دَلاَلاَتٌ إلْـهَامِيَةٌ فِي الأسْمَاءِ الْنَبَوِّيَةِ اسْمُ يُونِس عَلَيْهِ السَّلاَمُ

س. م. دويدار

  • لكل نبي خلا فصة جديرة بالحكاية
  • سمي بيونس لأنه إنساء العذاب عن قومه
  • معنى الإنساء هو الإبعاد والتأخير

بَيْنَ يَدَيْ الـمَوضُوعِ.. أسْـمَاُء النَبِيِّينَ اخْتِيَارٌ رَبََّانِيٌّ
لا شك أن لكل نبي خلا قصة جديرة بالحكاية والنقل إلى الأجيال اللاحقة، استلهاما للعبرة منها والتماسا لحكمة الله تعالى البالغة. وكما أن الله تعالى جعل أسماء السور في التنزيل الحكيم حاملة لمضامين أساسية في السورة، كذلك جعل عز وجل أسماء النبيين متضمنة لسوانحهم الشخصية وما يلقونه من حوادث متعلقة ببعثتهم في أقوامهم. ولم لا؟! فكما أن القرآن المجيد كلام الله المسطور، فالكون والوجود من حولنا كلام الله المنظور، فكما أن إبْراهيمَ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا؟! كذلك كل النبيين عليهم سلام الله تعالى؟! فلا شك أنه سبحانه وتعالى هو من يختار لهم أسماءهم من باب تدبيره لجميع أمرهم.

حضرة يونس عليه السلام وإنساء قومه
من الأمور المعروفة لدى كثيرين إطلاق أسماء حوادث أو أشياء أو أقوام أو أشخاص على كثير من سور القرآن المجيد، مما يؤكد انطواء ذلك الاسم على حكمة تستحق الجهد المبذول في سبر كنهها. ومن تلك السور القرآنية المميزة باسم نبي من النبيين، سورة «يونس». فما الحدث الأساسي في سورة يونس والجدير بأن يُشار إليه في شخص ذلك النبي الكريم الذي سميت السورة باسمه؟!
إنه إنساء العذاب عن قوم ذلك النبي، والإنساء في العربية هو التأخير، والإبعاد، قال مصنفو المعاجم: «النَّسْءُ: تأخيرٌ في الوقتِ» (1)، وقيل: «نسأ الأمر: أخره، ونسّأته فانتسأ أي تأخّر. ونسأ الإبل عن الحوض: أبعدها… ونسأ الله في أجلك، وأنسأ الله أجلك. وأنسأته الدّين وفي الدين: أخّرته، وأنسأته البيع، أخّرت ثمنه..»(2). وقيل: « يُقَالُ : امْرَأَةٌ نَسْءٌ ، وَنَسُوءٌ ، وَنِسْوَةٌ نِسَاءٌ ، إِذَا تَأَخَّرَ حَيْضُهَا وَرُجِيَ حَبَلُهَا، فَهُوَ مِنَ التَّأْخِيرِ» (3)
من هنا كان اسم «يونس» عليه السلام وما فيه من تشابه مع المادة اللغوية «ن س أ» أو «ن س و» حاملا مدلول تأخير وإمهال وتأجيل العذاب عن قومه، لا سيما بعد إبدائهم الأسف وإيمانهم في نهاية المطاف.
ومن المادة اللغوية «ن س أ» اشتقت ألفاظ كـ «المِنْسَأَة»، وهي عصا غليظة تكون عادة مع الرعاة يضربون بها ويزجرون ويبعدون بها الإبل والدواب ويسوقونها تقديما أو تأخيرا، فالعصى حين تكون معدة إعدادا خاصا للزجر والحث أو الضرب يقال لها (مِنْسَأَة)، وجاء في ذكر مِنْسَأَة حضرة سليمان عليه السلام قول الله تعالى:

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (4)،

وقد بات من الثوابت التاريخية أن حضرة سليمان قد أحكم زمام مملكته، حتى أنه زجر شياطينها وجنها من الرعايا الذين سعوا مرارا لبث القلاقل فيها، ولم يتحقق مرادهم إلا بعد وفاته عليه السلام. فالتعبير بلفظ «مِنسأة» عن عصا سليمان أفاد فيما أفاد معنى الولد، فكل ولد هو امتداد لذكر أبيه، كما لو أن الأب يتأخر أجله ما ترك ذرية تُبقي على ذكره، وفي الحديث عن خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم أنه قال:

«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»(5)..،

كما تفيد الـ «مِنسأة» أيضا معنى الزجر والإبعاد، وذلك بخلاف مجرد «العصا» التي لا تُستخدم إلا للهش والإشارة والضرب برفق، فيقال لها «عصا»..

قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (6).

1. المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، مادة ن س أ
2. أساس البلاغة للزمخشري – مادة ن س أ
3. النهاية في غريب الحديث والأثر، باب النون مع السين
4 . سبأ: 15
5. صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب
6. طه: 19