• إنتشاء ظاهرة الدعوة إلى أفكار عن طريق الجدال الغير منطقي والفوضى الفكرية.
  • أبطال ساحة الجدل المذموم متمثل في التعصب والتصيد والتنطع، أما الغائب عن الساحة فهو الإخلاص والتجرد والاستماع.
  • ترك المراء فوز عظيم للمرء بالجنة.

ينتشر على مواقع التواصـل الاجتماعي ظاهـرة الدعوة إلى الأفكار والأديان عن طريق الجدال الذي ينعدم فيه الموضوعية والحجج المنطقية، وتعم فيه الفوضى الفكرية ولا يتحقق بسببه إلا المزيد من التنافر والسيطرة للروح العدائية!
وحديثي هنا عن هذا النوع الشائع من الجدل والذي يفتقر إلى الحجة والأدب، وليس عن الجدال بالتي هى أحسن.. ذلك النوع النادر الهادف الذي يتحلى فيه المجادل بالحكمة والفطنة والذكاء ما يجعله يحاور بالمحكمات ولا يخوض في المتشابهات، فضلاً عن تجرده وإخلاصه النية فلا يكابر وإنما يذعن للحق، الذي لفطنته وإخلاصه لم يستنزف في سبيل الوصول إليه الكثير من الوقت!
أما هذا الجدل الشائع المذموم فلا يتولد عنه إلا الضغائن والفتن، وإن حاول المجادل تصنُّع الاحترام فلا يكون إلا احترامًا مفتعلًا وزائفًا، سرعان ما ينكشف زيفه من خلال ما يبدو من تنابز بالألقاب واستهزاء بالمقدسات واستعلاء ينم عن جهل وإفلاس، وحدث ولا حرج عن تنطع فيه إسراف في الكلام وفيه ظنون وأوهام من عقول افتتن بها أصحابها إلى حد الهيام.. هذا فضلاً عن الخوض في متشابهات وأمور العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر، وعن تعنت المجادل الذي يعتبر أن رأيه صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي الآخر خطأ لا يحتمل الصواب!
وعلى العكس تماماً من الجدل الهادف المحمود، فإن الثلاثي المتمثل في التعصب والتصيد والتنطع هم أبطال على ساحة هذا الجدل المذموم، أما الغائب عن الساحة فهو ذلك المتمثل في الإخلاص والتجرد والاستماع، فلا يكون إلا أشبه بحوار الطُّرشان الذي لا يسمع فيه أحد إلى أحد، ذلك لأن ما يهم المجادل هو استعراض ما في رأسه فقط لظنه بأنه قد أبصر بما لم يبصر به الآخرون!
وهذا الجدل هو في الواقع وجه من وجوه الشهوات التي يزينها الشيطان في أعين الناس.. حيث أن المجادل بغير حق يشتهي الجدل حتى بلوغ نشوة الانتصار لرأيه ولو على حساب الحق، كما يجد فيه الكثيرون لذة ومتعة ولكنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، إذ يُلبس عليهم إبليس ليجعلهم يتصورون بأنهم في جدال الآخرين يبحثون عن الحق، أو أنهم قد وجدوه بالفعل ويريدون تعريفه للناس، ولكن صدق الله العظيم حيث يقول:

وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ !

ولأن النفس تجد في ترك الجدال مشقة وكراهة، وتلح على صاحبها للاستمرار فيه وتوحي إليه بأن في تركه إهدار للكرامة، فإن رسول الله يقول: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً»، فلا يكون جزاء ترك المراء الذي يعني الجدال إلا الجنة التي حفت بالمكاره، والبعد عن النار التي حفت بالشهوات!
والحق أن الباحث بصدق عن الحق، يبحث بنفسه وينهمك وحده في البحث ولا سيما في هذا العصر الذي تواجدت فيه المصادر لكل فكر.. وقد يلجأ إلى الاستفسار والسؤال ولكنه يأبى أن يضيع وقته وأوقات الآخرين في مهاترات الجدال، وصدق ابن عمر حيث يقول: «لن يصيب رجل حقيقة الإيمان حتى يترك المراء وهو يعلم أنه صادق»، أما مالك بن أنس فكان إذا جاءه بعض أهل الأهواء، أولئك الذين يجادلون بالظنون والمتشابهات فكان يقول: «أما أنا فعلى بينة من ربي وديني، وأما أنت فشاك فاذهب إلى شاكٍّ فخاصمه»!

ولا يخفى على أحد الآن أن الجدل العقيم أصبح من سمات الأمة في كل آن ومكان، فكما تعج به وسائل التواصل الاجتماعي فإنه على جميع وسائل الإعلام تجارة رابحة وبضاعة رائجة في سوق كثر زبائنه من أدعياء البصيرة في كل صغيرة وكبيرة،
«إذا أراد الله بقوم شرًا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل».

فمن المؤسف أن يسقط الكثيرون في براثن الشيطان باتباعهم شهوة الجدل العقيم، هذا الذي لا يتمخض عنه إقناع ولا يهدي إلى صراط مستقيم.. وكم ضاعت أوقات وصلوات التهمها الوقت الذي انقضى في الجدل والمراء، وصدق الله العظيم حيث يقول:

فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ..

وكم أوقع هذا الجدل المذموم عشاقًا له، فزلت أقدامهم بعد ثبوتها وسقطوا في هوة الهلاك، واتبعوا أهوائهم وعقولهم القاصرة وانحرفوا نهائياً عن جادة الحق والصواب! وصدق رسول الله حيث يقول: «هلك المتنطعون».. فما أشقى الذين يجادلون في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون!
ولا يخفى على أحد الآن أن الجدل العقيم أصبح من سمات الأمة في كل آن ومكان، فكما تعج به وسائل التواصل الاجتماعي فإنه على جميع وسائل الإعلام تجارة رابحة وبضاعة رائجة في سوق كثر زبائنه من أدعياء البصيرة في كل صغيرة وكبيرة، فما على الإعلامي إلا أن يفتش عن أكثر الموضوعات إثارة للفتن لطرحها على الرأي العام لينشغل بالجدل، ويدلي كل بدلوه والذي غالباً ما يكون في ماء عكر.. وكلما كان الطرح أكثر إثارة زادت العكارة وكانت الأرباح هائلة!
وفي الختام..لا يسعني إلا الترحم على الإمام الأوزاعي الذي قال: «إذا أراد الله بقوم شرًا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل».. فيا أمة المختار خير البشر، ما أكثر الجدل فيك وما أقل العمل، فلِمَ العجب أن تكوني عالة وفي ذيل الأمم!