- هل يفرق القرآن الكريم فعلا بين ضمائر العقلاء والجمادات؟ وكيف؟
- كيف يُعد استعمال الضمير موجِّها للدلالة في الكلام؟
- لماذا دأب ناقلو الإسرائيليات على تعطيل قواعد اللغة؟
___
إنهم يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب، فما نالوا منه سوى حروفه، أما حدوده فضيعوها، وحينما يأخذون دينهم يأخذونه لبؤسهم وضياع حظهم من الإسرائيليات للأسف، وفي غيهم المستطيل هذا يُلغون سنن الكلام العربية التي بها يفهمون قواعد اللغة العربية لتأصيل خرافاتهم التي نقلوها من الإسرائيليات، مما ألغاه هؤلاء، ما يعود عليه الضمير في اللغة.. ولتقريب الفكرة نسوق مثالا مما كنا نتعلمه في دروس اللغة الإنكليزية في المدارس، فقد تعلمنا مثلا التفرقة بين العاقل وغير العاقل، حيث She ضمير يعود على المؤنثة الغائبة، و He ضمير يعود على المذكر الغائب، و They ضمير يعود على جمع الغائبين، ذكورا كانوا أو إناثا أو من كلا الجنسين، أما It فهو ضمير يعود على الغائب غير العاقل، مذكرا كان أو مؤنثا.
فحين نشرع في قراءة أحد أو بعض التفاسير التراثية للقرآن الكريم، نصطدم بواقع مؤلم، فقد تم إغفال أحد قواعد اللغة العربية لتأكيد الخرافة التى يروج لها من أئمة التفسير وغيرهم ممن نقلوا نقلا من مستنقع الإسرائيليات الآسن، ولن نُكثر الكلام فيما نقلوه هؤلاء، ولكن نكتفي بمثال واحد، وهو خرافاتهم ذائعة الصيت فيما باتوا يسمونه بلغة الحيوان ولغة الطير.
ففى كل لغات العالم وعلى رأسها اللغة العربية، اللغة الأوسع والأبلغ، نلحظ تفرقة واضحة بين العاقل وغير العاقل، فلو قلت لك: هذه الأسود أكلن بقرة.. فَقَطْعًا لن يستقر في ذهنك نفس المعنى الذي يستقر فيه بسماع عبارة: هؤلاء الأسود أكلوا بقرة!
فالجملة الأولى (هذه الأسود أكلن بقرة) أتحدث فيها عن حيوانات غير عاقلة (الأسود) علماً أن الأسود جمع مذكر، إلا أنني أشرت إليها باسم إشارة يخص المفردة المؤنثة، فقلت «هذه»، ولم أقل: «هؤلاء»، لأن الأسود غير عاقلة، بينما الإشارة بـ «هؤلاء» يُفهم منها أن المشار إليه جمع عاقلين. وهذا ما نلحظه في الجملة الثانية (هؤلاء الأسود أكلوا بقرة)، فهنا أقصد مجموعة من الرجال وصفتهم بالأسود لشجاعتهم، أوشراستهم، فالحديث عن جمع عقلاء، ولا يوجد عقلاء على سطح الأرض سوى البشر.
ومن القرآن الكريم نستنبط هذه القاعدة الذهبية التى تلغى الخرافة القائلة بأن الحشرات والطيور تتحدث ولها لغة تتفاهم بها كتفاهم الناس فيما بينهم.
وهذا التمييز الواضح بين العاقل وغير العاقل مبثوث بين ثنايا القرآن الكريم ومنشور في آياته المنيرة.. فالله سبحانه وتعالى يقول على سبيل المثال:
فلم يقل (خلقهما) في إشارته إلى الشمس والقمر.
فاستخدم الله الضمير العائد على جمع المؤنث في (خلقهن) على الرغم من أن الشمس والقمر مثنى، ذلك لأن الشمس والقمر لا عقل لهن، حتى إنه من الخطأ القول بأن لا عقل (لهما).
ومثال آخر نطلع عليه في سورة المائدة، حيث يقول تعالى:
ألا نلاحظ أن الحديث عن غير العاقل؟! أليست الجوارح (طيور) والكلاب (حيوانات) غير عاقلة؟! فقال سبحانه وتعالى: (تعلمونهن)، وقال: (مما أمسكن)، فكان استخدام جمع المؤنث للدلالة على غير العاقل.
ومثال آخر من سورة الزخرف، حيث يقول تعالى:
فالضمير في (خلقهن) عائد على السماوات والأرض، وهي جمادات غير عاقلة، لذا كان الضمير العائد جمعا مؤنثا.
ومثال آخر من سورة الطلاق إذ يقول تعالى:
ومثال آخر من سورة يوسف:
لنلاحظ أن النص القرآني واضح فيما يتعلق بالإشارة بالضمير العائد، فالضمير في (يأكلن) و(لهن) عائد على السنين السبع، وهي كيانات غير عاقلة بطبيعة الحال. بينما نفس الآية حين ورد فيها خاطب الناس العقلاء خاطبهم بجمع المذكر السالم (تحصنون).
كذلك في سورة النحل يقول تعالى:
فحينما تحدث القرآن عن الطير، وهو غير العاقل، قال (مسخرات) و(يمسكهن) حيث الضمير عائد في العبارتين على جمع المؤنث وحينما تكلم عن البشر العقلاء قال (يؤمنون)، أي باستخدام صيغة جمع المذكر السالم.
وفي سورة الأحقاف يقول تعالى:
فحينما تكلم عن عز وجل عن السماوات والأرض قال خلقهن واستخدم جمع المؤنث، إذن فاستخدام جمع المذكر السالم حينما نتحدث عن العقلاء، ولا عاقل على وجه البسيطة بالمعنى المعروف سوى الإنسان. فحينما يخاطب الله اليهود فى سورة البقرة يقول:
فليس معنى ذلك أنهم تحولوا إلى حيوانات، وإنما اتصفوا بصفة القرود في التقليد فأصبحوا مقلدين لغيرهم من العصاة.. لأنهم لو تحولوا إلى قرود فعلا لقال لهم كونوا قردة (خاسئة)! أليس كذلك؟!
وفي سورة النور يقول تعالى:
ففي خطاب الله تعالى إلى الناس قال (لكم) و(عليكم)، بينما حين ذكر العورات قال (بعدهن)
والقرآن مليء بالأمثلة التي تؤكد هذه القاعدة التي حاول طمسها نقلة الإسرائيليات الذين دأبوا على إلغاء قوانين اللغة لتأصيل الخرافة.
فادعوا أن للحيوانات لغة! فعجبًا لما يفترون!
الهوامش:
- (فصلت: 38)
- (المائدة: 5)
- (الزخرف: 10)
- (الطَّلَاق: 13)
- (يوسف: 49)
- (النحل: 80)
- (الأَحقاف: 34)
- (البقرة: 66)
- (النور: 59)