الخلافة الراشدة ورسالة السلام العالمية

سامح مصطفى

كاتب وشاعر
  • المساجد هي خير بقاع الأرض ما دامتْ تنتشر منها رسالة المحبة والسلام والتعاطف بين بني البشر.

كسُنَّةٍ ثابتة، فإن كل ما لا يحقق الهدف من وجوده يصبح عدمه أولى، فما بالنا لو بات وجود شيء ما لا يتوقف فحسب عند عدم تحقق الغاية المرجوة منه، بل يتعداه إلى إحداث نتائج عكسية غير محمودة؟! لا شك أن العمل على نقض ذلك الشيء وإعدامه يصبح أولوية في حد ذاته، تماما كالعضو المريض والفاسد في جسد الإنسان، والذي لا يُتَوَرَّع عن بتره لو خيف على سائر الجسد من تفشي الفساد، وهذه سُنَّة ثابتة قد أرساها الحكيم الخبير وأجرى عليها الكون المادي والروحاني، وكل أمور الخلائق تسير وفق هذه السنة، حتى إن حركة التاريخ الإنساني بأسرها تنتظم عليها، فكم من ممالك ودول ناشئة كُتب لها البقاء والازدهار على أنقاض إمبراطوريات عظيمة فرطت في الهدف من وجودها! فاندثار أمم وبزوغ فجر أمم أخرى كان مرجعه تلك السنة الربانية:

وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (1)،

وقد استحق هذا الأمر أن يُضرَب مثلا لضرورته، فيقول تعالى:

كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحق وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ (2)،

وكذلك وردت إشارة مشابهة على لسان السيد المسيح الناصري حين قال:

«إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ»(3).

فلتكن تلك السنة الثابتة نصب بصائرنا في أثناء قراءة هذه السطور، كي نتمكن من مشاهدة الصورة كاملة من منظور أوسع.

والمساجد أيضا
المساجد وهي خير بقاع الأرض لما ورد عن حضرة خاتم النبيين قوله: «خير البقاع المساجد»(4) فإنما اكتسبت صفة الخيرية تلك من الهدف الذي وضعت من أجله، إذ يُذكر فيها اسم الله كثيرا، بكل ما يعنيه ذلك الاسم الأعظم من صفات حسنى، وبما يتجلى في ذلك الاسم من قيم الربوبية والرحمة والسلام. فإذا ما فرطت المساجد يوما ما في تلك القيم العليا، فستنتفي عنها صفة «خير البقاع»، ولن تكون استثناء من السنة الثابتة المذكورة، وسرعان ما ستهب الدعوات من القريب والبعيد لنقضها، بذريعة أنها أمست «مساجد ضرار».
لقد قُدِّر في علم الله تعالى أن تنحرف بعض الأمور والأشياء عن هدفها وغايتها، تماما كما ينحرف الإنسان أحيانا عن غايته التي من أجلها خلق، فكذلك يحدث أحيانا الأمر نفسه بالنسبة للمساجد، فلا تؤدي الغرض الذي وُضِعت أصلا من أجله، بل تكون معاكسة لذلك الهدف ومعرقلة لسبل تحقيقه، وكيف لا؟! أوليس المسجد في حد ذاته صورة رمزية للإنسان في حقيقة الأمر؟! فبدلا من أن تكون تلك المساجد بيئة لنشر المحبة والسلام في محيطها كانت بؤرة لبث الكراهية والحقد وزعزعة الأمن والاستقرار حتى اكتسبت عن جدارة ذلك الاسم المقيت (مسجد ضرار)، الذي ورد في الذكر الحكيم الإشارة بشأنه:

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُون (5).

إن مسجد الضرار هذا، وإن كان يُدعى مسجدا على سبيل العادة والاصطلاح، إلا أنه ليس مسجدا على الحقيقة، إذ لم يؤسس أصلا على الطراز الروحاني المعروف للمسجد، لذا لا يُستغرَب التعليم الإلهي بشأنه، وهو:

لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (6)،

أي أن المرء المسلم مأمور من الله تعالى بتجنب كل مسجد يؤصل لخطاب الكراهية والشقاق وبث الفرقة وزعزعة الأمن. ولكن، ماذا عن الطراز الروحاني الذي ينبغي أن تكون عليه المساجد جميعها؟!
أذكر من ماضيَّ الغابر قبل أن يهديني الله تعالى إلى بيعة إمام الوقت، أذكر أني كنت أجوب المساجد، فلا أدخل مسجدا وأستمع إلى ما يلقى فيه من خطب إلا وأخرج منه مشحونا بالكره والرغبة في الانتقام من كل من يخالفني الرأي أو العقيدة، لا أجد تشبيها أنسب من أني كنت أخرج من مساجد الضرار تلك بعقلية مفخخة، لم يكن ينقصني سوى حزام ناسف لأترجم تلك العقلية إلى واقع ملموس، فهكذا اليوم أغلب المساجد للمسلمين من غير الأحمديين، إلا من رحم ربي، وإنا لله على مصائب الإسلام.

البيت الأول، الحضارة الأولى، الطراز الأول
بداية، ليس المقصود ها هنا أي طراز معماري أو شكلي، وإنما المراد هو الطراز الروحاني الذي أُسس عليه البيت الأول، أي بيت الله الحرام، أعني القيم النبيلة للبيت، والتي تجعل منه بيتا بالفعل، بل ولولاها لا يكون البيت الإنساني بيتا على الإطلاق، وتلك القيم يمكن اختزالها في كلمات ثلاث: الأمن، والحب، والحرية.. تلك القيم التي على أساسها يتسنى للفرد أن يعيش آمنا مطمئنا على نفسه مهما كانت نتيجة اختياره مخالفة لسائر الأعضاء، بل لا يتوقف الأمر عند أن يعيش المرء آمنا داخل جدران البيت بل يحظى كذلك بالحب، فيعيش محبوبا على اختلافه. تلك هي قيم البيت التي شكلت الطراز الروحاني لأول بيت وضع للناس في الأرض.

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (7)،

وكان البيت الحرام هو النموذج الأوحد الذي أقيمت وتقام على نموذجه وهديه جميع البيوت إلى وقتنا هذا (وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)، سواء كانت تلك البيوت مساكن أو مساجد، فإن جميعها مؤسس على قيم الأمن والحب والحرية، كذلك بدايات الحضارة على حد تعبير البعض «تمتد جذورها في التعاون والاتصال»(8)، وما كان لتلك الحضارة أن تنشأ لولا القيم التي وفرها ذلك البيت الأول.

مثابة للناس وأمنا
هكذا كان البيت الأول، والذي بُنيت وفق نموذجه كل البيوت من بعد. ويا له من تعبير جميل يعطي الحق في دخول البيت للجميع دون تمييز! الجميع على اختلاف قومياتهم وأجناسهم وألوانهم ودياناتهم، ولم لا؟! أولم يقل رب البيت سبحانه:

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا (9)؟!

لقد بدا المسجد بصورة مصغرة في حياة خاتم النبيين، بدا مثابة للناس جميعهم على اختلاف دياناتهم، ففيه كُتِبت وثيقة المدينة كأول وثيقة حقوقية مدنية تعلن وتؤصل التعايش السلمي بين ديانات ثلاث (الإسلام واليهودية والوثنية) في موطن واحد. كذلك في المسجد ذاته استقبل النبي وفد نصارى نجران، بل وسمح لهم بأريحية وعن طيب نفس أن يقيموا شعائر صلاتهم فيه مفترشا لهم رداءه الطاهر. كل هذا لأن مسجده مؤسَّس على الطراز الروحاني للمسجد الحرام، فانطبق عليه الوصف الحكيم:

وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا (10).

الخلافة الراشدة وتَلَمُّسُ العالم سبل السلام
لقد جعل الله تعالى علامة المسجد الحق أن يكون مؤسسا على قيم البيت الأول كما أسلفنا، وتلك القيم أجملتها آي الذكر الحكيم في لفظ «التقوى» فيقول تعالى:

لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا (11).

والمسلم الأحمدي لا يدخل المسجد إلا وفي صميم نيته التطهر من كل ما يدنس لباس تقواه، من كراهية وحسد وغل وحقد وبغض لأي من خلق الله تعالى، وفي سبيل تلك الغاية الحميدة يخفض جناحه لخلق الله جميعا مواساة وحبا، فلا عجب من أن تلقى مساجد الجماعة الإسلامية الأحمدية ترحيبًا في الأوساط الغربية نتيجة لسعيها الحثيث لترسيخ قيم الحب والحرية والسلام التي أسس عليها البيت الأول.
من هنا يبرز دور الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة في هذا الوقت العصيب بالذات من القرن الحادي والعشرين، حيث باتت صورة الإسلام ككل موحية بالإرهاب لدى أكثر الناس في العالم الغربي، ولعلهم معذورون في هذا، لا سيما وأنهم كسائر الناس واقعون تحت تأثير الصورة المتحيزة ضد الإسلام والتي تروجها الآلة الإعلامية العالمية.
ولكن، وبما أن العالم بات يبحث عن سلامه بلهفة، فإن بحثه هذا وضعه في موقف استكناه الإسلام الذي يروج صورته الإعلام الغربي المضاد، وسر كونه يؤصل للإرهاب العالمي، ولكن يفاجأ العالم بأن ما يروَّج عن الإسلام إعلاميا ليس إلا محض افتراء لأجل مصلحة طرف ما، لا سيما وأن هناك صورة مشرقة للإسلام آخذة في الانتشار في شتى بقاع العالم من أقصاه إلى أقصاه، وتتمثل في جماعة المؤمنين الأخيرة التي تدعو ليل نهار إلى الحب للجميع، ولا كراهية لأحد، بل وتترجم دعوتها تلك ترجمة عملية منذ 128 عاما هو عمر تلك الجماعة منذ تأسيسها أول مرة. الغريب في أمر تلك الجماعة أنها منذ نشأتها تواجه الاضطهاد بكل أشكاله سواء كان عشوائيا أو منظما، تواجهه بالانتشار السلمي، ففي الوقت الذي أعلن فيه الأحراريون عن عزمهم على تدمير قاديان دار الأمان، أعلن الخليفة الثاني عن إطلاق مشروع التحريك الجديد ليخرج بدعوة الإسلام الحقيقي من شبه القارة الهندية إلى كافة أرجاء العالم.
خلاصة الحديث أن هناك خطابان يخرجان من مسجدين، ويعلن كل منهما أنه الناطق الرسمي باسم الإسلام، ولا تتوانى الآلة الإعلامية غير الإسلامية في الترويج للخطاب المسيء للإسلام بدعوى أن الإسلام دين يحض على الكراهية، بينما هناك صورة مشرقة للإسلام متمثلة في خطاب الخلافة الأحمدية الراشدة، والتي يبدد إشراقها ظلمة الصورة الزائفة والمفتعلة، بحيث تثبت تلك الصورة مشهد:

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا (12)

على وجه الحقيقة.

1 (الأَعراف: 57)
2 (الرعد: 81)
3 (إِنْجِيلُ مَتَّى 12 :34)
4 مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، كتاب الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة
5 (التوبة: 701)
6 (التوبة: 801)
7 (آل عمران: 79)
8 المتلاعبون بالعقول، هربرت شيللر، (الترجمة العربية) سلسلة عالم المعرفة، الكتاب 342، ص14
9 (البقرة: 621)
10 (آل عمران: 89)
11 (التوبة: 801)
12 (الزمر: 07)