مَجَالِسُ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَتَأْثِيرُ الفَرَاشَةِ

التحرير

  • مجلس تجمع متشاكسين لإيقاع أفدح الخسائر بالآخر هو مجلس ميسر ومقامرة.
  • حتى باسم العلم والدين نشبت الفتن أحيانا.
  • ما ينفع الناس هو ما يُكتب له عند الله تعالى.

قديما قيل أن الوحدة خير من جليس السوء، وقد ثبت بالتجربة العملية والملاحظة الواقعية صدق هذا القول، بل وأكثر من هذا، انطباقه التام على حالة المجتمع والعالم أجمع كما انطباقه على حالة الإنسان الفرد بداهة. وطالما نشبت حروب طاحنة أبادت شعوبا والتهمت ثروات بسبب تفريط الناس في مبدأ التعاون على البر والتقوى، وتخليهم عن فضيلة التواصي بالحق والتواصي بالصبر والمرحمة. إن الله العليم الحكيم قضى في خليقته أن مجالس العامة ودهماء الناس إذا فقدت صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواساة الخلق، وظهرت آثار هذا الداء على مستوى ملأ الناس الأعلى، المتمثل في قادتهم وزعمائهم ووجهائهم، هذا لأن الرعية على دين ملوكهم، وكما يكون حال كل قوم يولّىَ عليهم. وهذا قانون أخلاقي راسٍ في الكون الروحاني، وله نظيره في العالم المادي الملموس، وهو ما بات يُعرف منذ الستينيات من القرن الماضي بتأثير الفراشة، وهو مصطلح فيزيائي مفاده أن رفرفة جناح فراشة في الصين قد يتسبب عنه على المدى البعيد فيضانات وأعاصير ورياح هادرة في أبعد الأماكن في أمريكا أو أوروبا أو أفريقيا. هذا مجرد وصف تمثيلي لتقريب الفكرة، على أية حال، ما ينبغي علينا فهمه أن سلوكيات الأفراد، كل على حدة، تحدد اتجاهات الوضع الأخلاقي في المجتمع ككل، ولا نجد الملأ في أي مجتمع إلا ويكون متأثرا بما يدور في مجالس عامته ودهمائه على المستوى الأدنى، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر.
ولخطورة موضوع المجالس وآثارها وآفاتها، انتقينا لك أيها القارئ العزيز من خطب الجمعة لحضرة أمير المؤمنين خطبة وثيقة الصلة بهذا الصدد، وفيها نرى حضرته -أيده الله- يحذرنا من شيطان العداوة والبغضاء القابع في مجالسنا مترصدا ومتحينا الفرصة للتسلل إلى أعماق قلوبنا. إن أغلب الحروب إنما ولدت في حضن مجالس السوء بين عدد قليل لا يكاد يُذكر من الأفراد، وربما كانوا كلهم من أراذل الناس ممن لا يقام لهم وزن، وما منشأ الحرب العالمية الأولى عنا ببعيد، حين أضرمت حفنة من الأفراد، لا تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، نار العداوة والبغضاء في أوروبا كلها، فأفنت بحمقٍ الملايين من سكانها، بل وآخرين من شتى المستعمرات الأوروبية في آسيا وأفريقيا، ولعل العالم ما زال يتجرع مرارة آثار الحرب العالمية الأولى إلى وقتنا هذا. وتتنوع مجالس السوء بتنوع أسباب اجتماع جلسائها، فمنها مجالس تجمع أخلاء يحيكون لغيرهم المكائد، بحيث لا نجد تعبيرا لوصفها أبلغ من مجالس الخمر، ومنها مجالس تجمع متشاكسين يتحين كل منهم الفرصة لإيقاع أفدح الخسائر بالآخر، إنها بلا شك مجالس ميسر ومقامرة بالمصائر. ولا نجد حرجا من القول بأن مجالس ومؤتمرات دول العالم تندرج تحت النوع الثاني، إذ تتحين الدول الكبرى الفرصة لإيقاع الضرر بدول أخرى قد تكون أضعف منها قدرة، في كادر واحد لقد باتت الجمعية العامة للأمم المتحدة في كثير من جلساتها، لا سيما التي تتناول قضايا سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، باتت تطبيقا واضحا لمجالس الميسر المشؤومة تلك. ولأن ما ينفع الناس هو ما يُكتب له عند الله تعالى المُكث في الأرض، فمن المتوقع لجمعية الأمم المتحدة، إذا ما أصرت الدول الكبرى على موقفها من الدول المستضعفة، أن تلحق بسلفها منظمة «عصبة الأمم».
وحتى مجالس العلم، طالما عرف الشيطان طريقه إليها، وباسم العلم والدين نشبت الفتن أحيانا، فقديما نشأت الفتنة الكبرى في مجلس سوء، وحديثا ما تزال الفتنة تنمو في مجالس ما يُسمى بمؤتمر ختم النبوة، فباسم ختم النبوة يُكفَّر مسلمون، وتُنتهك دماؤهم وأموالهم، فلطالما عقدت مثل تلك المجالس التي هي مجالس علم ودين في الظاهر، بينما الهدف الحقيقي من عقدها مصلحة دنيوية سياسية أو غيرها، فما أكثر تلك المجالس في هذه الأيام! والنبي الخاتم منها براء.
قد لا نستغرب الآن من التحذير الإلهي من مثل تلك المجالس في قوله تعالى:

إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون (المائدة: 92)..

وفقنا الله تعالى للعمل بمقتضى تعليمه، وجعلنا من رواد مجالس ذكره ، وجنبنا مجالس السوء بحفظه ورحمته.. اللهم آمين.