الحضرة الأحدية تناديكم

التحرير

  • الأثر السلبي للتقدم العلمي في الابتعاد عن الفطرة.
  • الله الحي القيوم دونه الموت والهدم.
  • قانون الدعاء وفلسفة استجابته.

لا شك أن ما أحرزه التقدم العلمي خلال القرن المنصرم قد ساهم في تقريب المسافات والنهوض بالمستوى الفكري والعلمي، إلا أنه أخفى بين طياته فتنة توحي بأن الكون يمضي حسب آليات تعمل من تلقاء ذاتها. نتج عنه عُمي الإنسان عن رؤية مُشغل آليات الكون، وأفرز فكرا يشير إلى أن الكون تم وجوده دون خالق أو أن الخالق خلقة ووضع القوانين وتركه يعمل تلقائيا وبعبارة أوضح تخلى عنه ولم يبال به وبالتالي فإن مصير الإنسان الهلاك الـمُحتم.
وفي هذا الخضم تسرب الغرور إلى عقل الإنسان وهيمن عليه؛ فظن أن عليه التعلم والبحث للإحاطة بقوانين الطبيعة لكي يتحكم في كل وسائل الحياة وبالتالي التخطيط لتحديد مصير العالم كله. ثم تطرق لدراسة النفس الإنسانية التي تُعتبر آلة ذات محرك يمكن التحكم فيها وإثارتها واستخدامها واستغلالها. تُخوَّف وتُغرى حسب الطريقة التي تقبل الخضوع وحسب الهدف المنشود. وبالتالي فتحت هذه النظرية بابا للتحكم في الغرائز الوطنية والعرقية التي يرى كل منها نفسه هو الأعلى والأولى بالبقاء والتحكم. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: ما هي النتائج التي طلعت على البشرية عامة وعلى المسلمين خاصة من هذه النطرية؟ كما ذكرنا آنفا لقد شاع التصور أن الكون يمضي وحده بدون رب يدبره، وأن الآخرة وهمٌ والجزاء لا أمل فيه، وأن الدعاء لا يجدي.. وهكذا انتشر الفكر الإلحادي علنًا وسرًّا. أي تم تشجيع النظرة الإلحادية في الحياة وإعطاؤها المبررات الثقافية. وبطبيعة الحال نتج عن هذا البعد عن الله تعالى وعدم استحضاره اليقيني في الحياة. فانفردت الغرائز بالشباب والرجال والنساء وتحكمت في جميع المسلمين، الأمر الذي جعلهم لا يتلقون المعونة الإلهية الخاصة المرصودة للصالحين. بل أصبحوا مسرح أحداث العالم من خلال ما يعرضه من رذائل وأهوال لاأخلاقية.

والذي يدعو ويراعي قانون الدعاء يجعل الله له صفة الإجابة تتجلى تماماً كما تتجلى صفات الله الخلاق بالرحمانية وتثمر نتائج القوانين الطبيعية..

ولا شك أن الله تعالى لم يخلق الإنسان ثم تخلى عنه وترك مصيره للقوانين بل هو حي قيوم كتب على نفسه عنايته ومراعاة مصالحه وخصص له مصيرا عظيما بشرط حسن التصرف في هذا العالم.. تصرف الإنسان مع أخيه الإنسان وتصرف الإنسان مع خالقه. وقد ربط كثيرا من أحداث الكون الطيبة والبركات بالدعاء. والشرط الأساسي للدعاء الاستقامة وهي الوعاء الذي تتنزل عليه البركات التي تُثقف ثم ترعى الأخلاق وتحافظ عليها.
ولا شك أن الله خلاق العالم حي قيوم يشرف على توصيلنا لغاية خلقنا.. ألا وهي تكميلنا أي رفع مستوانا من حالة الأنعام إلى حالة كائنات ربانية تتواصل مع خالقها. ولكن الحالة الأخلاقية الدنيئة تهدد وعي الإنسان بالتحول لحالة الغابة الكاملة التي من جرائها يتم محو الصلاح من الوجود. وبعبارة أدق هدم العالم لعدم استحقاق البقاء. ففي الحقيقة لم يتخلَّ الله عن البشرية ولكن البشرية هي التي تخلت عن الحضرة الأحدية. فلا خيار لنا في هذه الحالة إلاّ القيام بالصلح معه سبحانه وتعالى. وحتما يتم هذا الصلح بواسطة تلك الحِربة السماوية التي تحقق أهداف مستعمليها في كل مرة ولا تخيب آمالهم ألا وهي الدعاء الذي له أكبر الأثر وهو أحد أكبر القوانين الكونية، كما أن له نظامًا كما لكل قانون طبيعي نظام للوصول إلى النتيجة.. والذي يدعو ويراعي قانون الدعاء يجعل الله له صفة الإجابة تتجلى تمامًا كما تتجلى صفات الله الخلاق بالرحمانية وتثمر نتائج القوانين الطبيعية…
إن هناك أحداثًا عدة مؤلمة تحدث في الطبيعة يمكن تجنبها بالدعاء فيغالبها وحتما سيغلبها، كما أن هناك أحداثًا سعيدة في السماء مربوطة بشرط الدعاء تنـزل إذا صعد الدعاء.
العالم اليوم بحاجة لمن يكون نموذج البعث يرى الناس معه علامات وجود الله ومعه تتجلى صفاته حين تتخلق حياة جديدة من أثر صفة الله الحي الذي يحيى الموتى وليس فقط يخلق الحياة أول مرة كما يتصور الفهم السطحي..
عزيزي القارئ لقد عرضنا عبر هذه السطور تحليلا نفسيا واجتماعيا ودينيا آملين أن نُوقظ تلك الحشود الغفيرة التي فقدت الأمل من تدخل الرحمة الأحدية وكي نبعث فيها بصيص الأمل أن النجاة في متناولهم كما قال تعالى:

قلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ (الفرقان 78).

وبطبيعة الحال للدعاء متطلبات وضوابط تضمن قبوليته. وللمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع الغاية في الأهمية تجد داخل هذا العدد خطبة الجمعة لحضرة أمير المؤمنين أيده الله التي عرض فيها بيان المسيح الموعود حول حب الله وعشقه ومن ثم الفناء فيه . وأكد أنه لا تتيسر للمرء الصلة القوية بالله تعالى ولا محبته الصافية ما لم تتيسر له معرفة بوجوده. وكل من يفنى في رضاه يصبح مظهرا لقدرته سبحانه وتعالى الإعجازية.
نسأل الله أن يهدينا وإياكم إلى سواء السبيل ويرحم أمة المصطفى وينير بصائر قادتها وشعوبها للتخلص من مآرب الشيطان.

Share via