الغرض من الإيمان تطهير القلب

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِين يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (33)

شرح الكلمات:
سلام: السلامُ اسمٌ من التسليم؛ الاستسلامُ للانقياد والطاعة؛ اسمٌ من أسماء الله لسلامته من النقص والعيب والفناء (الأقرب).

التفسـير:
المتقون هم أولئك القوم الذين يأتيهم الموت وهم طيِّبو النفوس.. أي يكونون عندها بريئين من كل ما هو عيب ونقيصة، ومتحلّين بأنواع المحاسن من صدق وصفاء ورقي ونماء وعزم وهمّة. (راجع للمزيد عن (طيبين) تفسيرَ الآيات 25 إلى 27 من سورة إبراهيم).
وقوله تعالى يقـولون سـلام عليكم .. أي أن الكفار سيتمنون عندئذ عقد الصلح ليَسلَموا، وأما المؤمنون فسوف يستقبلهم الملائكة قائلين: سلام عليكم.

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ الله وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (34)

التفسـير:
أي أن فترة المهلة التي أُعطيَها الكفار قد انتهت، فلا ينتظرهم إلا العذاب، وسيكون من نوعين: عذاب فردي سيحل بأفراد معينين، وقد أُشير إليه في الآية السابقة، لأن إتيان الملائكة يدل على العذاب الفردي؛ وثانيهما عذاب قومي، وقد تمت الإشارة إليه بقوله تعالى: أو يأتي أمرُ ربك .
وقوله وما ظلَمهم الله يعني أن الكفار الذين خلوا من قبل قد استوجبوا العذاب جرّاءَ أعمالهم، وما دام هؤلاء أيضًا يسلكون مسلكهم الخاطئ، فلن يضروا النبي، بل أنفسهم يظلمون.

لقد وضح الله هنا أنه لا يعذب الكفار ظلمًا، بل إنهم بأعمالهم يخلُقون لهم العذاب، لأن العذاب ليس شيئًا يأتي من الخارج، وإنما هو نتيجة طبيعية لأعمال الشرير.

فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (35)

شرح الكلمات:
حاق: حاقَ به: أحاط (الأقرب).
يستهزئون: استهزأ: هزَأ أي سخِر منه (الأقرب).

التفسـير:
المراد من سيئاتُ ما عمِلوا هو عاقبة أعمالهم الوخيمة. لقد وضح الله هنا أنه لا يعذب الكفار ظلمًا، بل إنهم بأعمالهم يخلُقون لهم العذاب، لأن العذاب ليس شيئًا يأتي من الخارج، وإنما هو نتيجة طبيعية لأعمال الشرير.
لقد بيّن القرآن الكريم هنا فلسفة العذاب الإلهي، حيث أخبر أن عذاب الله هو العذاب الوحيد الذي لا يمكن الاعتراض عليه، وأما ما سواه من العذاب الذي ليس من قبيل النتائج الطبيعية فيصبح مثارًا للطعن في كثير من الأحيان؛ فمثلاً حينما يعاقب القاضي أحد المجرمين فقد يرى الناس أن العقوبة أقسى من جريمته؛ ولكن حينما يمرض أحد نتيجة إسرافه في الأكل فلن يقول أحد عنه إن مرضه ليس بعقاب ملائم على سوء أكله، لأن الجميع يعرفون أن مرضه نتيجة طبيعية لما فعل ومن المستحيل أن يتجاوز حده الطبيعي.
وأما قوله تعالى وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فقد نبّه به إلى أن هؤلاء الكفار الطاعنين أنفسهم يتعرضون للمطاعن نفسها التي يثيرونها ضد أنبيائهم؛ فإذا رموهم بالكذب كشف الله كذبهم هم للدنيا، وإذا اتهموهم بالمساوئ فَضَحَهم بكشف مساوئهم هم.

وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ الله مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (36)

التفـسير:
لقد صرح الله سبحانه وتعالى من قبل في هذه السورة ولو شاء لهداكم أجمعين (الآية: 10).. أي ربما يفكر الكفار: لماذا جعل الله طرقًا جائرة أيضًا، والحق أن تفكيرهم هذا ليس في محله، لأنهم هم الذين اخترعوا هذه الطرق الخاطئة، وليس الله ، لأنه لا يمارس الجبر والإكراه، إذ لو نفّذ مشيئته هو بالجبر لهدى الناس جميعًا. وأما هنا في هذه الآية فقال الكفار بالفعل: لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا، ولكنه لم يمنعنا من هذا، فثبت أن لا اعتراضَ ولا كراهيةَ عنده تجاه أعمالنا الوثنية.
الحق أن كل من يحمل عقيدة خاطئة – سواء كان فردًا أو قومًا – لا بد أن يسلك مسلكًا غير معقول أمام قوة الأدلة والبراهين، لأنه لا يعارض الحق متمسكًا بمبدأ من المبادئ، فيضطر إلى تغيير مبدئه مرة بعد أخرى. ففي الآية رقم 25 أخبر الله تعالى أن الكفار حين لا يقدرون على مواجهة أهل الحق يقولون: ما قيمة التعليم الذي يدعونا إليه؟ إنما صنعه تقليدًا للأنبياء الأولين! فردّ الله على قولهم بأمرين: أولهما أنهم لا يقصدون بذلك إلا تشويه الحقيقة وتضليل العامة، لذا فلا وزن لاعتراضهم؛ إذ لو كان هذا الوحي مجرد تقليد للأولين فحسب، أفلا يليق بهم أن يقبلوه طالما هو حقّ وصدق؛ وثانيهما أنه لو كان صاحب هذا الكلام يقلّد الأنبياء الأولين فليعلموا أنهم أيضًا يقلّدون أعداء الأنبياء السابقين؛ حيث كانوا يأتون ما يأتي هؤلاء من أعمال ونشاطات، ولكنهم لم ينجحوا في مراميهم، فكيف ينجح هؤلاء في أهدافهم؟ وهكذا فقد قدّم القرآن دليلاً عمليًّا على سخافة اعتراضهم، إذ لو كان اعتراضهم معقولا ولو كانت تعاليم الأنبياء مجرد تقليد للأولين لما اتبعها الناس تاركين أديانهم السابقة.
ثم بعد الآية رقم 25 بين القرآن الكريم بالتفصيل كيف سيعامل الله المؤمنين والكفار.
والآن وفي هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها استأنف القرآن الكريم الردَّ على مطاعن الكفار وأخبر أن الكافرين لما سمعوا الردّ الداحض لاعتراضهم ورأوا خيبة آمالهم الشريرة غيّروا موقفهم وقالوا: كيف يمكن أن يعذّبنا الله؟ إذا كنا نحن وآباؤنا خاطئين عند الله فلِم لم يصرفنا عما نحن عليه، ولِمَ لم يسلب منا القدرة على ارتكاب الأعمال الوثنية؟ أليس هو قادرًا؟ ويرد الله على اعتراضهم هذا ويقول: كان هناك سبيل واحد لذلك وهو أن يأمر الله أنبياءه بممارسة الجبر على الناس، ولكن يستحيل أن يقدّم هؤلاء الكفار أيَّ نبي – من بين الأنبياء الذين هم يؤمنون بهم مثل إبراهيم ولوط، والذين يرون أن معارضيهم كانوا على الباطل – أَكْرَهَ الناسَ على الإيمان. فإذا لم يسمح الله لأنبيائهم أن يُكرهوا الناس على الإيمان.. فكيف يتوقعون ذلك من محمد؟ فكما أن الرسل في الماضي نشروا تعاليمهم بالتبليغ لا بالإكراه كذلك سيحصل الآن أيضًا.
أليس من المستغرب أنه، بالرغم من وجود هذه الآية وكثير غيرها، يعتقد بعض المسلمين بجواز الإكراه في الدين؟ (انظر ارتداد كي سزا اسلامي قانون مين – أي “عقوبة الردة في الشرع الإسلامي – للمودودي: العقل وقتل المرتد).

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (37)

شرح الكلمات:
اجتنِبوا: اجتنبَه: بعُد عنه (الأقرب).
الطاغوت: كلُّ متعدٍّ؛ الكاهنُ؛ الشيطانُ؛ كلُّ رأس ضلال؛ الأصنامُ؛ كلُّ معبود من دون الله؛ مَرَدَةُ أهل الكتاب. وجمعُه طواغيتُ وطواغٍ (الأقرب).
الطاغوت: الساحرُ؛ الماردُ من الجنّ؛ الصارفُ عن طريق الخير (المفردات).
هَدَى: هداه الطريقَ وإليه وله: بيّنه وعرّفه لـه. هدَى فلانًا: تقدَّمَه، تقول: جاءت الخيلُ يهديها فرسٌ أشقر أي يتقدمها. هداه الله إلى الإيمان أي أرشده إليه (الأقرب).
عاقبـة: آخـرُ كل شـيء (الأقرب).

التفسـير:
لقد رد الله على طعن الكفار المذكور من قبل بعدة أجوبة هي:
1- ولقد بَعَثْنا في كلِّ أمَةٍ رسولا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ .. أي إذا كنتم مصيبين فيما تقولون فلماذا دعا كل نبي إلى التوحيد وحارب الشرك؟ لو كانت عقيدة الشرك مما رضي به الله لبعث رسولاً واحدًا على الأقل يدعو إلى الشرك.
2- بعثْنا في كل أمة رسولاً .. أي لو أراد الله الإكراه في الدين لما كانت هناك حاجة لأكثر من رسول، بل لبعث رسولاً واحدًا فقط ليهدي الناسَ قسرًا إلى الحق مرة واحدة وللأبد؛ ولكن مجيء الأنبياء الواحد تلو الآخر، وفي كل أمة، يدل على أن الناس كانوا ينحرفون عن طريق الأنبياء مرة بعد أخرى، مما تطلَّبَ بعثَ أكثرَ مِن رسول واحد. ولكن لو كان الجبر هو الخطة الإلهية لما جرت الأمور على هذا المنوال.
3- واجتنِبوا الطاغوتَ .. أي أن كل نبي أمَر باجتناب صحبة الشرير وعدم طاعته.. أو بتعبير آخر أمَر بأخذ الحذر من هجمات الشيطان. فلو كان الله هو الذي جعل البعض موحّدين والآخرين مشركين.. فكيف يمكن أن يأمر أيضًا باجتناب الطاغوت؟ لو كان الجميع متمسكين بدينهم ومعتقدهم بإكراه من الله تعالى وليس عن خيار منهم فما الحاجة أن يبعث الأنبياء لإنذارهم؛ فليبقَ الموحد موحدًا والمشرك مشركًا لأن هذه هي المشيئة الإلهية!
4- فمنهم مَن هَدَى الله ومنهم مَن حقّتْ عليه الضلالةُ .. أي لو كان ما تزعمون حقًّا فكيف خرجت في كل زمن جماعة من الكفار تؤمن بالنبي؟ بمعنى أنه إذا كان الله هو الذي جعلهم من قبل كافرين فكيف صاروا مؤمنين؟ فهذه الشهادة من الواقع تدل دلالة واضحة على أنه تعالى لا يُكره أحدًا على الكفر.
5- فَسِيرُوا في الأرض فانظُروا كيف كان عاقبةُ المكذِّبين .. أي أن أعداء كل نبي هلكوا، فإن كنتم لا تعلمون فسِيروا في الأرض لتتأكدوا من ذلك؛ لأن كل العالم حافل بآثارهم. فإذا كان الله تعالى هو الذي جعلهم كافرين أو مشركين حسب زعمكم فكيف جاز أن يعاقبهم مع أنه هو الذي أكرههم على الكفر؟ فحلول العذاب بهم إن دل على شيء فإنما يدل على أن الله تعالى لم يُكره أحدًا على الكفر أو الشرك، وإنما اتخذ كلُّ واحد موقفه بحريته وخياره.

كل واحد منكم يريد الهداية للكفار، ولكن ما كان الله ليهدي الجميع، لأنه كما لا يُكره أحدًا على الكفر أو الشرك كذلك تمامًا لا يُجبِر أحدًا على الإيمان أو التوحيد، لأن هذا يُبطل الغرض من الإيمان ألا وهو تطهير القلب.

إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (38)

التفسـير:
الخطاب هنا موجَّه إلى النبي وأتباعِه، حيث قال الله لهم: كل واحد منكم يريد الهداية للكفار، ولكن ما كان الله ليهدي الجميع، لأنه كما لا يُكره أحدًا على الكفر أو الشرك كذلك تمامًا لا يُجبِر أحدًا على الإيمان أو التوحيد، لأن هذا يُبطل الغرض من الإيمان ألا وهو تطهير القلب.
أما قوله فإن الله لا يهدي مَن يُضِلّ .. فاعلم أن الضمير في يُضِلُّ لا يعود إلى الله تعالى، ولا تعني هذه الجملة أن من يُضللْه الله فلا يهديه، فهذا مفهوم خاطئ وقد تم إبطاله في الآية السابقة، وإنما يعود هذا الضمير على (مَن)، والمراد أن الله تعالى لا يهدي من يقوم بتضليل الآخرين.
كما تتضمن هذه الجملة الإشارةَ إلى أن الهدى إنما يتيسر لمن يبحث عنه، أما الذي لا يبرح في تضليل الآخرين فأنَّى له أن يبحث عن الهدى، فبما أنه هو نفسه لا يغيّر حالة قلبه فكيف يمكن أن يهتدي؟
وبيّن بقوله وما لهم مِن ناصرين أنه فيما يتعلق بالهدى فلا يمكن أن ينصر الإنسانَ أحد سوى الله تعالى، ولكن هؤلاء قد سدّوا باب النجدة الإلهية. فإذا كانوا يظنون أنهم سوف ينالون الهدى تلقائيًّا فهو ظن باطل. هناك سبيل واحد فقط لهدايتهم.. أن يُسلموا، ولكنهم بدلاً من أن يدخلوا في الإسلام يعتبرون الأصنام وسيلةً للهدى، فلا فرصة لهدايتهم؛ لأنهم ما داموا راغبين في آلهتهم الباطلة معرضين عن الله فلن يأتي هو لنجدتهم، وأما آلهتهم فهي غير قادرة على نجدتهم أصلا، وبالتالي فلا صريخ لهم ولا مغيث.

Share via
تابعونا على الفايس بوك