• ليس المشرك من يعبد إلهًا من الآلهة الباطلة عبادة عملية فحسب، بل من يعتقد نظرِيًّا أن مع الله إلهًا آخر.
  • من معاني إلقاء الشرك في جهنم أن الشرك لا دليل عليه، لذا يظلّ المشرك على الدوام ذليلًا مُهانًا أمام الآخرين.
  • يرد القرآن على كل الإعتراضات التي أُثيرت ضده ردًّا دامغًا.

ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (الإسراء: 40)

التفسير:
سبحان الله! ما أروعَ الترتيبَ في القرآن الكريم! ففي سورة النحل أخبر الله الكـفار أن الحِكمة في طريقها إليكم، وأما هنا فيقول ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة[، أي أن الأحكام المذكورة أعلاه بعض هذه الحكمة الموعودة، فَأْتُوا بمثل هذا التعليم الحكيم من الكتب السماوية النازلة قبل القرآن إن كنتم صادقين.
لقد ذكر الله تعالى هنا بعض الوسائل التي تمكّننا من إلحاق الهزيمة بأهل الكتاب في المناظرات. فبدءًا من الركوع السابق – أي من قوله تعالى: وقضى ربك ألا تعبُدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا

تناولَ بيانَ الجانب العَملي للتوحيد، فبيّن كيف نفعت عقيدةُ التوحيد الإسلامية العالمَ بصورة عَملية، وأما الآن فذكَر الجانب الآخر للتوحيد، وأخبر أنْ ليس المشرك مَن يعبد إلهًا من الآلهة الباطلة عبادة عملية فحسب، بل إن مَن يعتقد نظريًّا أن مع الله إلهًا آخر فهو أيضًا مشرك.

وقوله تعالى فتُلقى في جهنم لا يعني وقوع المشرك في النار في الآخرة فحسب، بل إن الشرك نفسه نوع من الجحيم، ذلك أنه من المستحيل لِمَن يتخذ آلهة كثيرة أن يُرضيها كلَّها، بل لا بد أن يرضي إلهًا و يُسخط آخرَ.
ومن معاني إلقاء المشرك في جهنم أن الشرك لا دليل عليه، لذا يَظلّ المشرك على الدوام ذليلاً مُهانًا أمام الآخرين. خُذوا مثلاً المسيحيين اليوم، كيف أصبحت عقيدة الثالوث جحيمًا لهم. سلُوا أيًّا منهم، ولو كان قسيسًا كبيرًا، فلن يقدر على تقديم أي برهان على صحة عقيدة الثالوث. إن عقيدة التوحيد هي وحدها التي يرتاح بها الإنسان بالاً، ويقرّ بها عينًا.
ونبّه بكلمة ملومًا أن المشرك عُرضة للملامة دائمًا. فإذا آمن بإله تعرَّضَ لملامة إله آخر، وإذا أطاع هذا صارت نقمةُ ذاك غُلاًّ في عنقه.

ثم حذّر بكلمة مدحورًا بأن المشرك يظل في اضطراب وعذاب دائمين من جهة، ومن جهة أخرى يُلقى بعيدًا عن اللهِ .. منبعِ الراحة والسكينة. فلا يبقى مِن هؤلاء ولا من هؤلاء.

أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (الإسراء: 41)

شرح الكلمات:
أَصفَى: أصفَى فلانًا بكذا: آثرَه به واختصَّه (الأقرب).

التفسير:
لقد ضرب الله هنا مثالاً للقلق النفسي واللوم اللذَين يعيشهما المشرك. فقال: انظروا إلى غرابة الوثنيين؛ فهم يخصّون الله بالبنات، ويستأثرون لأنفسهم بالبنين من جهة، ومن جهة أخرى يعبدون هذه الإناث نفسها التي يحتقرونها. فكأنهم يضطرّون، نتيجة تركهم اللهَ تعالى، للسجود أمام نفس المخلوق الذي يعدّونه ذليلاً مُهانًا.

مع العلم أن قوله تعالى إنكم لتقولون قولاً عظيمًا يعني أن قولكم هذا غايةٌ في السخف والغباء؛ ذلك أن لفظ «العظيم» إذا جاء وصفًا للشيء القبيح فيعني أنه غاية في القبح والشناعة، وإذا جاء وصفًا للشيء الحسن فيعني أنه غاية في الحسن والجمال. فيخبرنا الله تعالى أن المشرك يصبح معتوه العقل، فيتكلم بكلام لا يتفوه به شخص عاقل.
ويحضرني بهذه المناسبة حادث لطيف يكشف لنا تمامًا عقلية المشرك، وقد حصل مع أستاذي المكرم حضرة المولوي نور الدين- اللهم ارفَعْ درجاتِه كثيرًا- الذي علّمني القرآن الكريم. لا شك أن الله قد وهب لي الآن من علم القرآن كثيرًا، بل إن أستاذي نفسه كان يقول لي: لقد سمعتُ منك من معارف القرآن ما لم أعرفه قطُّ، ولم أقرأه في كتب الأولين؛ ولكن الحق أن أستاذي هو الذي غرَس في قلبي حبَّ هذا الكتاب العظيم، وأرشدَني إلى الطريق السليم للتفسير، وأرسى الأساس الذي استطعتُ رفع البناء عليه؛ لذا لا يزال قلبي يدعو له دومًا.

كان حضرته يعمل طبيبًا ملَكيًّا لدى أحد المَهَراجات لولاية جامون بكشمير. ولما تُوفِّي المهراجا خَلَفَه ابنُه المهراجا «برتاب سنغ»، فأمر بنفي أستاذي من جامون. والسبب أنه كان لحضرته علاقاتٌ حميمة مع الراجا «أمر سنغ» والراجا «رام سنغ»، وهما أب وعم للمهراجا الحالي لجامون. فتوهّم المهراجا «برتاب سنغ» أن أستاذي سوف يدسّ السمَّ في طعامه ويقتله بإيماءة من صديقَيه. فبعد أن تم نفيُه هاجر إلى قاديان، ونتيجةً لتقواه وعلمه انتُخب الخليفةَ الأول في جماعتنا. وكان يحكي لنا حادثًا حصل أثناء عمله في جامون. قال له المهراجا ذات يوم: أيها الأستاذ، هل أنت أيضًا تحتفظ بصنم في بيتك أم لا؟ قال: لا. نحن لا نحتفظ بالأصنام، لأن هذا حرام في ديننا. فتحير المهراجا قليلاً وقال: أنصحك أن تضع عندك في البيت تمثال الإلهة السوداء × على الأقل، لأنه إله جبار يُلحق أضرارًا فادحة. قال: لا يمكن أن نضع تمثال الإلهة السوداء أيضًا. قال: أفلا تصاب بخسائر إذنْ؟ قال: لا، يا مهراجا. ففكَّر مليًّا في تردد ثم قال: لقد فهمت القضية الآن. فلو أردتُ مثلاً أن أعاقبك في ولايتي «جامون» لعاقبتُك بدون شك، ولكن إذا هربتَ من ولايتي إلى منطقة سيالكوت مثلاً فلن أتمكن من عقابك. ونفس الحال في هذه القضية. لقد آمنّا بالإلهة السوداء فوقعنا تحت نفوذها وسُلطانها، ولذلك هي تعذّبنا؛ ولكنكم، معشرَ المسلمين، قد أنكرتم بوجودها أصلاً، فخرجتم من دائرة نفوذها، فلا تقدر على إيذائكم. فقال: نِعم ما فهمتَ، يا مهراجا. بالفعل لقد تحررنا من نفوذ هذه الآلهة الباطلة بالإيمان بإله واحد. فكان المهراجا مسرورًا بأنه عرف الحقيقة، أما أستاذي فكان أيضًا فرحانَ لأن التوحيد قد حمانا نحن المسلمين من كثير من السفاسف والمهازل.

والكتاب الذي يتناول كل قضية ببحث مستفيض لا بد له أن يبينها مرة بعد أخرى، ولا أحد من العقلاء يعُدّ هذا البيانَ المُعاد تكرارًا فارغًا، وإنما التكرار أن يُعاد الشيء دونما حاجة. أما إذا أُعيد الشيء من زاوية أخرى ولضرورة جديدة فكيف يمكن أن يُعَدَّ تكرارًا. الواقع أن هؤلاء الطاعنين لا يتدبرون القرآن لفهم مضامينه، بل يسارعون في الطعن فيه بناءً على أمور سطحية.

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (الإسراء: 42)

شرح الكلمات:
صرّفنا: صرَفه صَرْفًا: ردَّه عن وجهه. صرَّف الكلامَ: اشتقّ بعضَه من بعض. صرّف الله الرياحَ: حوّلها من وجه إلى وجه. صرّف فلانًا في الأمر: قلّبه فيه وفوّضه إليه (الأقرب).
نفورًا: نفَرت الدابّةُ من كذا تنفِر نفورًا: جزِعت وتباعدت. نفَر القومُ نَفَرًا: تفرّقوا. ونفَر القوم عن كذا: أعرضوا وصدّوا. ونفَر القوم من كذا: أَنِفوا وكرهوه (الأقرب).

التفسير:
نظرًا إلى معاني (النفور) المبيَّنة أعلاه، ستعني هذه الآية أننا قد بيّنّا في القرآن صنوف الدلائل، ولكن الناس ينفرون منه ويُعرضون عنه بدلا من أن ينتفعوا بهذه البراهين.

يعترض البعض على القرآن الكريم أن فيه تكرارًا (تفسير القرآن لـِ «ويري»). وقد ردّ الله عليهم سلفًا فقال ولقد صرّفنا في هذا القرآن ليذّكّروا .. أي لقد بحثنا في القرآن المسائل بجميع جوانبها المختلفة لكي يفهمها الناس بالنظر إليها من أية زاوية، ولكنهم مع ذلك يُعرضون عنه.

مع العلم أن من معاني «صرَّف»: (1) ردُّ الشيء ردًّا جيّدًا، (2) قلبُ الشيء من جهة إلى أخرى، يقال: صرّف الله الرياحَ.. أي حوّلها من وجه إلى وجه. إذن ستعني هذه الآية؛ أوَّلاً: أن الله يردّ على كل المطاعن أيما ردٍّ، وثانيًا: أنه يسلط الضوء على كل مسألة من كافة جوانبها. والحق أن القرآن الكريم متّسم بالميزتين كلتيهما، فهو يرد على كل الاعتراضات التي أُثيرت ضده ردًّا دامغًا؛ كما يوضح جميع القضايا الحيوية الضرورية من شتى نواحيها. والكتاب الذي يتناول كل قضية ببحث مستفيض لا بد له أن يبينها مرة بعد أخرى، ولا أحد من العقلاء يعُدّ هذا البيانَ المُعاد تكرارًا فارغًا، وإنما التكرار أن يُعاد الشيء دونما حاجة. أما إذا أُعيد الشيء من زاوية أخرى ولضرورة جديدة فكيف يمكن أن يُعَدَّ تكرارًا. الواقع أن هؤلاء الطاعنين لا يتدبرون القرآن لفهم مضامينه، بل يسارعون في الطعن فيه بناءً على أمور سطحية.

أما قوله تعالى وما يزيدهم إلا نفورًا فيبيّن فيه أن إصرارهم على إنكار القرآن رغم توضيحنا المتكرر للقضايا المختلفة يدلّ على أن الشرك قد أَودَى بعقولهم، وإلا لِم لا يفهمون الحقيقة رغم توضيحنا إياها بشتى الأساليب؟