الحُرِّيَّةُ وتَحْقِيقُ الذَّاتِ فِي الإسْلاَمِ

طارق هوبش

كاتب وباحث
  • نظرة الغرب إلى الإسلام في هذا العصر وتحديدا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟
  • موقف الجماعة الإسلامية الأحمدية إزاء الدعوات المعادية للإسلام في البلدان الغربية؟

الغرب مقابل الإسلام
في العشر سنين الماضية، ولا سيما في آخر سنواتها، كانت مواجهة لا مثيل لها بين الغرب والإسلام من جهة، وبين الإسلام والغرب من جهة أخرى، ولا يكاد يمر يوم إلا وتشهد مناظرةً أو تحليلاً أو تعليقاً حول مسألة من مسائل الإسلام، وفي تلك الأيام تشهد ألمانيا، وإن شئت فقل أوروبا كلها ما يُعرف بالـ «جدل حول الإسلام»، وهناك سؤالٌ محوريٌّ هو الأكثر طرحاً في تلك الأوساط، وهو: هل الإسلام ينتمي إلى الثقافة الألمانية؟ وهل بالإمكان التعايش بسلام بين السكان المحليين وبين المسلمين الوافدين؟ وهل يمكن للمسلم المتدين أن يلتزم بدستور البلد الذي نزح إليه وأقام فيه، ولو لم يكن يدين بدينه ويحكم بشريعته؟
في الواقع إنه تحدُث مثلها نقاشات منذ عشرات السنين، ولكن، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة قد اتخذ النقاش منحىً معادياً للإسلام، قائماً على أطروحة يتم تناولها بجدية، مفادها: هل بات الإسلام يشكل خطراً على قيم أنظمتنا المتحررة، يرمي إلى تفريغ الديمقراطية من محتواها؟ وهل المسلمون يرفعون الشريعة الإسلامية أعلى من دستور البلد الذي هاجروا إليه؟ وبالتالي فإنهم لا يمكن لهم أن يندمجوا في المجتمع، وبين عشية وضحاها نجدهم قد تحولوا إلى معاول هدم، لا بناء؟

فلماذا يعترضون على الصانع العليم الخبير عندما يقدم للإنسان ـ الذي هو أعظم المصنوعات ـ ما يُصلحه ويصونه ويحول دون فساده ؟!

كيف يرسمون صورة الإسلام؟
ويبدأ المتشائمون في الغرب ممن يعتبرون الإسلام العدو الأكبر في صراع الثقافات القديم، الذي دارت رحاه قروناً طوالاً يدقون نواقيس الخطر، كلما ارتكب بعض الحمقى عملاً إرهابياً باسم الإسلام، وعلى ذلك يقدمونه للعالم على أنه الدين الأكثر خطراً على مستقبل البشرية في بلاد الغرب، إنهم يقدمون أنفسهم للعالم على أنهم الغرب الذي يدافع عن النهضة الإنسانية، والعلم والعقلانية، ويكافح من أجل أن ينال الفرد كامل حقوقه، ولذلك أقاموا منظمات حقوق الإنسان حول العالم، من أجل أن ينال الإنسان حريته الشخصية، التي من شأن الفرد فيها أن يختار بنفسه نمط الحياة التي يسعد بها مع التحرر من كافة القيود الخارجية، وتحقيق ذاته بشكل مستقل. هنا، وهنا بالذات يرون أن الإسلام يصطدم مع الحضارة الغربية المتحررة، ويكون لها ضداً، لأن الإسلام ـ عندهم ـ هو دين تقييد الحريات، والذي يسعى بكل نصوصه أن يقف المجتمع حائلاً بين الإنسان وتحقيق ذاته، وإن جميع أوامره ونواهيه ما هي إلا أعباءً وقيوداً يحملها المرء على ظهره بكرةً وعشياً، تثقل كاهله، وتقصم ظهره، إنهم يرون أن الدين الإسلامي ينظر للفرد نظره إلى الغبيّ الذي لا يحسن شيئاً، فيقيد حريته، ويحدد له ما يجب أن يتفوه به، وما يجب أن يصمت عنه، وما يجب أن يأكله، وما يجب ألا يطعمه، إنه يقيده بتحريم شرب الخمر، وتحريم أكل لحم الخنزير، ويمنعه عن مساس أية أنثى ما لم تكن زوجته، فيمنع اتخاذ الأخدان ويعالج بالرجم حتى الموت مرة، وبالجلد مئة جلدة مرةً من يتعدى هذا الحد، وهكذا دواليك، وفي الأخير تجدهم يرون أن الإسلام ما هو إلا مجموعة من القيود والأغلال التي تقيد الحريات، وتحول دون المرء والاستمتاع بحياته، وتجعل منه عبداً ذليلاً لتلك التعاليم، وأن إله المسلمين شديد العقاب، يُرعبهم بيوم القيامة الذي يلقيهم في نار مستعرة جزاءً لأخطائهم أو مجرد تقصيراتهم، يقتلهم لكنهم لا يفتؤون يتعلقون به لأنهم أدمنوه، ولا يستطيعون منه فكاكاً، هل بمقدور أحد نكران ذلك؟ فما الدين إلا أفيون الشعوب.
والحق أننا نخلص من ذلك كله أننا لا يسعنا أن ننكر أن الإسلام دين يوصي الذين آمنوا به أن يلتزموا النهج الذي قدمه لهم ليحيوا حياتهم، وألزمهم ألا يحيدوا عنه، ولكن ذلك من قبيل علم الصانع بصنعته، والغريب أن الغرب أنفسهم يلتزمون بهذه الأيديولوجية كنظام صارم عندما تقدم مصانعهم تلك المصنوعات للأفراد حتى يتمكنوا من الاستفادة منها بصورة مرضية، فيعطونهم مع تلك السلعة ما يطلقون عليه (كتالوج) أو بطاقة تعريف على ذلك المنتَج، وكيفية استعماله بصورة صحيحة، لئلا يتلف، وتنتفي منه المنفعة، بل، ربما يتسبب في الخسائر أيضاً، فلماذا يعترضون على الصانع العليم الخبير عندما يقدم للإنسان ـ الذي هو أعظم المصنوعاتـ ما يُصلحه ويصونه ويحول دون فساده؟!

لقد كان ولا يزال دأب الحداثة والحضارة الغربية، هو تحرير الإنسان من القيود الاجتماعية والفكرية، وبخاصة بعد التخلي عن التعاليم المتناقضة والغريبة للديانة المسيحية، التي عافها الغرب ولفِظها، ومن هنا فقد بدأ الغرب يخطو الخطوة الأولى نحو الاتجاه الصحيح بخلاصه من الأساطير المسيحية، التي لم يستطع العقل البشري فك رموزها…

موقف الجماعة الأحمدية من نظرة الغرب للإسلام
إننا ـ بكل يقين ـ ننكر التصور بأن الغرب يدافع عن الحريات، وأن الإسلام ـ في المقابل ـ يحول دونها، ولكن الحقيقة هي أن الإسلام هو الذي يدعو إلى الحريات جميعاً، بتحريره للفرد من ربقة العبودية، والإكراه، وحيلولته دون سيطرة أحد عليه، وتحكمه فيه، بل إنه ألحّ على أن يترك المجتمعُ الفردَ حراً في اختياراته جميعاً، حتى في عبادته سبحانه، فقال:

فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (الكهف 30)

ولم يجعل أنبياءه أنفسهم، الذين هم صفوة البشرية وخلاصة خيارها، لم يجعلهم أوصياء على الناس، فقال لخاتم أنبيائه ومصطفاه لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (الغاشية 23) الحق أن الإسلام يحمي الفرد، ويقوده إلى تحقيق ذاته، وسوف يتضح لنا من خلال الأسطر التالية أن الغرب هو الذي يستعبد الإنسان باستعباد فكره وتفكيره، ويقيد حرياته بحصرها فيما يضره ولا ينفعه، وهو بذلك يقيده ويستغله أسوأ استغلال، من حيث يدعي أنه يُطلق يده ويحرره، فإننا لو تتبعنا الصور المختلفة للتحرر الغربيّ لأدركنا أنه تحررٌ من كل فضيلة، وتأشيرة دخول إلى أرض كل رذيلة، ولا تقود حرياته بأي صورة من الصور إلى الهدف الرائع القيم الذي تقود إليه الحرية في الإسلام، الذي هو التعرف إلى الذات العليا التي لها كامل الصفات وكافة المحامد، والذي يدعوه أن يتشبه به، ليكون نموذجاً له، وصورةً مصغرةً منه، ويقدم الفرصة لكل واحد أن يصبح للمخلوقات كلها ـ مثله ـ رباً راعياً، رحماناً معطاءً، بها رؤوفاً رحيماً، لشكواها سميعاً، لبلواها بصيراً، وبالتالي تتحدد معالم مجتمع متماسك متآلف، يجتمع أفراده على التنافس في الوصول لمقامات سامية، نحو ذات عليا لا يفتر الإنسان عن التوق لمزيد من التقرب إليها، والتشبه بها، ويحصل لكل فرد في النهاية أن يكون خيراً محضاً، لا يشم منه مجتمعه رائحة سوء، وهذا ما تطمح إليه النظم العالمية جميعاً
لقد كان ولا يزال دأب الحداثة والحضارة الغربية، هو تحرير الإنسان من القيود الاجتماعية والفكرية، وبخاصة بعد التخلي عن التعاليم المتناقضة والغريبة للديانة المسيحية، التي عافها الغرب ولفِظها، ومن هنا فقد بدأ الغرب يخطو الخطوة الأولى نحو الاتجاه الصحيح بخلاصه من الأساطير المسيحية، التي لم يستطع العقل البشري فك رموزها، بل طلاسمها، والتي قد أشاد المسيح الموعود عليه السلام بتلك الخطوة التي هي في غاية الأهمية حيث قال حضرته: (إن الأمم الغربية بتحررها من عقيدة الشرك المسيحية اللاعقلانية قد خطت خطوة عظيمة نحو قبول وحدانية الله)
ولو أن الغرب استطاع أن يضع الحرية الفردية الحقيقية كما يقدمها الإسلام، وكما قدمناها قبل أسطر، ويسعى بكل حماسة وجدّية في تحقيق ذلك، عندها سيكون الحال منطقياً، مُوَلِّياً وجهته الصحيحة التي تتفق مع الفطرة البشرية، وفي كتاب «الوحي العقلانية المعرفة والحق» للخليفة الرابع سيدنا مرزا طاهر أحمد رحمه الله، قد استهلّ حضرته كتابه بإثبات أن فطرة الإنسان منسوجة بخيوط الحرية، حيث يسعى الإنسان ـ انطلاقاً من فطرته ـ لتحقيق حريته، وأن الحرية هي أغلى ما يجنيه الإنسان من ثمار، ويؤكد حضرته أن جميع المؤسسات الاجتماعية قد تم استحداثها لاستعباد الإنسان وسلب حريته، وأن أرْديتها اللامعة البراقة تستر في ثناياها قلوباً سوداء، ونوايا ماكرةً خبيثة، وأنها تُظهر بألسنتها خلاف ما تبطن قلوبها، وإننا بكلمات أخرى يمكننا أن نقول أن السعي نحو الحرية الكاملة والحقيقية يكمن في تحقيق الفطرة البشرية، وقد أعلن سبحانه في كتابه المجيد أن هذا الكتاب بكافة تعاليمه وتشريعاته يتفق اتفاقاً كاملاً مع الفطرة الإنسانية، فقال سبحانه مختزلاً تعاليم دينه الإسلام:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (الروم 31)

مما يعني أنه عز وجل ما أرسل رسله، وما أنزل كتبه، وما أملى تعاليمه إلا ليحقق الحرية الحقيقية الطامحة إلى أن يحقق كل إنسان ذاته الفطرية، والتي تكون فيها غاية الإنسان الأسمى هي الوصول على قدَرهِ إلى التناظر والتماثل بينه وبين ربه، ولكن، للأسف كل الأسف أن هذا النوع من الحريات لم يفطن إليه الغرب بعد، مع أنه يقر للفرد بكافة الحريات، ويسمح له بممارستها، فيتركه ليعمل ما يشاء، ومن ثم، يصل إلى تحقيق الذات الذي تمنع أن يضع في مقابله أية حدود.

التصور الغربي للحرية
لن نكون من الذين هم يبالغون، ولا من المخطئين، لو أطلقنا على الحرية في نمطها الغربيّ «النظرية المتناقضة»، ولهذا السبب ذاته نستطيع أن نفسر سر معاداة الغرب الذي يتظاهر بالتحرر للإسلام الذي هو التحرر الحقيقي، والحق أن لتلك المعاداة عللًا وأسبابًا، أهمها أن الغرب في عدائه للإسلام بهذه الدرجة المؤسفة لا يبغي إلا مواراة معايبه، وستر عوراته، من أجل صرف النظر عن الحالة المزرية التي آلت إليها الحضارة الغربية، ولذلك يصمون الإسلام بما فيهم، مصداقاً للمثل العربيّ «رمتني بدائها وانسلّت» ، فتراهم يصورون الإسلام على أنه تجسيد لتقييد الحريات، ليصرفوا أنظار مواطنيهم عن تقييد الحريات الحقيقيّ الذي تمارسه مجتمعاتهم عليهم، وبذلك يزرعون في قلوب الفرد عندهم صورةً عدائيةً للإسلام، يجمعون فيها كافة العناصر السلبية التي من شأنها أن تبغِّض الإنسان فيها بصورة تامة وكاملة، بينما إذا ألقى كل واحد حوله نظرةً تأمليةً يسيرة سيلاحظ فرقاً هائلاً في سقف الحريات المتاح له مقارنةً مع تلك المجتمعات المتخلفة في بلاد الشرق، فيسبح بحمد بلاده، ويتغنى بما يحظى به فيها من تحررٍّ لا يحلم بنصيفه أتباعُ دين الإسلام في مجتمعاتهم، وهم في سبيل ترسيخ ذلك تجدهم يلحون ـ بصورة متكررة ـ في بث مواد إعلامية عبر مختلف وسائل الإعلام المتنوعة، تعرض الظلم والقهر والاستبداد، الذي يعاني منه المسلمون في بلاد الشرق، فيبدأ بريق إشعاع الحريات في بلادهم في النصوع واللمعان حينئذٍ – بلا شك – فإنما بضدها تتبين الأشياءُ.

فمن ذا الذي في مقدوره أن يزعم ـ بعد ذلك كله ـ أن الإنسان حر حرية كاملة، ويستطيع أن يقرر مصيره بنفسه وأن جميع سلوكياته منبعثة من رغبته المطلقة؟!

لا شك أن سقف حريات الفرد في بلاد الغرب هو أعلى كثيراً من نظيره في المجتمعات الشرقية، والذي ساهم في ذلك هو البعد الشاسع بين نظرية الإسلام في الحريات وتطبيقها، فنحن ندعي بثقة كبيرة أننا نمارس تعاليم الإسلام ولا سيما عندما نتكلم عن الحرية الشخصية للفرد المسلم، ولكننا لا نطبق ما جاء في التعاليم الإسلامية في الحقيقة، ولذلك فإنه من الظلم لتلك التعاليم أن ندعي أنها هي تلك التي نمارسها في مجتمعاتنا
وفي الحقيقة لو أننا أجرينا تحليلاً واعياً للحريات في الغرب، لتبيَّن لنا بكل جلاء وجود أشكال من القهر وسلب الحريات والإكراه، يفوق نظيره في الشرق، لكنه قهر ناعم، وسلب ماكر، وإكراه محبَّبٌ إلى النفس التي تميل إلى فجورها أكثر مما تميل إلى تقواها، والحق أنهم يعزفون على هذا الوتر، لكنه في النهاية ضرب من الاستبدادية المقيتة، رغم أنها تمارَس بصورة غير مخالفة للقوانين، والذي يتم فيها استعباد الروح، والإلحاح المستدام على فتح أبواب الشهوات على مصراعيه، مما يؤدي إلى احتكار الشهوات للأفكار، وتشويه النفس، ذلك التشويه الناتج عن تسلل تلك الأفكار الشائهة إلى أركان النفس الإنسانية، وقبوعها فيها تملي عليها أفعالها، عبر اللاشعور الخفيّ، لتمارس استبدادها على احتياجات الفرد ورغباته وتوجهاته، التي من شأنها أن تولِّد طبيعةً أخرى تماماً يمارس الإنسان من خلالها طقوساً حياتية مدمرة.
وفي سورة (الناس) أمرنا سبحانه وتعالى أن نستعين به من شر تلك الأفكار الشريرة التي تتسلل إلى أعماق النفس البشرية تفعل بها الأفاعيل، وتحولها إلى مسخ مشوه من الأفكار المضللة، والتوجهات المرذولة،
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (7) (الناس 1-7)
ولقد علمنا من تفسيرات مفسرينا أن لهذه السورة أهميةً بالغةً في الوقت الراهن، بالنظر إلى تلك الممارسات الخفية السالفة، حيث تلفت أنظارنا إلى الخطر الذي ينجم عن انصياعنا لتلك الوساوس والأفكار الناعمة الشريرة، التي يجب أن نحذرها، ونغلظ عليها، ونستعين بالله على دفعها، والتخلص منها، وما دام الله قد أمرنا بالاستعانة به من أجل عدم الوقوع تحت تأثير تلك الأفكار والوساوس، فلا سبيل لنجاة الإنسان منها بقواه وقدراته البشرية وحدها، ولا بد من قوة عظمى تمنعها عنه، ألا وهي قوة رب الناس، الذي يعلم الأسلوب الأمثل لتربيتهم، ملك الناس الذي يملك السيطرة عليهم وتوجيههم، إله الناس، الذي إليه وحده يفزعون في الملمات، ويطلبون عونه فيما لا طاقة لهم به من المعسرات.

حقيقة التأثير المشار إليه في سورة الناس
إن الخطأ الأعظم الذي يرتكبه الغرب هو اعتقادهم أنه بإمكان الإنسان أن يصل إلى الحرية المطلقة والكاملة إذا ما تخلى عن الدين تخلياً كاملاً، وهذه مغالطة كبرى، لأنه، وبعيداً عن الدين ليس بمقدور الإنسان أن ينال تلك الحرية الكاملة المزعومة، لأنه لو تمكَّن من أن يكون حراً بصورة تامة وكاملة، لاستحق أن يكون إلهاً والعياذ بالله، لأن الحرية التامة والكاملة لا تكون إلا لله تعالى، ومن لديه مسحة من عقل فإنه ليس بمقدوره أن يقيم مقارنةً بين حرية الله وحرية الإنسان، فالله وحده متفرد أحد صمد، بينما الإنسان مخلوق ناقص يستمد أسباب بقائه من أسباب سماوية وأخرى أرضية، وإن شاكته شوكة ربما لم يستطع إخراجها بنفسه، فاستعان عليها بمن يخرجها منه، إنه مخلوق ضعيف، وعلى الدوام فريسة للمؤثرات الداخلية والخارجية. لذلك قال علماء النفس أن الإنسان ابن بيئته، وربيب مجتمعه، فإنه يحيى حياته متأثراً بجينات وراثية ورثها من آبائه وأجدادها، ثم تنغرس في وجدانه تأثيرات من سلوك والديه والأقربين، فلا تكاد تلحظ في أبناء السفلة والسوقة من الناس إلا سفولة آبائهم وسوقيتهم، ثم بعد ذلك يكون عرضة لتأثيرات كل من رياض الأطفال والمدرسة والشارع وجماعة الرفاق والجامعة ، ثم ما يفرضه عليه المجتمع من البرامج المسموعة والمرئية والمقروءة من أفلام وموسيقى ومجلات وجرائد تقتحم عليه أسوار ذاته، وتتدخل تدخلاً مباشراً في تكوين أفكاره وتربية وجدانه، بحيث أننا نستطيع أن نجزم بكل يقين أن تلك المؤثرات كلها هي وحدها التي تكوِّن شخصية الإنسان، وترسم ملامحه، وتحدد معالم طريقه، وتلزمه به فلا يستطيع أن يحيد عنه، فمن ذا الذي في مقدوره أن يزعم ـ بعد ذلك كله ـ أن الإنسان حر حرية كاملة، ويستطيع أن يقرر مصيره بنفسه وأن جميع سلوكياته منبعثة من رغبته المطلقة؟! (يُتبع)