سيرة المهدي - الجزء 2 الحلقة 37

سيرة المهدي – الجزء 2 الحلقة 37

حضرة مرزا بشير أحمد

  • فتاوى المسيح الموعود عليه السلام بخصوص الربا.
  • فتاوى المسيح الموعود عليه السلام بخصوص النظر إلى النساء.

__

من فتاوى حضرته في الربا والنظر إلى النساء

442- بسم الله الرحمن الرحيم. أقول: لقد أعطاني ميان غلام نبي سيتهي -الذي كان يتجر في راولبندي وانتقل إلى قاديان في هذه الأيام- رسالةَ المسيح الموعود التي كتبها حضرته بيده وأرسلها إليه في أبريل عام 1898. لقد ورد في هذه الرسالة قرار أساسي لحضرته بخصوص الربا لذلك أنقلها فيما يلي:

«بسم الله الرحمن الرحيم

نحمده ونصلي على رسوله الكريم

محبي وعزيزي شيخ غلام نبي سلمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

استلمت رسالتك في بريد الأمس. آمل أن الله تعالى -لنيتك الطيبة وخشيتك له- سيجعل لك مخرجًا، وإلى ذلك الحين ينبغي الالتزام بالصبر والدوام على الاستغفار. أرى أن هناك مصرفًا أحسن للربا وهو ألا تُنفِق في تجارتك ما يأتيك من الفوائد الربوية بل ادّخره منفصلا، وإن اضطررت إلى أداء الفوائد الربوية المترتبة عليك فلتؤدّها من هذه الفوائد الربوية الواردة إليك. وإن رأيت أنه بقي عندك فائض من هذه الأموال الربوية فلا ضير في أن تنفقها على مهمة دينية على ألا تكون لأحد ما مصلحة شخصية فيها، بل تهدف إلى نشر الدين. ولقد أفتيتُ لجماعتي من قبل أيضا بالفتوى نفسها، أي أن الربا المحرّم من الله هو ما ينفقه الإنسان على نفسه، فمن المحرّم على الإنسان أن يدير بأموال الربا معيشتَه وينفقها على عياله أو في مأكله وملبسه ومبانيه أو يعطيه إلى غيره بنية أن يأكل أو يلبس منه. ولكن لا يحرم إنفاق أموال الربا بطريقة تُرَدُّ فيها إلى الله تعالى دون أن ينتفع بها أحد، أي تُنفق في نشر الدين.

ثبت من القرآن الكريم أن الله تعالى مالك كل شيء. وكل ما يصل إلى الله يصبح طاهرًا، اللهم إلا إذا كانت فيها أموالٌ أُخِذتْ من الناس دون رضاهم، كالسرقة وقطع الطريق والنهب، فإن هذه الأموال لا تليق بأن تُنفَق في سبيل الله ولا في سبيل الدين. ولكن ما أُخذ برضى الناس من أموالٍ أمكن إنفاقها في سبيل نشر دين الله تعالى. ينبغي أن نعرف مدى حاجتنا الآن إلى مال لمواجهة المعارضين الذين ينشرون للردّ على ديننا. فكأن هناك حربًا نخوضها ضدهم. فلا ضير إنْ أُنفقت مثل هذه الأموال للمساعدة في مثل هذه الحرب. هذه هي فتواي في الوضع المذكور.

أما فيما يتعلق بتجنّب النساء الأجنبيات، فيكفي الالتزام بغض الطرف وعدم إلقاء النظرة عليهن بالأعين المفتوحة، إضافة إلى ذلك ينبغي المدوامة على الدعاء إلى الله.

وشكرًا لله أنك تساعد على الدوام بأموالك من أجل تأييد هذه السلسلة الدينية، وفي هذا الوقت.. وقت الضرورة أرى أن هذا العمل أقرب طريق لإرضاء الله تعالى، فينبغي أن تشكر الله تعالى على أنه وفقك لهذا، وأرى أنك نشيط وسباق دائمًا في هذا السبيل. إن الله تعالى يرى هذه الأعمال وسيجزيك عليها. إضافة إلى ذلك ينبغي أن ينشغل الإنسان بالدعاء والاستغفار أيضا.

الجميع هنا بخير وسلامة بحمد لله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

العبد المتواضع

مرزا غلام أحمد من قاديان

24 أبريل 1898

لا أقصد من بذل أموال الربا في نشر الدين أن يتعمد الإنسان الدخول في المعاملات التجارية الربوية، بل أقصد أنه إذا اضطر أحد إلى حيازة الأموال الربوية -كما تعرضت له- أو إن اتُّفِق أنْ ورث أحد أموالا ربوية، فيمكن أن تُنفق بالطريق الذي بينته، وسيستحق صاحبها الثواب أيضا. غ»  (هنا تنتهي الرسالة – التقوى)

أقول: بالنظر في رسالة المسيح الموعود هذه التي أعرفها جيدًا أنها منه، نستنتج الأمور الآتية:

يمكن للمرء إنفاق الفوائد الربوية الواردة في دفع الفوائد الربوية المستحقة عليه. بل إذا اضطر الإنسان إلى دفع الفوائد الربوية المترتبة عليه فأحسنُ مصرف للأموال الربوية أن تنفق في دفع تلك الفوائد المترتبة. ويمكن اللجوء إلى هذا التدبير للتجار المسلمين الذين لا يستطيعون تجنب الربا بسبب الظروف السائدة في محيطنا.

ينبغي جمع الفوائد الربوية على حدة حتى لا تختلط بالأموال الأخرى، وأن يكون مصرفها أيضا منفصلا ومعروفًا.

ينبغي ألا ينفق شيء من أموال الربا على المصاريف الشخصية، وألا تعطى لأحد لينفقها على مصاريفه الشخصية.

يمكن إنفاق الفوائد الربوية في مهمة دينية لم ينشئها أحد بصفة خاصة مثلا في طباعة الكتب ونشرها، وفي مصارف البريد وغير ذلك.

يمكن أن تستخدم في سبيل الله تلك الأموال التي يُحظر على الناس استخدامها شريطة ألا تكون قد أُخِذت خلافًا لرضى الآخرين، أي، ألا يكون الحصول عليها مشوبا  بأية شائبة من الجبر والخداع كما تكون في السرقة والنهب والخيانة وغيرها.

إن حالة الإسلام والمسلمين المزرية تؤيّد هذه الفتوى. ولكن ينبغي ألا يستغلها أحد فيتعمد الدخول في التعامل الربوي، بل الفتوى المذكورة تنطبق على حال واحدة فحسب وهي حال الاضطرار إلى حيازة الأموال الربوية بسبب الأوضاع السائدة، أو إذا اتُّفِق أن ورث أحد أموالا ربوية.

إن الربا الذي اتخذ طريقه في التجارة وغيرها في العصر الراهن، والذي لا يمكن القيام بأي عمل تجاري كبير دون الدخول فيه، سيعد اضطرارًا بسبب الظروف السائدة، وسيكون التعامل معه جائزًا وفق الشروط المذكورة، وذلك لأن حضرته قد عدّ اضطرارَ السيد سيتهي السيد -الذي كان تاجرًا وكان يواجه مثل هذه الظروف- من نوع الاضطرار الذي تنطبق عليه هذه الفتوى.

فكأن مراد حضرته ألا يتجر أحد بهدف التعامل مع الأموال الربوية ولكن إذا اضطر بسبب الظروف السائدة حوله إلى التعامل الربوي فلا ضير في العمل بهذه الفتوى التي أُصدرت نظرًا إلى هذه الأوضاع خاصة. وكان حضرته يرى ألا يترك المسلمون التجارة خوفًا من دخولهم في الربا، وألا تقتصر تجاراتهم على المحلات الصغيرة التي لا يتعرض فيها الإنسان للربا عمومًا، وألا يدمّروا هكذا اقتصادهم بإزاء الأقوام المعارضة لهم.

يمكن في هذا العصر فتح بنوك لصالح المسلمين بناء على هذه الفتوى، وإن دعت الحاجة، نظرًا إلى الظروف السائدة، إلى أن يكون التعامل فيها بالربا فلا حرج في أن يكون ذلك وفق الشروط المذكوره أعلاه.

من يتحصل الأموال الربوية وفق هذه الفتوى ثم ينفقها في سبيل الدين فإنه يستحق ثوابًا من الله على هذا الإنفاق.

لقد ورد أمر أساسي آخر في هذه الرسالة بخصوص التعامل مع النساء غير المحجبات في العصر الراهن وهو أنه قد كثرت النساء السافرات المتجولات هنا وهناك في الخارج ويستحيل تقريبًا إنقاذ النظر من الوقوع عليهن، ويضطر الإنسان أحيانًا إلى لقاء هؤلاء النساء السافرات، فلم يقل حضرته بعدم البروز أمامهن بل أمر بأخذِ الحيطة عند مواجهة مثل هؤلاء النساء من غير المحارم بألا ينظر إليهن بفتح عينيه على اتساعهما بل يجب أن يُبقي عينيه شبه مغلقتين، وهو أيضا نوع من الاضطرار بسبب الظروف السائدة، ولكن على الإنسان أن يدعو الله تعالى دائمًا أن ينقذه من كل نوع من الفتنة.

أقول: كنت أرى في الصغر أن المسيح الموعود كلما أراد التحدث إلى أية امرأة من غير محارمه في البيت، وإن كانت تحتجب من حضرته، جعل عينيه شبه مغلقتين تقريبًا، وأتذكر أنني كنت أتعجب في نفسي وأتساءل: لماذا حضرته يغلق عينيه هكذا، وأدركت عندما كبرت الحكمة الكامنة وراء هذا الأمر.

ويظهر من هذه الرسالة أمر آخر أيضا وهو أن الإسلام والمسلمين في حال يرثى لها في الوقت الراهن، وأفضل الأعمال في هذا الوضع هو خدمة الإسلام ونصرته، وليست هناك وسيلة أسرع وأنجع للوصول إلى الله من هذه الخدمة والنصرة.

وهناك أمر عجيب آخر ذُكر في هذه الرسالة وهو أن حضرته قد كتب في نهاية هذه الرسالة حرف «غ» بدلا من التوقيع الكامل باسمه على الطريقة الإنكليزية التي يُكتَفى فيها بكتابة الحرف الأول من الاسم.

Share via
تابعونا على الفايس بوك