلن يحظى بأغلبية الأصوات اللازمة، ولكن في للحظة الأخيرة تقرر تأجيل التصويت على مشروع القرار لمدة يومين. وفي تلك الأثناء.. قامت قوى الاستكبار والاستخبار بالضغط الشديد على الدول التي كان يبدو أنها قد غيرت موقفها، واستعملت كل وسائل الترغيب والترهيب والتهديد، حتى تضمن الدولُ الكبرى موافقة منظمة الأمم المتحدة على مشروع قرار تقسيم فلسطين. وبالفعل يوم 28 نوفمبر أقرت المنظمة مشروع القرار، حسب ما أملته وفرضته الدول الكبرى، مما حدا بالكثير من ممثلي الدول التي تعرضت للضغط والتهديد أن يُسِرّوا باعتذارهم للسيد ظفر الله خان، قائلين إنهم قد أُجبروا جبرا أن يُصَوّتوا لمصلحة القرار.

ولا شك أن قوى الاستكبار والاستخبار قد رأت في السيد محمد ظفر الله خان خصما عنيدا كان لا بد من إزاحته من الطريق، وعزله عن التصدي للدفاع عن القضايا التي تريد تلك القوى إضفاء الشرعية عليها من خلال الأمم المتحدة.

في نفس ذلك الوقت.. كان إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية قد أصدر كُتيّبا أحدث أثرا كبيرا في العالم الإسلامي والعربي، وهز الكثير من القلوب للأخطار والمكائد التي كانت تُحاك للمسلمين. كان اسم ذلك الكُتيّب: ” هيئة الأمم المتحدة وقرار تقسيم فلسطين”، وقد نشرت الجماعة هذا الكُتيّب على أوسع نطاق في الدول العربية والإسلامية. وحضّ إمام الجماعة المسلمينَعلى نبذ خلافاتهم وتوحيد كلمتهم لمجابهة هذه الأخطار، كما أنه حذرهم صراحة من الوثوق في الدول الغربية أو الشرقية.

وذكر أن أمريكا ليست بصديقة للعرب والمسلمين، تماما كما أن روسيا ليست بالصديقة التي يوثق بها أو يُعتمد عليها. وقال إن قوى الغرب قد وضعت خلافاتها جانبا وجمعت كلمتها لإنشاء وطن لليهود في فلسطين، وإنه الأولَى بالمسلمين أن ينبذوا هم أيضا خلافاتهم حتى يتحدوا لدرء الأخطار والمؤمرات التي تُدَبَّر ضدهم.

وتبعت هذا الكُتيبَ رسالةٌ أخرى اسمها: ” الكفر ملّة واحدة” ، نالت هي الأخرى انتشاراً واسعاً بين الدول العربية والإسلامية، ونالت استحسانا من جميع الجهات إلا جهات الأعداء والمتآمرين الذين كانوا يتآمرون على مصلحة المسلمين، حتى إن بعض الدول أذاعت الرسالة بأكملها، وعلقت الصحف والجرائد على أجزاء منها، وغني عن البيان أن هذه الجهات، التي نُطلق عليها اسم قوى الاستكبار والاستخبار، قد توجست شرّاً من وجود الجماعة الإسلامية الأحمدية ومن خطرها على خططها التي تهدف إلى تقويض وهدم مصلحة المسلمين. بل إنها تيقنت، أنه لو سُمِحَ لهذه الجماعة بالتأثير  على العرب والمسلمين، فإن خططهم سوف تكون مهددة بالفشل والبوار .

ومن هنا دخلت الجماعة الإسلامية الأحمدية المرحلة التي وضعتها وجها لوجه أمام قوى الاستكبار والاستخبار العالمية. وقد رأت هذه القوى، كما سبقهم في ذلك الهندوسُ في الهند ، أن خير وسيلة للقضاء علىخطر الجماعة الإسلامية الأحمدية هو عزلها عن جموع المسلمين، ودق أسافين الفُرقة بينها وبين عامة المسلمين، ومحاربتها حرباً لا هوادة فيها عن طريق العملاء من المسلمين أنفسهم. وقد رأت هذه القوى في حزب الأحرار، وفي الجماعة الإسلامية بزعامة المودودي، الحليفَ المخلص الذي كان يعمل لحساب الهندوس في الهند ، ولن يصعب عليه أن يعمل أيضا لحساب قوى الاستكبار والاستخبار العالمية. وقد قام هذان الحزبان بإثارة القلاقل في باكستان ضد محمد ظفر الله خان، وطالبوا بعزله باعتبار أنه كافر غير مسلم !! وبدأ نطاق المؤامرات يخرج من حدود

القارة الهندية ليصل إلى الدول العربية و الإسلامية.

وإذا بمؤلفات المودودي التي كتبها ضد الجماعة الإسلامية الأحمدية تُترجم إلى اللغة العربية، وتُنشر على أوسع نطاق في الدول العربية. كما استطاعت قوى الاستكبار والاستخبار أن تشتري ذمة بعض المشايخ العرب فأفتوا بكفر محمد ظفر الله خان وخروجه عن الإسلام، وكان أحد هؤلاء المشايخ من مصر، وهو نفس الشيخ الذي أفتى أيضا بأن الملك فاروق من نسل رسةل الله صلى الله عليه وسلم !! وقد فضح أحد الصحفيين العراقيين أساليب قوى الاستكبار والاستخبار فذكر ماحدث له شخصيا، وأخبر عن الضغط الذي تعرّض له ليقوم بالتشهير بالجماعة الإسلامية الأحمدية. يقول السيد علي الخياط الأفندي الذي كان يُصدر جريدة ” الأنباء” في العراق:

“أصابع الاستعمار التي تلعب وراء القاديانية في كل مكان …. ليس هناك سوى سبب واحد وهو إصبع الاستعمار الذي يلعب دورا هاما في هذه القضية لبث الشقاق والتفرقة بين المسلمين الذين لا زالوا بانتظار اليوم الموعود الذي يقومون فيه بجولتهم الثانية لتطهير البلاد المقدسة من أرجاس الصهيونية وإعادة فلسطين إلى أصحابها الشرعيين.

إن الاستعمار يخشى أن يتحقق حلم العرب هذا ، وتزول دولة إسرائيل التي تحمل الكثير من المشاق في سبيل تكوينها.. فيعمد إلى إثارة الشقاق بين طوائف المسلمين بإثارة النعرات ، لتقوم بعض العناصر بتكفير فئة الأحمدية والتشهير بهم، حتى يؤدي ذلك إلى الشقاق بين باكستان وبين بعض الدول العربية التي تقوم صُحُفُها بتكفير ظفر الله خان وزير خارجية باكستان الذي يتبع الطريقة الأحمدية.

ولعل كثيراً من القراء يذكرون محاولة بعض العناصر في باكستان قبلَ مدة تأسيسَ ( الإسلامستان) أي جامعة الدول الإسلامية، وذلك بجمع كافة الدول الإسلامية في منظمة واحدة لتسير سياستها الخارجية والمحافظة على كيانها واستقلالها. إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل بعد أن وقف بعض العناصر منها موقفا معارضا.

وكان من جملة الأسباب التي أدت إلى فشل هذا المشروع ليد بعض المتطرفين، ليشهروه في وجوه الذين تبنوا المشروع المذكور،  لأنهم ” قاديانيون ومارقون عن الإسلام”.

وقد يظن بعض القراء أن ما أذكره من تدخل الاستعمار في هذه القضية ليس إلا وليد الحدس والظن، إلا أني أؤكد للقراء بأني مطلع كل الاطلاع على تدخُّل الاستعمار في هذه القضية، إذ أنه حاول أن يستغلني فيها بالذات عام 1984 م أثناء حرب فلسطين.

كنت حينئذ أحرر إحدى الصحف الفكاهية وكانت من الصحف الانتقادية المعروفة في عهدها . وقد أرسل إلي موظف مسؤول في إحدى الهيئات الدبلوماسية الأجنبية في بغداد يدعوني لمقابلته. وبعد تقديم المجاملة وكَيلِ المديح على الأسلوب الذي أتبعه في النقد رجاني أن أنتقد الجماعة القاديانية على صفحات الجريدة المذكورة بألذع طريقة ممكنة، لأنها جماعة مارقة عن الدين.

فأجبته في بادئ الأمر بأني لا أعلم شيئا عن هذه الجماعة وعن معتقداتها ولذلك لا يمكنني أن أنتقدها. فزوّدني ببعض الكتب التب تبحث في معتقدات القاديانية، كما أن زودني ببعض المقالات عسى أن تنفعني بعض عباراتها في كتابة مقالاتي الموعودة. واستطعت أن أطلع على بعض عقائد الجماعة من مطالعة الكتب التي زودني بها المسؤول المذكور ، والتي لم أجد فيها شيئا يدل على تكفيرهم حسب اعتقادي. وبعد عدة مقابلات طلبت منه أن يعذرني عن تلك المهمة نظرا لاعتقادي بأن ذلك يسبب الشقاق بين الطوائف الإسلامية في مثل ذلك الوقت بالذات. فأجاب قائلاً : ألا إن هؤلاء ليسوا بمسلمين ، وقد كفَّرهم علماء جميع الطوائف الإسلامية في الهند. فقلت له: إن أقوال علماء الهند ليست أقوى حجة من الآية القرآنية التي تصرح بألا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا. فما كان منه إلا أن قال غاضبا: وهل أثّرت فيك دعايةُ القوم، فخرجتَ عن الإسلام وأصبحتَ قاديانيا، وأخذتَ تدافع عنهم. فقلت متهمكا: كُن على يقين يا هذا، بأني لا أستطيع أن أدعي بأني مسلم بكل ما في هذه الكلمة من معنى، بالرغم من قضائي عشرات السنين بين المسلمين، فهل تكفي مطالعة بضعة كتب للقاديانية أن تجعلني قاديانيا؟

وقد اطلعت خلال ترددي على هذه الهيئة بأني لست الوحيدَ المكلَّف بهذه المهمة، بل هناك أناس آخرون يشاركونني التكليف. كما أني لم أكن الشخص الوحيد الذي رفض، بل رفضه غيري أيضاً.

كان ذلك عام 1984م في الوقت الذي اقتُطِعَ فيه جزء من الأراضي المقدسة وقُدِّم لقمةً سائغة للصهيونيين. وإني أظن أن إقدام الهيئة المذكورة على مثل هذا العمل كان رد فعل للكراستين اللتين نشرتهما الجماعة الأحمدية في ذلك العام بمناسبة تقسيم فلسطين، وكانت إحداهما بعنوان( هيئة الأمم المتحدة وقرار تقسيم فلسطين) التي كانت تبحث في المؤامرات التي دُبِّرت في الخفاء بين المستعمرين و الصهيونيين، وكانت الثاتية بعنوان ( الكفر ملة واحدة) وكانت تحث المسلمين على توحيد الصفوف وجمع المال لمحاربة الصهيونيين وتطهير البلاد المقدسة من أرجاسهم.

هذا ما اطلعت عليه بنفسي في ذلك الحين، وإني واثق كل الوثوق بأن الأحمديين ما داموا يبذلون الجهود لجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم و يبحثون عن أسباب تتيح للمسلمين القضاءَ على دولة إسرائيل اللقيطة ضيعة المستعمرين، فإن

الاستعمار لن يتوانی عن تحريك بعض الجهات للتشهير بهم بقصد تشتيت الكلمة”. (جريدة “الأنباء” بتاریخ 1954/9/21 م، نقلاً عن مجلة “التقوى” آب/ أغسطس و أيلول/سبتمبر عام ۱۹۸۹م) ولم يتوانَ الاستعمار بالفعل عن تحريك الكثير من الجهات لعزل الجماعة الإسلامية الأحمدية عن الجماهير المسلمة، والإساءة إليها بكل سبيل، والتشهير بها بجميع الوسائل الوضيعة والخسيسة التي هي دائما موجودة وجاهزة في ترسانة المؤامرات لدى قوى الاستكبار والاستخبار. وكان من الطبيعي أن يُستَهدف الرجل  الذي رفع صوته عاليا مدويا في أروقة الأمم المتحدة دفاعا عن حقوق شعب فلسطين. وبدأ العالم العربي يقرأ هجوما على السيد محمد ظفر الله خان، من بعض أصحاب  الأقلام المشبوهة، أو النَكِرات التي تريد أن تلمع سريعا في معترك الصحافة، وخاصة تلك التي تقبض “العطايا”

من سفارات قوى الاستكبار والاستخبار. ولكن سرعان ما استنكر الصحفيون الشرفاء تلك الحملة الظالمة، رغم أنهم ربما لم يفطنوا في ذلك الوقت إلى المحركين الفعليين لها، غير أنهم قاموا بما تمليه عليهم ضمائرهم بالدفاع عما رأوه من الحق، وأشادوا بالخدمات الجليلة التي أدّاها السيد محمد ظفر الله خان للعالم  الإسلامي بشكل عام. وقد نشرت جريدة “المصري” في عددها بتاریخ 26 يونيو (حزيران) 1952 مقالا شاملا للأستاذ أحمد أبو الفتح بعنوان: “أنعِم به من کافر!” تحدث فيه عن مواقف ظفَر الله خان الإسلامية المجيدة. كما ذكرت جريدة مصرية أخرى كانت تصدر في ذلك الوقت وهي جريدة “الزمان”، فقالت في عددها

بتاریخ 25- يونيو 1952: “إن الخدمات التي أداها السيد ظفر الله خان للإسلام و المسلمين والتي لا تحصَى، لا يمكن إلا أن تكون محل تقدير وإعجاب من الجميع.. .. إنني أشعر – بأن في عنقي ديناً نحو هذا الرجل العظيم الذي أدّى خدمات جليلة لبلادي، وإنني في شدة الامتعاض لهذه الفتوى التي أُفتيت بصدد هذا الرجل الكبير .” وفي اليوم التالي نشر الأستاذ خالد محمد خالد، وكان – رحمه الله – أحد الكتاب المصريين المعروفين، مقالا في مجلة “أخبار اليوم”، بعنوان: “من هنا نبدأ” وكان ضمن ما قاله فيه:

 “أصبح الأبرار کافرین… وظفر اللہ خان بالنسبة لنا مسلم كامل الإسلام …. وإذا كان الرجل الذي يواجه الاستعمار في جبروت شامخ من بلاغته وصدقه .. والرجل الذي جعل اللهُ الحقَّ على لسانه وقلبه.. إذا كان هذا الرجل كافراً، فإن كثيراً من الأبرار يودّون، على هذا النحو، أن يصبحوا كافرين!”

(أخبار اليوم ١٩٥٢/٦/٢٦ م)

ويقول السيد عبد الحميد الكاتب في مقال له نُشر في مجلة “العربي” عدد 295، یونیو (حزيران) ۱۹۸۳ ص 48:

“أما بطل الدفاع عن مشروع فلسطين الموحدة فكان محمد ظفر اللہ خان الذي حشد في دفاعه عن الحق العربي في فلسطين كل مواهبه ومقدرته الخطابية و القانونية والسياسية.. كما كانت خُطبه تنبض بروح إسلامية صادقة”.

 لم تُفلح الحملة ضد السيد محمد ظفر الله خان في الوطن العربي، فكان لا بد من إشعالها في وطنه باكستان، خاصة وأن الخونة والمأجورين من حزب الأحرار وجماعة المودودي كانوا يقومون بما يفرضه عليهم أسيادهم من خدمات لقوى الاستعمار والاستخبار. وفي عام 1953  اشتعلت فتنة كبرى في باكستان، على أيدي هؤلاء المأجورين، الذين أشاعوا الفساد والإرهاب، ونظموا المظاهرات والمسيرات التي تنادي بعزل ظفر الله خان، وتصمه بالكفر هو والجماعة الإسلامية الأحمدية. وقد شكلت الحكومة لجنة للتحقيق في حوادث الشغب التي  وقعت، ووضعت على رأسها أحد القضاة الشرفاء وهو القاضي “منير”، والذي عُرفت اللجنة باسمه: “لجنة منير”. وقد انتهت اللجنة بعد بحث جميع الدعاوي من كل الأطراف بأنه لا يوجد في عقائد الجماعة الإسلامية الأحمدية ما يستدعي اعتبارها جماعة كافرة أو خارجة عن الإسلام، وأدانت اللجنة رؤوس الفتنة  من حزب الأحرار والجماعة الإسلامية المودودية . وألقت الحكومة القبض على أبي الأعلى المودودي زعيم الجماعة الإسلامية، وقُدّم للمحاكمة بتهمة القتل والإرهاب والتحريض على ارتكاب جرائم القتل، وقد أدین و حُكم عليه بالإعدام، إلا أن قوى معينة تدخلت لتخفيف الحكم عنه. أما السيد محمد ظفر الله خان فاستقال بنفسه عن منصبه. وبعدها عُرض عليه منصب رئيس محكمة العدل الدولية في لاهاي،لكونه أحد القانونيين البارزين في العالم، فَقَبِل. وهكذا تتضح الصورة.. وتظهر خبايا الأحداث التي تلت وفاة مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية عليه السلام. هذه هي الصورة التي تحاول قوى الاستكبار والاستخبار أن تفرض عليها تعتيما إعلاميا، حتى لا تعلم الأجيال الحديثة حقيقة ما وقع في الحقبة الماضية. وكما ذكرنا سابقا.. إن اللص قد يجري أحيانا مع الناس وينادي: “أَمسِك حرامي”. والمرأة البغي.. حسب المثل المصري.. “… تتهيك.. وما فيها تجعله فيك!”. وكذلك فإن العملاء والخونة والمأجورين.. يتهمون الشرفاء بالعمالة والخيانة، لكي يبعدوا عن  أنفسهم هذه الصفات الوضيعة. ومن هنا كانت الحملة التي قادتها ودبرتها قوى الاستكبار والاستخبار تؤكد على اتهام مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية بأنه كان عميلا للإنجليز، وأنهم هم الذين أوحوا إليه بأن يدعي أنه الإمام المهدي والمسيح الموعود. وكان الغرض من هذه الفرية الخسيسة هو عزل الجماعة الإسلامية الأحمدية عن العالم الإسلامي، وزرع بذور الكراهية في قلوب المسلمين تُسيطر عليها، ولا أن تشتري ذمتها بالمساعدات المالية و “العطايا”، ولا أن  تستقطبها لتكون ضمن عملائها الذين جندتهم لتحقيق مصالحها في الوطن الإسلامي، وللتفريق بين المسلمين. لقد دارت الأيام الآن.. وفقدت بريطانيا مركزها القيادي في العالم، ولم تعد الإمبراطوريةَ التي لا تغيب عنها الشمس، فقد شاخ الأسد البريطاني وعجز، وقبع في رکن قنع به، تاركا العالم كله للسادة الجدد:

الأمريكان. أثناء الحرب العالمية الثانية.. كانت بريطانيا تريد استمرار بسط نفوذها على العالم العربي والإسلامي، وهي التي قدمت فكرة إنشاء جامعة الدول العربية التي أنشأوها في منتصف الأربعينيات، وذلك لتضمن أن يظل العالم العربي تحت سيطرتها وتوجيهها. وكانت بريطانيا تريد أيضا إحياء الخلافة الإسلامية، لما كانت تعلمه من التفاف المسلمين حول الخليفة العثماني. ولكم قاست بريطانيا وفرنسا من الخلافة العثمانية، ولكن الأتراك أنفسهم.. بقيادة كمال أتاتورك.. قضوا على الخلافة، فأرادت بريطانيا أن تنشئ خلافة جديدة تدين لها بالولاء والطاعة، فتضمن بذلك السيطرة على العالم الإسلامي بأكمله. وكانت مصر.. بثقلها ومركزها في العالم العربي والإسلامي.. هي البديل الطبيعي لتركيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، ولذلك أرادوا لمصر أن تكون مقر الخلافة الجديدة. ووضعت بريطانيا عينها على الملك فؤاد الأول ملك مصر، ولكنه لم يعمر طويلا، وخلفه الملك فاروق، الذي حاولوا أن يجعلوا منه خليفة للمسلمين. وفعلا أطلق الرجل لحيته، وبدأ يتردد على المساجد لصلاة الجمعة، التي كانت تذاع كل أسبوع في المذياع، حتى يعلم الناس أن الملك فاروق .. خليفة المستقبل.. رجل مسلم، حريص على تأدية الشعائر الإسلامية، بل وأفتى أحد  علماء الأزهر بأن الملك فاروق من نسل النبي صلى الله عليه وسلم !!

ولكن هذه المسرحية الهزلية لم تستكمل فصولها، فقد شاع عن الملك فاروق أنه كان شابا عابثا، يَهوَى القمار، ويفتتن بالنساء والغانيات الأوربيات. ومات حلم الخلافة الإسلامية للملك فاروق حين أبدى الملك تعاطفاً نحو ألمانيا وإيطاليا أثناء السنوات الحرجة من الحرب العالمية الثانية، مما أثار حفيظة الإنجليز الذين حاصروا قصره بالدبابات وخيّروه بين التنازل عن العرش أو قبول وزارة النحّاس باشا، في الحادث المشهور بحادث 4 فبراير (شباط) 1942.

وبعد الحرب العالمية.. بدأت الأوضاع العالمية تتغيّر، وأخذت أمريكا تُزيح فرنسا وبريطانيا عن مناطق نفوذهما وتحلّ هي محلهما، ليس عن طريق الاحتلال العسكري الفعلي، ولكن عن طريق الاحتلال الاقتصادي والثقافي والفكري والاجتماعي، وعن طريق زرع نظام حكومي معيّن، يدين بالولاء للسادة الأمريكان، وينفّذ كل أوامرهم ومتطلّباتهم. ووقع في مصر انقلاب عسكري بمساعدة المخابرات الأمريكية لتغيير نظام الملك فاروق الذي وصل الفساد في عهده إلى الذروة. وكان من المتوقع من النظام العسكري الجديد أن يتعاون مع الإخوان المسلمين الذين تبنَّوا أفكار المودودي وجماعته الإسلامية في باكستان. ولكن هذا التعاون لم يُكتب له النجاح لعدم اتفاق كافة الأطراف على تقسيم الغنيمة فيما بينهم. وانتهى الأمر بانفراد العسكريين بالسلطة والتخلُّص من الإخوان المسلمين، الذين أُلقي بعضهم في السجون، بينما هرب الباقي إلى السعودية والكويت.

اعتبر الصديق الأمريكي هذا العمل من جانب حكومة العسكريين في مصر خروجاً على “مقتضيات الصداقة”، ولكن العسكريين لم يأبهوا كثيراً لمقتضيات هذه الصداقة، خاصةً بعد أن استتبّ لهم الحكم في مصر، وخروج جنود الأسد البريطاني العجوز من مصر، وصارت مصر بأكملها في قبضة جمال عبد الناصر، الذي راح يحلم بأن يكون الناصر صلاح الدين الأيوبي، فيحرّر فلسطين ويُلقي بإسرائيل في البحر.

رفض الصديق الأمريكي تسليح الجيش المصري عقاباً لعد الالتزام التام بالأوامر التي يصدرها، مما حدا بجمال عبد الناصر أن يتحوّل إلى المعسكر الاشتراكي. وهكذا كان عبد الناصر يردّ صفعة الصديق الأمريكي بصفعةٍ مماثلة. واستمر الحال هكذا إلى أن تحولّت أمريكا إلى عدوٍ لدود، فألقت مصر بكليّتها في أحضان العالم الاشتراكي. وبات من الواضح أنَّ مصر لم تعد تصلح لمركز القيادة التي كانت تريده لها قوى الاستكبار والاستخبار، فكان لا بد من البحث عن بديلٍ آخر.

في تلك الأيام كان الذهب الأسود يتدفق من أرض السعودية والكويت بكمياتٍ مهولة، وتبيّن أنَّ منطقة الخليج تسبح فوق ما يقرب من ثلاثة أرباع مخزون البترول في العالم. وخلال سنواتٍ قليلة تحوّلت السعودية لتكون هي البديل الذي يجب أن يُعدَّ لقيادة العالم الإسلامي، خاصةً وأنّه لم يكن من الصعب على حكام السعودية الذين كانوا أخلص حلفاء بريطانيا، أن يتحوّلوا بولائِهم إلى السادة الجدد: الأمريكان، الذين ارتبطت مصالحهم بالبترول المتدفق من أرض الخليج.

وفي السبعينيات.. بعد نجاح المصريين في عبور قناة السويس، وتحطيم خط بارليف الإسرائيلي، واستعمال العرب لسلاح البترول، كان نجم المملكة السعودية قد صعد إلى كبد السماء. وكان الذهب الأسود الذي يتدفق من أرض السعودية يجذب الأيدي العاملة من جميع الدول الإسلامية والعربية. وكانت فرص العمل المتاحة هناك تداعب أحلام كل شاب يبحث عن بناء مستقبل له، وكانت منطقة الخليج هي المفرخ الذي تعهد شراذم الجماعات الإسلامية، استعداداً لاستخدامها في الفرصة المناسبة، وحدث تقارب مُريب بين الجماعة الإسلامية في باكستان وبين السعودية، حتى إنَّ أبا الأعلى المودودي الذي كان قد حُكم عليه بالإعدام لتورّطه في عمليات الإرهاب والقتل والاغتيال، قد صار من “علماء” المسلمين الذين يستحقون التكريم السعودي، فمُنِح جائزة الملك فيصل للبحوث والمعارف الإسلامية (!!)،وتُرجمت كتبه وأُغرقت بها الأسواق العربية والإسلامية.

ثم بدا في السبعينيات أنَّ الفرصة قد حانت مرة أخرى لبسط السيطرة الغربية عموماً.. والأمريكية خصوصاً.. على العالم الإسلامي، بعد أن تولى الملك فيصل الحكم في السعودية. وبدأنا نسمع عن التنظيمات الجديدة: رابطة العالم الإسلامي، منظمة المؤتمر الإسلامي، منظمة الدول الإسلامية، وغيرها. ثم عادت فكرة تأسيس الخلافة الإسلامية لتنصيب الملك فيصل خليفةً للمسلمين. ولكن الرجل ارتكب “حماقةً” دفع حياته ثمنا لها، وكانت “جريمته” أنّه صرَّح بأنّه يريد أن يصلّي الجمعة في القدس قبل أن يموت. وكان ذلك قبل إبرام معاهدة الصلح بين مصر وإسرائيل. وأغضب هذا التصريح إسرائيل، وأصدقاء إسرائيل، فعجّلوا بموته قبل أن يصير خليفة، حتى لا يجرؤ أحد أن يجمح به الخيال إلى هذه الدرجة مرةً أخرى. ولكن.. لم يُغيّر هذا من الوضع الاستراتيجي للسعودية، باعتبارها الحليف المخلص الذي يرتبط وجوده ارتباطاً وثيقاً بالغرب، وترتبط مصالح الغرب باستمرار بوجود هذا النظام السعودي، الذي أثبت أنه يستطيع أن يؤثر تأثيراً فعالاً في الأفكار والمشاعر الإسلامية، كما فعل في جمع المجاهدين وتجهيزهم لمحاربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، خدمةً لمصالح الصديق الأمريكي، وكما استطاع أن يقود الحملة ضد الجماعة الإسلامية الأحمدية، خدمةً لمصالح قوى الاستكبار والاستخبار.

ومنذ مطلع القرن العشرين.. كانت الجماعة الإسلامية الأحمدية.. بعلمائها ودُعاتها.. تغزو أفريقيا، كما كانت تُقيم مراكز للدعوة ونشر الإسلام في عقر دار المسيحية.. في أوربا وفي أمريكا. والدول الأوربية والأمريكية تقول دائماً أنها دول متقدّمة ومتحضّرة، وتحترم الحقوق الإنسانية، وتقدّس حرية الإنسان في اعتقاد ما يشاء، فلم يكن من الممكن أن ترفض تلك الدول الوجود الإسلامي الجديد، وكانت الجماعة الإسلامية الأحمدية هي أول من أقامت المساجد في الكثير من العواصم والبلاد الأوربية، وبدأت الجهاد بكل حماس، وعملٍ دؤوب، وجهدٍ متواصل، لكي تنشر الإسلام الصحيح بين ربوع أوربا وأمريكا، وكان ذلك في أوائل العشرينيات من هذا القرن العشرين.

ولا بد أنَّ المبشِّرين المسيحيين في أوربا وأمريكا، قد أحسّوا بالخطر الفادح الذي كانوا يسمعون عنه، على بُعد آلاف الأميال أثناء حياة المسيح الموعود عليه السلام الذي كان يُقيم في الهند، فإذا بهذا الخطر يُقيم الآن في عقر دارهم، ويجدع أنوفهم، ويُزاحمهم في كل مكان يذهبون إليه. أما بالنسبة للسادة الجدد.. والحكومات الغربية المتسلّطة على مقدّرات الشعوب، فالأمر بالنسبة لها ليس فقط أمر الوهية المسيح وعقيدة الكفّارة، وإنما أمر النفوذ والسُلطة والسلطان، فلعلّهم تصوّروا أنَّ انتشار الإسلام خارج حدود الدول الإسلامية.. التي يعتبرونها متأخرة ومتخلّفة، يُعدّ خطراً يهدد مصالحهم ونفوذهم. وهكذا كان لا بد من احتواء هذا الخطر الجديد، الذي يهدّد المصالح الكبرى، فلا يسمحون له بالانتشار داخل البلاد الغربية، أو على الأقل يحدُّون من تأثّر شعوبهم بالإسلام. ويبدو أنَّ أغراض المبشّرين المسيحيين قد تلاقت مع أهداف الدول العظمى، رغم أنَّ نظرة كل منها لهذا الخطر الجديد، قد تختلف. ويبدو أنَّ التدبير قد استقر على السيناريو التالي:

  • تتولى الدول الإسلامية الصديقة للغرب (ولا نريد أن نقول العميلة)، محاربةَ الجماعة الإسلامية الأحمدية في داخل الدول الإسلامية بهدف القضاء عليها تماماً، وذلك بمنع نشاط الجماعة في تلك الدول، ونشر فتاوى الكفر ضدها، واضطهاد أفرادها وسنّ القوانين ضدهم، وقتلهم واغتيالهم كلما سنحت الفرصة لذلك. فإذا حاولت الجماعة الإسلامية الأحمدية أن تُدافع عن نفسها أو تنتقم من تلك الحكومات، كما تفعل بعض الجماعات الإسلامية الأخرى في الجزائر ومصر وغيرها من الدول الإسلامية، فإنّها بذلك تعطي الفرصة لحكومات تلك الدول الإسلامية أن تسحقها تماماً.
  • تتولى الجماعات الإسلامية المتطرفة محاربة الجماعة الإسلامية الأحمدية في الدول الغربية وغير الإسلامية، لتحقيق نفس الهدف، وذلك بنشر الدعايات الكاذبة ضدهم، وترويج فتاوى الكفر عنهم، واغتيالهم وهدم مساجدهم، كما حدث بالفعل في الولايات المتحدة والنرويج وترينيداد وغيرها، فإذا دافعت الجماعة الإسلامية عن نفسها، وتقاتلت مع الجماعات الإسلامية الأخرى، أعطى ذلك الفرصة للحكومات الغربية أن تحظر نشاط الجماعة الإسلامية الأحمدية في بلادها، باعتبارها جماعةً إرهابية.
  • حين يتحارب المسلمون ويتقاتلون.. يقف الغرب ليقول للعالم كله: انظروا إلى المسلمين الإرهابيين الذي يسفكون الدماء، ويقتلون الأبرياء، ويريدون أن يفرضوا معتقداتهم الدينية بالقوة والإرهاب، فمَن مِن أهل الغرب المتحضّرين يقبل الانضمام إلى دينٍ كهذا؟

كانت الخطة إذن هي قتل عصفورين بحجرٍ واحد: محاولة القضاء على الجماعة الإسلامية الأحمدية داخل الدول الإسلامية وخارجها من ناحية، ومن ناحية أخرى صرف الشعوب الغربية عن قبول الإسلام، بتصويره في وسائل الإعلام على أنه دين الإرهاب والقتل والاغتيال والتأخر الحضاري.

بدت الخطة محكمة، وخيوط المؤامرة قوية متلاحمة، ولكنها كانت تفقد شيئاً واحداً، ولكنه على جانب عظيم من الأهمية: كانت تفتقد التأييد الإلهي.

لقد نسوا في غمرة إفكهم وتآمرهم، أنَّ الجماعة الإسلامية الأحمدية ليست حزباً سياسياً يتمسّح بالدين للوصول إلى كراسي الحكم، أو يستخدم اسم الإسلام للوثوب على السُلطة. لقد نسوا أنَّ الجماعة الإسلامية الأحمدية لا يهمها بتاتاً أن تتولى الحكم في أي بلدٍ من البلاد، لأنها جاءت لتغيير القلوب وليس لتغيير نُظُمِ الحكم. لقد نسوا أنّ الجماعة الإسلامية الأحمدية، قد أقامها الله تعالى للقضاء على الفساد في الأرض، وليس لنشره ولذلك فإنّها دائماً وأبداً تسير على طريق التقوى المستقيم، ويهتدي أفرادها بهدي الله تعالى وهدي رسوله الكريم ، ويسعون على دربه ويأتمرون بأمره، ولذلك فهم يعطون كل ذي حقٍّ حقه.. يؤدون حقوق الله كما يؤدون حقوق العباد من أولي الأمر، كما أمر الله تعالى بذلك، وكما أمر به رسوله الكريم ، وكما عبّر عنه المسيح بن مريم أيضاً حين قال: أَعْطِ ما لِقيصر لقيصر، وما لله لله. وعلى هذا فالجماعة الإسلامية الأحمدية.. حيثما وُجدت.. وفي ظل أي حكومة من حكومات الأرض تأسست.. تلتزم بطاعة القانون في البلد الذي تعيش فيه، وهي مأمورةٌ من الله تعالى بألا تكون من المفسدين.. فإن الله لا يحب المفسدين. لذلك فهي لا تتآمر، ولا تقتل أحداً، ولا ترفع راية العصيان على أحد، وإذا قاتلها أحد فإنها تتمسّك بالصبر حتى يكشف الله السوء، وإذا اضطهدها أحدٌ فإنها تدعو الله لكي يُثبّتها على الإيمان والتقوى إلى أن تنكشف الغمّة. وهي حين تفعل هذا لا تفعله من موقف ضعف، خوفاً من القتل والاضطهاد، أو أملاً في النجاة والسلامة، فقد قدّمت في تاريخها الطويل تضحيات متواصلة، ولا تزال تُقدّم، وجادت بدماء الشهداء من أفرادها، ولا تزال تجود بشكل لا يمكن أن يُقارن مع أي جماعة أخرى في التاريخ الحديث، وحسبها في ذلك كل الجماعات المؤمنة التي أقامها الأنبياء عبر العصور، والتي كان لا بد لها من الصبر والثبات، وتقديم الكثير من التضحيات، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

أما الحكومات الإسلامية التي استعملوها لإرهاب الجماعة الإسلامية الأحمدية والقضاء عليها، فقد سلّط الله عليها.. من بين شعوبها ومواطنيها.. الجماعاتِ الإرهابية والجماعات الدينية المتطرّفة التي تغتال وتسفك الدماء، وتُهلك الحرث والنسل، وتُفتي بكفر وجاهلية المجتمع بأكمله.

وأما الجماعات الإسلامية المتطرفة التي أرادوا أن يستعملوها في بلادهم، لقتال الجماعة الإسلامية الأحمدية ولإرهابها وتخريب مراكزها، فقد انقلبت عليهم وكانت وبالاً وخيماً. لقد أتوا بها إلى بلادهم لخدمة أغراضهم، فإذا بها تهدّد أمنهم في عُقر دارهم، وتنشر الإرهاب والتخريب والفساد في بلادهم، وهكذا انقلبت مكائدهم على أنفسهم. ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين. ولعل الله تعالى قد استجاب دعاء المسيح الموعود حيث يقول:

يَــــــا رَبِّ خذهم مثل أخذك مفسدا

قَــــدْ أَفْسَــــدَ الآفَـــــــــــاقَ طُـــــــولُ زَمَــــــانِهِـــــمْ

.

أَدْرِكْ رِجَــــــالاً يَــــا قَـــــدِيـــــرُ وَنِــــــسْـــــوَةً

رُحْمــــاً وَنَــــــجِّ الخَـــــلْــــقَ مِـــــنْ طُـــــوفَـــــانِهِـــــمْ

.

يَــــــا رَبِّ أَحــــــمــــــَدَ يَــــا إِلَـــــهَ مُحَـــــمَّـــــدٍ

إِعْــــصِمْ عِــــبَـــادَكَ مِــــــــنْ سُـــمومِ دُخَانِهِمْ

.

يَا عَوْنَنَا انْصُرْ مَــــنْ سِــــواكَ مَــلَاذُنَا

ضَــــاقَـــتْ عَــلَــيْـنَــــا الأَرْضُ مِـــنْ أَعْوَانِهِمْ

.

سَـــــبُّــــوا نَــــبِـــــيَّــكَ بِالــــعِنَــــادِ وكّـــذَّبُــــــوا

خَـــــيرَ الْـــــوَرَى فَـــــانْــــــظُرْ إِلى عُـــــدْوَانِهِــمْ

.

يَــــــا رَبِّ سَحِّقْهُمْ كَسَحْقِكَ طِاغِياً

وَانْـــــزِلْ بِسَـــــاحَـــــتِهِــــمْ لِهَـــــــدْمِ مَــــكَانِهِــمْ

.

يَــــــا رَبِّ مَزِّقْــــــهُـــــمْ وَفَــــــــرِّقْ شَمْـــــلَهُمْ

يَــــــا رَبِّ قَــــــــوِّدْهُــــــــمْ إِلـــــَى ذَوبَــــــانِهِــــــــمْ

.

قَــــدْ أَزْمَــــــعُــــــوا إِضْــــلَالَـــنَـــا وَوَبَـــالَـــنَـــــا

فَـــــاضْـــــرِبْ مَــــــكَــــائِـــدَهُمْ عَلَى أَبْدَانِهِمْ

.

يَــــــا مُسْتَعَانِي لَيْسَ دُونَكَ مَلْــــجَأِي

فَـــــانْـــــصُــــرْ وَأَيِّـــــــدْنَـــــــا لِهَــــــــدْمِ قِــــــنَــــانِهِـــمْ

.

يَــــــا رَبِّ أَرِنِي يَـــــــوْمَ كَـــــسْرِ صَلِيبِهِمْ

يَــــــا رَبِّ سَــــــلِّـــــطْنِي عَـــــــــلَى جُدْرَانِهِـــــــــمْ

.

أَنْـــــزِلْ جُنُـــــودَكَ يَـــــا قَــــدِيرُ لِنَــــصْــــرِنَا

إِنَّــــا لَـــــقِيـــــنَا الــــــمَـــــوْتَ مِــــنْ لُقْيَانِهِـــــــمْ

.

يَــــــا رَبِّ قَدْ بَلَغَ الْقُلُوبُ حَــــــــنَاجِراً

يَــــــا رَبِّ نَــــــجِّ الخَــــــلْــــــقَ مِــــنْ ثُعْبَانِهِــــمْ

.

إِنَّ الْقُلُوبَ مِنْ الْكُرُوبِ تَقَطَّعَـــــــتْ

فَارْحَــــــمْ وَخَـــــــلِّـــصْ رُوحَنَا مِـــنْ جَانِّهِمْ

.

وَدَعِ العِـــــــدَا جَــــزْرَ السِّبَاعِ يَنْشُنَهُمْ

وَاشْفِ الْقُــــــلُـــــــوبَ بِخِـــــــزْيِهِمْ وَهَوَانِهِــــمْ

(نور الحق، الجزء الأول، الخزائن الروحانية ج8 ص 123 -131)

* للمزيد من المعلومات حول حركة “شدهي” راجع الخطبتين الخامسة والسادسة من سلسلة خطب لجمعة لحضرة مرزا طاهر أحمد أيّده الله تعالى تحت عنوان: حماية مصالح المسلمين بالهند ودور الأحمدية.
Share via
تابعونا على الفايس بوك