مريم الأسطرلابية، أُم أَنظمة الملاحة الحديثة

ضحى أحمد

  • نظام تحديد المواقع العالمي جعل تجربة التجوال أكثر إمتاعا
  • اعتراف معاصري مريم الأسطرلابية بفضلها
  • الأسطرلاب، وشيء من خدمات المسلمين في مجال الفلك
  • الحضارة الإسلامية ولدت الكثيرين أمثال مريم الأسطرلابية
  • اختراعات وبرامج قامت على الأسطرلاب في عالم اليوم
  • متى دخل الأسطرلاب أوروبا؟!

سواء كان هاتفك اللوحي يعمل بنظام أندرويد أو ماكنتوش، فحتما لديك برنامج تحديد المواقع، فاعلم أن لعلماء المسلمين الفضل في وضع الأساس لنظام

GPS العالمي

الذي بحوزتك الآن!! كيف كان هذا؟!لا شك أننا وُلدنا في زمنٍ قُدِّمت إلينا فيه كلُّ وسائِلِ الرّفاهيةِ على طَبقٍ مِن فِضَّةٍ بحيث اعتدنا استخدامها تماما، واعتيادنا هذا على النِّعم قد أصابنا بنوع من تُخمة الرّفاهية، وهي حالة من أعراضها أن ننْسَى أو نتَجاهل السُّؤالَ عن أصْلِ هذه النّعم، من أينَ جَاءت؟ وكيف تمّ تَصميمها؟ ومَن أوّل مَن اخْترَعَها؟ مهلا، فالرجوع بالنظر في البحث عن الإنسان مكتشف الاختراع إنما يقودنا شيئا فشيئا إلى الامتنان للمُوجد الأول سبحانه عز وجل، والشكر الذي نكنه للمستكشف يكون موصولا لله الكاشف، فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله.

المجهول يصبح أكثر إمتاعا

لا شك أن المرء حين يشرع في الرحلة في طريق يجهله يصيبه شيء من الهم، كان هذا إلى عهد قريب، قبل ظهور برامج الملاحة باستخدام الأقمار الصناعية، ثم أصبح الأمر أكثر يسرا مع ظهور تطبيقات GPS المتاحة الآن ضمن باقة البرامج في أي هاتف محمول، فالآن ما أن نستقل سيّاراتنا مولِّين وجوهنا نحَو وجهة جَديدة، فأوّلُ ما نقومُ بهِ ضَبطُ بَرنامج GPS للوصولِ إلى هدفنا.. وكم يكتنفنا الشُّعورُ بالامتنان لحظةَ وصُولِنا ونُطْقِ الموجِّه عِبَارةَ «وِجهَتُكَ إلى اليَمين»!

فلننطلق في رِحلَة تاريخيةٍ عَبْرَ الزّمن لنسْتشعِر هذه النّعمة أكثر، وانطلاقنا يبدأ بتساؤل مفاده: «ما هو نظام GPS وما جذوره»؟!

بداية فإن نظام التموضع العالمي Global Positioning Systems ويرمز له اختصارا بـ GPS هو نظام ملاحة بواسطة الأقمار الصناعية يقوم بتوفير معلومات عن الموقع والتوقيت في جميع الأحوال الجوية في أي مكان على سطح الأرض أو بالقرب منه، حيث يقوم هذا النظام بتحديد إحداثيات أي نقطة على الأرض بالاستعانة بالبيانات التي توفرها شبكة أقمار صناعية يبلغ عددها 24 قمرا تحوم حول الأرض على ارتفاع 20200 كيلومتر. وقد اصبح هذا النظام الآن غنيا عن التعريف، بحكم انتشاره وشيوع استخدامه، غير أن أكثرنا يجهل جذوره الأولى.

عندَ تتبعنا لهذا البَرنامج نجد أنّ لهُ جُذورا تَمتدُّ عَبْرَ التَّاريخِ لتُوصِلنا إلى سيدةٍ مُسْلمةٍ عَالمةٍ وعاملة اتَّصَفت بالعبْقريةِ والطّموح وتركتْ بصْمتَها شاهدةً لها على جَبين التَّاريخ. لقد استحقَّت هذه المرأة العبقرية الوقوفَ عندهَا بما قَدّمته مِن خِدمة للحضارةِ الإنْسَانية، بَرعَ والدُها في عِلم الرِّياضيّات والفَلك، وقَدّم الجداولَ الحسابيَّةَ والقوانين لدراسةِ حركةِ الكواكِب، وجاءَت لتكمل ما خطّه لها والدها فكأنّ نبوغها وراثةً عن أبيها، حيثُ قامت بتطويرِ آلةِ الأسطرلاب التي وُجدت بذورُها الأولى في العهْدِ اليوناني فقد وردَ حديثٌ عن الأسطرلاب في إحدى الرَّسائِل الإغريقية في القرنِ الرَّابع قبْل الميلاد، فقامَت العالمةُ مريمُ الأسطرلابية بأخْذِ هذه البذور واستنبتتها في تُربةِ عقْلِها الخَصْبة فنَمتْ وتَرعرعَت لتُثْمِر أطيبَ الثّمار، ولم تكن غَير مُكترثة بما تراه من خيراتٍ حولها بل استثمرتها وسقتها بماء السّعي والصّبر حتى أثمْرت إذ لم يَكن الأسطرلاب بهذهِ الصُّورة التي وصَل إليها في زمنِ هذه المرأة العبقرية.

اعتراف معاصريها بفضلها

هذا الاختراع الذي خدمَ المسلمين كثيرًا في مجالاتٍ شتّى مما جَعل الدولةَ آنذاك تعترفُ بفضْلِها ونبوغِها حيثُ تمّ تقريبها من بلاط سيف الدولة الحمداني مؤسس إمارة حلب.. وعُرفت مريم باختراعها فصَار اسمُها مريم الأسطرلابية..

إنّها مريم الأسطرلابية ابنة العالم كوشيار الجيلي مِنْ إمَارةِ حَلب في سوريا عَاشَت العصر العباسي الثاني، تحديدا في زمنِ الدولة الحمدانية، وعاصرت أميرها سيف الدَّولةِ الحَمداني في القرنِ العَاشِرِ الميلادي، غير أنه مما يؤسف له أنها لم تنل حظا من الذكر في ساحة الأدب عرفانا بجميل صنيعها، إذ لم يُعثر على مدح أو تقريظ أو حتى إشارة تلميح إلى هذه العالمة بين ثنايا دواوين شعراء تلك الفترة كالشاعر الكبير أبي الطيب المتنبي، والشاعر المقاتل أسامة بن منقذ، ابن عم سيف الدولة الحمداني. إذا، فرجال الأدب لم يوفوا عالمتنا الجليلة حقها، وإن كان أرباب الدولة قد كرَّموها.

فقامَت العالمةُ مريمُ الأسطرلابية بأخْذِ هذه البذور واستنبتتها في تُربةِ عقْلِها الخَصْبة فنَمتْ وتَرعرعَت لتُثْمِر أطيبَ الثّمار، ولم تكن غَير مُكترثة بما تراه من خيراتٍ حولها بل استثمرتها وسقتها بماء السّعي والصّبر حتى أثمْرت إذ لم يَكن الأسطرلاب بهذهِ الصُّورة التي وصَل إليها في زمنِ هذه المرأة العبقرية.

الأسطرلاب، وشيء من خدمات المسلمين في مجال الفلك

هو آلةٌ مُعقدةٌ تُشكّل خارطةً مُستديرةً للسَّماءِ وبها تُرصد حَركةُ النُّجومِ السّماوية، وفيها مُؤشِّرٌ يُشيرُ إلى الجُزْء المنْظور مِن القُبّة السَّماوية . كما رُسمت خَريطةُ العالَم على سَطْحِ الأسطرلاب، وقامَت هذه المرأة النابغة بتطويره فخدَمَت المسلمِين به من عدة أوجه، كتحْديد جهة القبلة من خلال شكلِ الشّمس أو اتجاهها إلى الكرةِ الأرضية ، فالجُزء الظَّاهر يشيرُ إلى اتجاه الشَّمس. فكانت هذه خِدمةً جليلةً للدولةِ الإسْلامية التي تَوسَّعت رُقْعَتُها وفتوحها حتّى طَالت مَشارقَ الأرضِ ومَغاربها في كثير من بلادِ العالم الأمر الذي حَداهُم إلى تحديدِ القبلةِ نظرًا إلى دخولِ الكثيرينَ في الإسْلام ولإقامةِ الشَعائر وخاصّةً الصّلاة، فمن خلال الأسطرلاب يتم توقع وقت الشروق والمغيب. وكذلك يُحدد المناسباتِ المختلفة ومواقيتَ دخول الشّهور كما ويُساعد الأسطرلاب على تحديد السّنين والشّهور والأيام وما يَتعلقُ بذلك من مواعيد فَريضة الحَج وإخراج الزكاة، إذ إنّ هذه الشعائر تحتاج إلى معرفة مواقيت الأهلّة والمناسبات الدينية فكان الأسطرلاب مفيدا جدا في ذلك. كما برز دور هذه الآلة في خدمة الملاحة البحرية فمِن خلال مؤشر الأسطرلاب يتم تحديد اتجاهِ الشَّمس بالنسبة للكرة الأرضية وبالتّالي تحديدُ جهة الرياح التي تخْدمهم في الملاحة البحرية. والأسطرلاب الدّقيق يساعدُ على كَشْفِ مَوقِع الإنْسَان على الأرضِ ومسْحِ الأراضي ومَعْرفة ارتفاعِ الأبنيةِ. ولم يعجز المسلمون قديمًا عن تحديد محيط الكرة الأرضية، فقد قامت بعثةٌ انطلقَت من بَغداد تقريبًا حيث استخدموا آلة الأسطرلاب البدائية لاحتساب درجة عرض واحدة بين نقطتين على الأرض، وبعد احتساب المسافة ضُربت في 360 درجة. المبهر في الأمر أن أجدادنا حدّدوا محيط الأرض بنتيجة أقل بثمانمائة وأربعٍ وثلاثين كيلو متر فقط من محيط الأرض الفعلي.

وليست مريم وحدها

بعد انقضاء زمن على هذا الاختراع جاء الكثير من العلماء الذين أكملوا مسيرة النابغة مريم الأسطرلابية فبدأوا من حيث انتهت، ومنهم ابن نَجَبَة الأسطرلابي المتوفى عام 405 هجري وكذلك ابن النّديم حبيب بن محمد الأسطرلابي، فهذان العالمان أكملا مسيرة مريم وأضافا تحسينات على اختراعها (الأسطرلاب)، حيث دعاهم اختلاف منظر السماء عند النظر إليها من مواقع متعددة إلى تصميم تسع لوحات للأسطرلاب قابلة للتبديل فكان لكل دائرة عرض لوحتها الخاصة بها إلى أن ظهر في القرن 12م في مدينة طليطلة بالأندلس إبراهيم بن يحيى الزرقالي وضمَّ اللوحات التسع في لوحة واحدة قابلة للعمل من أي دائرة عرض على سطح الكوكب.

أحفاد الأسطرلاب في عالم اليوم

لقد بُنيت على اختراع الأسطرلاب آلية عمل البوصلة والأقمار الصناعية، بل إن تطبيقات برامج GPS والبرامج المشابهة تقوم على نفس أساس عمل الأسطرلاب، وإن اختلفت الأدوات، إلا أن الفكرة واحدة. وكان الأسطرلاب حاله كحال أجهزة اليوم فبعضه صُمّم بأحجام صغيرة وسهلة الحمل وبعضها ضخم يصل قطره إلى عدة أمتار، وقد كان الأسطرلاب يُستخدم كساعات جيب لدى علماء الفلك في القرون الوسطى. وكان هذا الاختراع رمزًا للذكاء والعلم مثل الحاسب الآلي في زمننا هذا حيث تنوّع شكله بتنوّع استخداماته.

أوروبا تقتني الأسطرلاب أخيرا

لقد تمّ إدخال الأسطرلاب إلى أوروبا اللاتينية عبر إسبانيا في القرن الثاني عشر فكان أداة ملاحية هامة جدًّا حين أبحرت السفن الأوربية في المحيطات لغزو العالم، فيما سُمِّي بـ «حركة الكشوف الجغرافية»

لقد بدأت مريم الأسطرلابية عملها الجليل بتطوير وتعديل الأسطرلاب وخدمت به الحضارة الإنسانية في عصرها وكانت بمثابة المنارة في مجالها لمن أتى بعدها واستقى من نور خدماتها وأكمل المسير.

من المؤسف أنّ سيرة هذه المرأة النابغة مجهولة ولم يصلنا عنها إلا القليل، فرجـــــالات الأدب (إعلاميو ذلك العصر) لم يكونوا مشغولين بترويج العـــــــــلوم النافعة بقدر ما شغلــهم مدح الملـــوك والأمراء اســــتدرارا لعطاياهـــم.ولكن بما أن الله تعالى قدَر في قديم سننه أن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، فقد كُتب لاسم تلك العالمة واختراعها البقاء، وظل صدى اسمها يتردد في آفاق الزمان. أفلا تستحق هذه المرأة أن تكون قدوة للنساء، بل وللرجال كذلك، في عالمنا اليوم الذي فقد النماذج الصالحة للاقتداء، ولم تبعدها واجباتها كامرأة عن تقديم خدمات جليلة لمجتمعها ولأمتها الإسلامية بل للحضارة الإنسانية ككل.