سباعٌ ضاريةٌ في شكل إنسان ترتكب مظالم ومفاسد الإسلام منها بريء
التاريخ: 2014-09-26

سباعٌ ضاريةٌ في شكل إنسان ترتكب مظالم ومفاسد الإسلام منها بريء

  • مجازر تقام باسم الله ودينه!
  • ماذا يقول الله وأي أسوة لهؤلاء؟!
  • المخرج الآمن من مسمى الجهاد الغاشم
  • الأحمدية ومواساة البشرية ونصحها

__

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين . (آمين)

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ . (التوبة: 18)

نحمد الله تعالى على أننا وُفِّقنا اليوم لنصلي الجمعة في أول مسجد بنتْه الجماعة الإسلامية الأحمدية في إيرلندا. ندعو الله تعالى أن يجعل بِناء هذا المسجد مباركا من كل النواحي والجوانب. مع أن هذا المسجد صغير نسبيا ولكن المؤمنين بالمسيح المحمدي سوف يعلنون فيه وحدانية الله الأحد ويعبدونه خمس مرات يوميا، ويرفعون منه صوتَ أنَّ المساجدَ مكانٌ لأداء حقوق الله وحقوق عباده لا بؤرة فتن وفساد. المساجد تُبنى لعبادة الله رب العالمين الذي أظهر ربوبيته للناس في الأزمنة كلها، والذي أظهر ربوبيته لكل قوم من أجل تقدمهم المادي والروحاني في الزمن الماضي، ويفيض عليهم اليوم أيضا بربوبيته كما يفيض عليهم في المستقبل أيضا. إن ربوبيته ليست خاصة بقوم دون قوم بل تشمل العوالم والمخلوقات كلها. فمن هذا المنطلق تُعلن مساجد المؤمنين بالمسيح المحمدي أن الذين ينضمون إلى جماعة المسيح المحمدي هم الذين يقدرون على إدراك ربوبية الله على وجه صحيح. نحن نبني المساجد لنعلن للناس أنه لدرء الفساد والقلاقل من العالم عليكم أن تتأملوا في تعليم الإسلام الجميل الذي يقدّم لكم رسالة الحب والوُدّ والصلح والأمن. الهدف من هذه المساجد هو أن العالم بحاجة إلى الحب والوُدّ والأخُوّة لا إلى الحرب والقتال بالسيوف والمدافع. هذه المساجد التي نبنيها تُعلن بأعلى صوتها أن قلوب القادمين إليها بريئة من كل أنواع المظالم والأفكار التي مآلها غصب الحقوق. إن مساجدنا إنما هي مراكز وعلامة على أن الوافدين إليها جاهزون لتقديم أيّ نوع من التضحية لأداء حقوق الآخرين وقلوبهم زاخرة بعواطف الرحمة واللطف لمعارفهم وغيرهم، ولا تمنعهم عداوة العدو أيضا من أداء مقتضيات العدل وأداء حقوقهم. إن مساجدنا تعلن أن الإسلام هو الدين الذي رفع راية الحرية الدينية أكثر من غيره، ولإظهار ذلك إن أبواب مساجدنا مفتوحة لكل شخص يريد أن يعبد الله سواء أكان مسلما أو غيره. إن مساجدنا وكل مَن يحضرها من الأحمديين يعلنون أن حماية معابدِ الأديان كلِّها واجبةٌ على المؤمن الحقيقي، وأداء هذه المسئولية ضرورية كأهمية حماية مسجده. إن مساجدنا توجّه أنظارنا إلى أن الإخلاص للوطن جزء من إيمان المؤمن، ولا يؤمن مؤمن ما لم يكن مخلصا لقومه وبلده الذي يقيم فيه.
باختصار، هناك أمور كثيرة تُطلب من المنتمين إلى المساجد بصورة حقيقية، بما فيها أنّ أداء حقوق المسجد لا يمكن بحال ما لم يؤدِّ المرء حقوق العباد على وجه صحيح بحسب القرآن الكريم. والمعلوم أن الله تعالى قد أمرنا بالعمل بكل هذه الأمور، وقد وجّه سيدُنا ومطاعنا محمد رسول الله أنظارَنا مرارا وتكرارا إلى العمل بها، وقد أدّى حقوقَ الله وحقوق عباده بعمله وأسوته الحسنة. وقد ضرب أمثلة بعمله لإقامة القيم الإنسانية ولإقامة الأمن والحب والسلام. هذا ليس كلاما فقط بل يشهد التاريخ أن النبي سمح للنصارى ذات مرة أن يعبدوا الله في مسجده؛ أي المسجد النبوي. وهذا هو التعليم الإسلامي الحقيقي الذي أمرَنا في هذا العصر أن ننفِّذه على أنفسنا الخادم الصادق والمحب الحقيقي للنبي . هذا هو التعليم الإسلامي الحقيقي الذي ضربتُ بعض أمثلته آنفا، وقد أمرنا إمام الزمان أي المسيح والمهدي الموعود بالعمل بها ونشرِها بين الآخرين وتوقَّع منا وقال لنا بأنه حيثما بنيتم مسجدا واضعين هذه الفكرة في الحسبان ستتسببون في فتح آفاق جديدة للتعريف بالإسلام وتبليغ دعوته، فينتبه الناس إلى الإسلام ويأسرهم تعليمه الجميل وهكذا تزدادون عددا.

إن مساجدنا وكل مَن يحضرها من الأحمديين يعلنون أن حماية معابدِ الأديان كلِّها واجبةٌ على المؤمن الحقيقي، وأداء هذه المسئولية ضرورية له كأهمية حماية مسجده. إن مساجدنا توجّه أنظارنا إلى أن الإخلاص للوطن جزء من إيمان المؤمن، ولا يؤمن مؤمن ما لم يكن مخلصا لقومه وبلده الذي يقيم فيه.

فهذا هو الهدف الذي من أجله يجب أن نبني المساجد، وهذا هو التعليم الذي يطّلع عليه الناس من خلال وسائل الإعلام ويتوجّهون إلينا. عندما يرى الناس، بدءا من عامة الناس إلى الزعماء الكبار ورجال السياسة أن هناك أحزابا إرهابية مشغولين في القتل وسفك الدماء دون هوادة وتمييز، وفي ناحية أخرى هناك جماعة تسعى جاهدة لخلق الحب والوئام والصلح والأمن. هناك فئة المسلمين المزعومين الذين تصعد من مساجدهم الشتائم والسباب وتعلو منها عواطف مليئة بالقذارة باسم الله ورسوله، وفئة ثانية لا تتحدث إلا عن الصلح والأمن والوئام ولا ترفع إلا هتافات: ’’الحب للجميع ولا كراهية لأحد‘‘ ..إن هذه الأمور تشُدّ انتباه الناس وتُنشئ في أذهانهم عاطفة التحري والبحث فيتساءلون: لماذا هذا الفرق بين هاتين الفئتين؟ ثم توجِّههم عاطفة التحري هذه إلى البحث والتحقيق والسعي لأخذ المعلومات أكثر عن الجماعة الإسلامية الأحمدية من خلال وسائل الإعلام الحديثة مثل الانترنيت وغيرها.
لقد تسنّى لي الذهاب أول البارحة إلى البرلمان الإيرلندي في مدينة ’’دبلن‘‘ فقابلتُ بعض أعضاء البرلمان، فقال أحدهم بأنه كما تسعى الجماعة الإسلامية الأحمدية لإقامة الأمن والقِيم الإنسانية لا يُلاحَظ هذا السلوك في المسلمين الآخرين. وأضاف وقال بأنه جمَع هذه المعلومات عن الجماعة الأحمدية بعد بحث عميق جدا. ثم قال: بعد الحصول على هذه المعلومات أتمنى أن تبني الجماعة الأحمدية مسجدا في مدينة ’’دبلن‘‘ أيضا حتى تنتشر رسالة الأمن والحب والقِيم الـمُثلى في مدينتي أيضا.
فعلى هذا النحو ينبِّه الله تعالى العالم ألا يرسِّخوا في أذهانهم رأيا سلبيا عن الإسلام نظرا إلى جانب واحد للصورة بل يجب أن ينظروا إلى جانب آخر أيضا وهو الجانب الحقيقي الذي تقدّمه اليوم جماعةُ الخادم الصادق للنبي .
فعلينا ألا نفرح بمجرد تشييدنا المسجد هنا وبأنه قد شاهده العالم بواسطة ايم تي ايه، وبالتالي تستطيعون أن تقولوا للناس الآن بأن لديكم أيضا مسجدا. سيُعقد احتفال بهذا الشأن مساء اليوم بإذن الله، وستجد الشريحة المثقفة من المجتمع فرصة لزيارة المسجد ولعلهم سيمدحون جمال المسجد، ولعل بعض الناس من هذه المدينة أو غيرها أيضا سيأتون لزيارته في مناسبات مختلفة، فينبغي ألا تفرحوا على أن هذا القدر من الناس أو الفِرق قد زاروا مسجدنا. يجب ألا تظنوا نظرا إلى هذه الأمور أنكم قد حققتم هدفكم. كلا، هذا لا يصح أبدا، بل كما قلتُ من قبل بأن هناك عدة أمور تعلنونها ببنائكم المسجد. وهذه الأمور كلها تلقي مسئولية جسيمة على كاهلكم. فيجب على جميع الأحمديين الذين يسكنون هنا أن يفكّروا كيف يجب عليهم أن يؤدوا هذه المسئولية الملقاة على عاتقهم. لقد ذكرتُ قبل قليل ما هو دور مساجدنا وماذا يُعلَن منها، وكيف ينبغي علينا أن نؤدي حقوق الله وحقوق العباد؛ فإنْ لم نتوجه إلى أدائها فسيكون ادعاؤنا ادّعاء فارغا فقط، بل ستكون هتافاتنا وإعلاناتنا سببا لخداع الناس، وسنكون من الذين يُفرحون الناسَ بالكلام والدعاية الفارغة فحسب، ولن نكون متوجّهين إلى نيل الهدف من حياتنا، ألا وهو الفوز برضا الله تعالى وجعْل أعمالنا وسلوكنا تابعا لمشيئة الله تعالى.
لقد ذكر الله تعالى في الآية التي استهللتُ بها خطبتي صفاتِ الذين يعمُرون المساجد. إن دائرة هذه الآية تتسع أكثر انطلاقا من نطاق الكعبة وتشمل جميع المساجد التي يعمرها الذين يحملون الصفات التي ذُكرت في الآية المذكورة، والذين يدخلون في قائمة المؤمنين الذين ذكر الله تعالى مستوى إيمانهم قائلا: أشد حبا لله أي أنهم يحبون الله أكثر من أيّ شيء آخر، ولا يغلبهم حبّ دنيوي أيا كان نوعه، بل يسعون جاهدين ليقضوا حياتهم باستمرار في سبيل الفوز بحب الله. ولا يمكن أن ينسوا حب الله من أجل الحصول على منفعة دنيوية. إذًا، إن حب الله يقتضي العمل بأوامره وعبادته لا أن ينسى المرء الصلاة بحجة الانشغال في الأعمال، ويستند إلى الكذب لنيل المنفعة المالية. وعند هذا التصرف يجب أن يفكر الإنسان هل يحب اللهَ أكثر أم المنافعَ المادية؟ فإذا كانت الأمور المادية تُلهيه عن أحكام الله فهذا يعني أن حب الدنيا مستَولٍ عليه. يقول سيدنا المسيح الموعود : فليكن معلوما أن غيرة الله لا ترضى من المؤمن أن يُشرك به أحد في الحب الذاتي. فالإيمان الذي هو أحب إلينا إنما يبقى محفوظا بأن لا نجعل به أحدا شريكا في الحب مع الله تعالى.

فكثيرون حين أسألهم عن هذا يقولون إنهم يصلّون ثلاث صلوات أو أربعا. ثم هناك كثيرون يُسرعون في الصلاة وكأنهم يضعون الأحمال عن رقابهم، فإن لم نكن نحسن أداء الصلاة التي هي وسيلة للتقرب إلى الله وإظهار حبه، فلا نؤدي مقتضيات الحب.

فهذا جدير بالتدبر الكبير، إذ يقول كل مسلم بلسانه إنه يحب الله ويحب الرسول. فالمسلمون يستعدون للقتال حين يسمعون شيئا ضد كرامة النبي . فلن نسمع من فم أي مسلم أنه لا يحب الله أو لا يحب الرسول. لكن السؤال كم منهم يستجيبون لأوامر الله ورسوله؟ فخذوا الصلاة مثلا، فنحن بحاجة إلى أن نفحص هل نؤدي حق الصلوات أم لا. فكثيرون حين أسألهم عن هذا يقولون إنهم يصلّون ثلاث صلوات أو أربعا. ثم هناك كثيرون يُسرعون في الصلاة وكأنهم يضعون الأحمال عن رقابهم، فإن لم نكن نحسن أداء الصلاة التي هي وسيلة للتقرب إلى الله وإظهار حبه، فلا نؤدي مقتضيات الحب.
ثم يقول الله عن المؤمنين إنهم حين يُدعَون إلى حكم الله ورسوله أو يتلقون أي أمر يقولون ’’سمعنا وأطعنا‘‘. فكل واحد منكم بحاجة إلى فحص نفسه في ضوء هذا المعيار، ففحْصُنا أنفسنا يمكِّننا من الاطلاع على حالاتنا. لقد أعطانا القرآن الكريم أوامر كثيرة، وقد بيَّن المسيح الموعود في أحد كتبه أنها 700 أمر، فالذي لا يستجيب لها ولا يسعى للعمل بها فهو يبتعد عني، ويقطع علاقته بي. فلن يكتمل إيماننا إلا بالاستجابة لأوامر الله . ثم إننا نقول: إنا آمنا بالآخرة، لكن كثيرين منا يدّعون الإيمان بالآخرة باللسان فقط، لأنه إذا كان الإيمان بالآخرة كاملا فيجتنب الإنسان ذنوبا كثيرة ولا يغصب الحقوق. فنحن نجتنب أعمالا كثيرة خوفا من القانون الحكومي، حيث نخاف إلقاء القبض علينا، ونطيع المسئولين أيضا خوفا. نرتكب أعمالا سيئة لأننا لا نفكر في الآخرة رغم ادعائنا الإيمانَ بها. كثيرون منا إذا كانوا خاشعين في الصلاة يوما ما فإنما يدعون لنيل أهدافهم المادية، فالأهداف المادية كثيرة. البعض يأتون إلى المساجد خوفا من قول الناس فيهم: ’’لماذا لم يأت فلان للمسجد منذ مدة طويلة؟‘‘، بينما يقول الله : إن الذين يعمرون مساجد الله فإنما يصلّون الصلاة ابتغاء مرضاة الله، ويقيمون الصلاة جماعةً على موعدها لنيل مرضاة الله. وغايتهم من العبادة الحصول على رضوان الله، وتكون تضحياتهم بالمال أيضا لنيل رضوان الله، وهم لا يخافون أحدا غير الله. يقول الله : إن هؤلاء لا يدّعون الإيمان فقط، بل يرون تأييد الله ونصره أيضا كل حين وآن، يخطون كل خطوة إلى السبل الجديدة للهدى. وكل طريق تفتح لهم أبواب الفلاح والنجاح باستمرار. فهذه الهداية تقودهم إلى النجاحات، وهم يحظون بالفوز. من منة الله على الجماعة الإسلامية الأحمدية أنه وهب لها مؤمنين لا يدّعون الإيمان فحسب، بل هدفهم الحصول على رضوان الله تعالى. وهذا هو سرُّ تقدم الجماعة وازدهارها من حيث الجماعة. فللمساهمة في نزول هذه الأفضال وتأدية حق عمران المسجد، يحتاج كلٌّ منا أن يستعرض أوضاعه كل حين وآن بانتظام، كما قلت سابقا، لئلا يبقى أي أحمدي ذكرا أو أنثى محروما من بركات هذا التقدم ومن أفضال الله. يجب أن لا تكون مخاوفنا مادية بل ينبغي أن نخاف أن يسخط علينا ربنا الحبيب. عندما ينظر العالم إلينا بعد بناء هذا المسجد، فإننا بحاجة أكثر من قبل لفحص أنفسنا مؤدِّين مقتضيات الإيمان. فثمة حاجة أكبر من ذي قبل لصدور الأعمال وفق التعليم الإسلامي، عندها فقط سنتمكَّن من إرشاد الذين يلتفتون إلينا، بعد مشاهدة المسجد، على أحسن وجه.
بعد بناء المسجد سوف تنفتح الطرق الجديدة لنشر الدعوة والتعرف إلى الأحمدية الإسلام الصحيح، وهذا قد بدأ سلفا. فالناس كما قلت سيأتون لزيارة المسجد. فحيثما تبني الجماعة مسجدا يتوافد الناس لزيارته من الطبقات والفئات المختلفة ولا سيما طلاب المدارس. فبما أن أنظار العالم في هذه الأيام مشدودة إلى المسلمين بسبب تصرفات بعض المسلمين لذا قد ازداد التحسس وحب الاستطلاع كما قلت سابقا. فعندما سيرون الوجه الحقيقي للإسلام من خلال أعمالنا وحالاتنا، فسوف يتأثرون حتما. إذن قد تعاظمت مسئولية الأحمديين المقيمين هنا بعد بناء المسجد. إنني أقول ذلك مرارا وتكرارا لأن الجماعة في إيرلندا كانت في الماضي صغيرة ومجهولة لكنكم الآن لم تعودوا مستورين في طي الخفاء، أو بتعبير آخر لم تعودوا من الذين لا يعرفهم الناس. فبناء المسجد الجميل والمئذنة العالية تعرِّفُ العالمَ عليكم كل يوم. وافتتاح المسجد اليوم وحفْل الاستقبال مساء اليوم حيث يأتي الضيوف من غير الأحمديين وغير المسلمين سيعرِّف كل الطبقات عليكم. فقد بدأت الجرائد تكتب حول هذا الموضوع سلفا، وسوف تُنشر إن شاء الله أخبار أخرى تعرِّف سكان البلد بالأحمدية الإسلام الصحيح أكثر. ولن يبقى هذا المسجد محط أنظار سكان غالويه فقط بل سوف يتعرف إليكم سكان مدن أخرى أيضا، وسيسعون للمجيء إلى هنا لزيارته إذا سنحت لهم الفرصة. هذا ما جربناه في المناطق المختلفة، بمعنى أن دعوتكم -كما قلت- ستتسع بانتظام، لهذا يجب على كل أحمدي أن يتزود بالعلوم أيضا ويتجهز علميا، لكي يتمكن من الردود الدينية العلمية. وهناك حاجة لتحسين الحالات العملية أيضا، ورفْع مستواها إلى حيث كان المسيح الموعود يريد أن نحرزها. وقد أخبرتكم سلفا ما هو ذلك المستوى، ألا إن ذلك المعيار هو العمل بجميع أحكام القرآن الكريم، وإقامة نماذج رائعة لأعمالكم حتى يلتفت سكان هذا البلد إليكم تلقائيا. سكان هذا البلد أيضا متديّنون كثيرا، فما زال سكان هذا البلد الأوروبي من الأغنياء والفقراء يذكرون انتماءهم وتمسكهم بالمسيحية إلى الآن ويصرحون أنهم مسيحيون ويوقنون بأن نجاتهم في المسيحية. علينا أن نخبرهم أن عيسى بحسب معتقداتنا كان نبيا صادقا من الله وقد رحل من هذا العالم بعد إنجاز المهمة المعهودة إليه من الله على أحسن وجه. وأن صاحب القدرة الحقيقية رب العالمين هو الله الأحد الذي عبَده المسيحُ وأمُّه الطاهرة السيدة مريم أيضا. وإن من جاء بالشريعة الكاملة والأخيرة بحسب نبوءات الأنبياء السابقين هو سيدنا محمد رسول الله ، وهذه الشريعة هي الكاملة والمنجية، وتُقرِّب الإنسان إلى الله وهي وسيلة لتحسين الدنيا والعقبى. لكن ذلك لن يتأتى بالدعوى فقط، بل بالعمل بهذه الشريعة. عليكم أن تخبروهم أن دليل حياة الإسلام أن المسيح الموعود قد بُعث تابعا له الذي ربط علاقتنا بالله وقرَّبَنا إليه . الإلهُ الذي يسمع أدعيتنا ويجيبها أيضا، والذي ما زال يُظهر الآيات بحسب وعده، فبقاء العالم الآن في الإيمان بالمسيح الموعود . وسوف تنشأ العلاقة الحية بالله بالإيمان بالمسيح الموعود ، لكن هل يمكن أن نقول للآخرين هذا دون أي تردد أو سوف نتوقف لنفكر في الموضوع مليا؟

وهل أتمتع بحالة بحيث لو تحداني أحد في استجابة الدعاء قبلتُ تحديه؟ هل إنني على علاقة قوية مع الله تعالى؟ هل أكنّ في قلبي خشية الله وحبّه وأسعى جاهدًا لأغيّر حياتي بحسب أوامره؟ إذا كانت الإجابة بـ»لا» فكيف يسعني -بدون الشعور بمسئوليتي لكوني أحمديًّا وبعدم أدائها – دعوة العالم والإعلان فيه أنه قد جاء المسيح الذي وُعِد بمجيئه؟

وهل أتمتع بحالة بحيث لو تحداني أحد في استجابة الدعاء قبلتُ تحديه؟ هل إنني على علاقة قوية مع الله تعالى؟ هل أكنّ في قلبي خشية الله وحبّه وأسعى جاهدًا لأغيّر حياتي بحسب أوامره؟ إذا كانت الإجابة بـ’’لا‘‘ فكيف يسعني -بدون الشعور بمسئوليتي لكوني أحمديًّا وبعدم أدائها – دعوة العالم والإعلان فيه أنه قد جاء المسيح الذي وُعِد بمجيئه؟ ألن يسألني الناس: أيَّ تغيير أحدثه فيك المسيح الموعود حتى تدعونا إليه طمعًا في حدوث تغييرات طيبة في أنفسنا؟ إلى أيّ مدى تقوتْ صلتُك مع الله تعالى حتى تدعونا إلى الإيمان بالمسيح الموعود مرغِّبا إيانا في نشوء علاقتنا مع الله تعالى؟ يقول لك دينك أن تؤدي حق الله تعالى من خلال عبادته بل ورد في القرآن الكريم أن الهدف من حياة الإنسان هو عبادة الله، وقد خُلقْتم لتحقيق هذا الهدف، فأخبِرْنا: كم صلاةً تصليها جماعةً؟ لقد أنشاتم مسجدًا جميلا، ولكن جماله منوط بالحالة الروحانية للمصلين وبها يزداد بريق المسجد ولمعانه؛ فهل تصلون الصلوات الخمس في المسجد؟ هل تؤدون حقوق عباد الله؟ يقول القرآن الكريم أنكم خير أمة أخرجت للناس لأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وهنا سيسألنا السائلون: هل يتحقق هدفكم بإسداء النصيحة القولية فقط؟ إذا لم تكونوا كذلك فينبغي أن تحاسبوا أنفسكم لتعرفوا ما إذا كنتم تعملون بما تقولون أم لا؟ وسيسألنا السائلون أيضا: تتكلمون عن الإحسان إلى الأقارب وإلى الناس عمومًا ولكن هل تتوافق أعمالكم مع أقوالكم هذه؟ تتكلمون عن أداء الأمانات وإيفاء العهود ولكن هل تتقيدون مئة بالمئة بأداء حق أماناتكم وعهودكم؟ تتكلمون عن التضحية والتواضع ولكن هل يظهر ذلك من خلال أقوالكم وأفعالكم؟ تقولون بأن الإسلام يعلّمنا إحسان الظن بالآخرين ولكن هل تطبقون هذا الأمر في حياتكم اليومية أم لا؟ تقولون أن القرآن الكريم يؤكد على الالتزام بالصدق أيما تأكيد ولكنني رأيتك في مواقع عدة قد لجأت إلى الكذب من أجل الحصول على منافع دنيوية. يمكن أن يقول لنا أي واحد مثل هذا الكلام إذا رأى منا هذه الأعمال المذكورة. تقولون بأن الإسلام يأمر بكظم الغيظ ومعاملة الناس بالعفو، إنه تعليم رائع ولكن هل يظهر ذلك من خلال تعاملكم اليومي مع الآخرين؟ تخبروننا عن تعليم رائع للإسلام وهو أنه ينبغي أن يكون مستواكم لإقامة العدل عاليًا لدرجة لا يجرمنكم شنآن قوم على عدم العدل وعلى غصب حقوق الآخرين، ولكن هل تسعون للارتقاء إلى هذه الدرجات السامية في العفو عن الناس وفي إقامة العدل؟ وهل تقدرون على تحقيقه؟ إن جميع أحكام القرآن التي تخبرون عنها رائعة وجميلة جدًّا ولكن هل تعملون بها؟ تقولون عن المسلمين الآخرين أنهم لم يؤمنوا بالمسيح الموعود ولأجل ذلك يعانون هذه الحالة بحيث يقطعون رقاب بعضهم بعضا ولا يمكن في هذه الحالة أن يظهر منهم خلق ’’رحماء بينهم‘‘ بل لابد أن يظهر العكس، ولكنكم آمنتم بالمسيح الموعود، فعلى حد قولكم، ينبغي أن تكون جميع أقوالكم متوافقة مع التعليم القرآني. إذا لم تكونوا كذلك، فأي انقلاب روحاني وعملي تدعوننا إليه؟ لأنكم ونحن سواء. فما الفرق بيننا وبينكم إذًا؟ ينبغي أن نتذكر دومًا أنه حيثما يُعرف الأحمدي بكونه أحمديًا تزداد هنالك مسئولياته لأنه لا يبقى مجرد شخص أحمدي بل يتحول إلى ممثل للمسيح الموعود. ولأجل ذلك قال المسيح الموعود : ’’لا تشوّهوا سمعتنا بعد انتمائكم إلينا‘‘. فلا يقتصر تأثير العمل السيئ لأي أحمدي على ذاته بل يصل إلى المسيح الموعود . إنه لأمر هام جدًّا ينبغي لكل أحمدي أن يأخذه بعين الاعتبار دومًا، وبعد التقيّد به سيتحول كل أحمدي سفيرًا للأحمدية. وإن التعريف به في العالم يرفع قدره في أعين الناس لدرجة أنهم سينجذبون إليه. وبهذا الطريق ستصبحون ممثلين للمسيح الموعود ، وتوفقون لأداء حق التبليغ، وتحسّنون لأهل الدنيا دنياهم وعقباهم، وتجذبون أفضال الله تعالى. وإننا بحاجة إلى بذل قصارى جهودنا من أجل تحقيق هذا الأمر. فهناك حاجة لتحسين صلواتنا الخمس ولأدائها جماعةً. وهناك حاجة لتوثيق العلاقة مع الله من خلال النوافل إلى جانب الفروض. وهناك حاجة إلى التركيز على أداء حقوق العباد أيضا. وهناك حاجة إلى أن يفهم كل رجل أحمدي وسيدة أحمدية مسئوليته.
نقول بكل حماس لأهل هذه المنطقة إننا سمّينا مسجدنا هذا ’’مسجد مريم‘‘ لأن الناس هنا يحترمون السيدة مريم كثيرًا. نقول لهم بأنكم تحبّون السيدة مريم لأنها والدة المسيح، أما نحن فلا نحبها فقط لكونها والدة المسيح بل لأنها حظيت بنظرة حب الله تعالى لبلوغها مستوى عاليًا في الصلاح والورع، وأُمِر المؤمنون بالتحلي بصفاتها. لقد أحصنت مريم فرجها وفعلت ذلك محبةً في الله وخوفًا منه، كانت مطيعة كاملة لله تعالى وعاملة بأوامره، كانت صالحة ومتمـسكة بالحق والصدق. فقد أمر الله تعـالى جميع المسلـمين رجالا ونسـاء أن يتحلّوا بصفاتها.
وهنا أريد أن أوجّه الكلام إلى الفتيات والسيدات الأحمديات أن الناس هنا إذا كانوا يكنّون للسيدة مريم احترامًا وتقديرًا دون السعي للتحلي بصفاتها التي كانت فيها فإنه يدل على ضعفهم. أما المسلم الحقيقي والمسلمة الحقيقية فعليهما أن يطيعا الله تعالى طاعة كاملة ويسعيا للعمل بأوامره، ومن هذه الأحكام الحياء والحجاب أيضا اللذان ذكرهما الله تعالى في القرآن الكريم. فينبغي الاهتمام باللباس المحتشم بالإضافة إلى الاهتمام بعبادة الله. وفَّق الله تعالى الجميع لقضاء الحياة بحسب رضاه ووفّقهم ليكونوا مؤمنين حقيقيين، وأن يؤدوا حق العبادة بدلا من أن ينغمسوا في الدنيا. وفقهم الله تعالى لأداء حقوق بعضهم بعضا. ينصحنا المسيح الموعود ويقول:

’’أقول لكم حقًّا بأن الله تعالى خلق من أجل السعداء من الناس هذه الفرصة (أي بعثة المسيح الموعود ) فمباركون أولئك الذين يغتنمونها كما ينبغي. فيا من أنشأتم العلاقة معي، لا تغترّوا ظانين أنكم قد نلتم كل ما كنتم تريدون نيله. صحيح أنكم أقرب إلى السعادة من الذين أنكروا وأسخطوا الله تعالى بشدة إنكارهم واستخفافهم بأمره، وصحيح أنكم أحسنتم الظن وبذلتم قصارى جهدكم لإنقاذ أنفسكم من غضب الله، ولكن الواقع أنكم اقتربتم من النبع الذي فجَّره الله تعالى لخلق الحياة الأبدية، وبقي أن تشربوا منه. فاسألوا الله تعالى التوفيق لكم ليرويكم منه، لأنه لا يمكن أن يتحقق شيء بدون الله (أي أن الله تعالى ولي التوفيق). أعلم يقينًا بأن من يشرب من هذا الينبوع فلن يهلك، لأن هذا الماء يهب الحياة، وينجي من الهلاك، ويحمي من هجمات الشيطان. ما السبيل للارتواء من هذا الينبوع؟ إنما هو المحافظة على الحقَّيْن اللذين أوجبهما الله تعالى عليكم، فأقيموهما وأدّوهما أداءً وافيًا؛ أحدهما حق الله والآخر حق المخلوق‘‘.

نسأل الله أن يوفِّقنا لتأدية هذا الحق، والاستفاضة بهذا النبع أكثر فأكثر بانتظام، حتى نوصل إلى العالم هذه الفيوضَ.
أود أن أخبركم عن بعض تفاصيل بناء هذا المسجد أيضا، فالبعض في العالم يهتمون بهذا الجانب أيضا. كنت قد وضعت حجر أساس هذا المسجد في سبتمبر 2010 ومساحة الأرض الإجمالية 2400 متر مربع، وهو فدان إلا ربع تقريبا. والجزء المسقوف منها هو 217 متر مربع، وكان ثمن هذه الأرض 515000 يورو، وكان فيها بيت. أما بناء المسجد فكلَّف مليون ومائة ألف يورو. تتسع القاعة الرئيسة والجزء المسقوف إجمالا لمئتي مصلٍّ. وهناك مكتبان مع هذا المسجد وبيت يضم ثلاث غرف ومطبخا أيضا. وهناك مكان لإيقاف 17 سيارة. وموقع هذا المسجد أيضا رائع ومتميز، إذ يقع مضمار سباق الخيول قريبا من المسجد، ومن هناك يُرى المسجد بوضوح. يُعقد في هذا الميدان مهرجان مشهور يأتيه كبار الشخصيات المشهورة للمشاركة في سباق الخيول، ومن هناك يُرى المشهد الجميل للمسجد. يشارك في هذا المهرجان أربعون ألف شخصا من سكان البلد.
ومن هذا المنطلق أيضا سيزداد التعريف بالمسجد، لأن الناس من الخارج أيضا سيأتون إلى هنا، وهذه المنطقة عامرة ومزدحمة حيث يمر من هنا يوميا مئات الناس. وعلى مسافة قصيرة هناك سكن الطلبة أيضا، ومطار غالوي أيضا على مسافة عشر دقائق. ولقد اشترت الجماعة هنا بيتَين آخرين وهما يجاوران المسجد، وفيهما أيضا مساحة سكنية جيدة. باختصار اُدعوا الله أن يبارك في هذا المجمَّع كله من كل النواحي، وأن يوفِّق الأحمديين في هذه المنطقة لأداء حق هذا المسجد.

Share via
تابعونا على الفايس بوك