صام المقرَّبون الأولون صوما

س. م. دويدار

  • ورد ذكر صيام الأنبياء السابقين في القرآن الكريم.
  • جذر الصوم هو “ص م م”.
  • الصوم هو صم منافذ الشهوات أي سدها.

عرفت الأمم السابقة الصوم، تنسُّكا وتقربا إلى الله تعالى، يقول :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (1).

وقد ذكر نماذج من صوم المقربين ممن سبقونا في الأمم الخالية، فذكر صوم حضرة زكريا وحضرة مريم (عليهما السلام)، فوردت الإشارة تلميحا إلى صوم حضرة زكريا في قوله تعالى:

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (2)، اما صوم حضرة مريم فقد صرَّحت به الآية الكريمة: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (3).

ولا شك أن الصوم المذكور في سياق قصتي حضرة زكريا وحضرة مريم البتول (عليهما السلام) لم يكن من قبيل الشعيرة الدينية التي هي فريضة عامة، وإنما كان نسُكا خاصا، خصَّ الله تعالى به هذين الصِّدِّيقَين، وتلخص هذا النُسُك في الانقطاع عن شواغل الحياة، وسد الطرُق الموصلة إلى كل ما خلا الله . لم يكن صوم زكريا ومريم إذًا انقطاعا عن أكل وشرب البتة، بدليل أن الآية التي أمرت في آخرها حضرة مريم البتول بالصوم، هي نفسها التي أمرت في أولها بالأكل والشرب كما تشاء:

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (4).

الأمر إذًا يشتمل على مفارقة ما، فينما أمرت حضرة مريم بالصوم سمح لها بالأكل والشرب، الشيء الذي يتنافى مع معنى الصيام، الذي يُفهَمُ على أنه امتناع عن عدة أمور وممارسات، من ضمنها الأكل والشرب بداهة.

الصوم والصيام والصَّمُّ
من المعروف لغويا أن التغير والزيادة في مبنى اللفظ يصحبه تغير وزيادة في معناه، والصوم لفظ مأخوذ من الجذر اللغوي «ص و م» ويكاد مصنفو المعاجم كلهم يجمعون على مضمون واحد لمعنى الصوم، ألا وهو الامتناع والإمساك عن أي شيء عموما، وعن الأكل والشرب والجماع خصوصا، غير أن هذا المعنى الذي يكاد يكون مُجْمَعًا عليه لا يُدْرَك بوضوح إلا إذا تناولنا قبله بالنظر مادة لغوية أخرى، وتتمثل في الجذر اللغوي «ص م م».

دلالة الجذر «ص م م»
يُلاحظ ذيوع الجذر «ص م م» في العديد من المفردات العربية، ومنها: الصمم، والصمُّ، والتصميم، والصِمَام، وغيرها الكثير..
وجميع المفردات العربية المشتقة من الجذر «ص م م» تشترك في معنى السدِّ أو الانسداد أو القطع. فالــصَّمَم: انْسِدَادُ الأُذُنِ وثِقَلُ السَّمْع(5). والتَّصْميمُ: المُضِيُّ في الأَمر(6)، أي قطعه، والصمصام: السيف الصارِمٌ، أي القاطع لا يَنْثَني(7). وصِمامُ القارُورَةِ وصِمامَتُها وصِمَّتُها، بكَسْرِهِنَّ: سِدادُها…. وحَجَرٌ أصَمُّ، وصَخْرَةٌ صَمَّاءُ: صُلْبٌ مُصْمَتٌ(8)، أي لا فروج فيها. وصِمَام القَلْب: جهاز في القلب لتنظيم حركة الدَّم(9)، والمقصود جريانه في اتجاه واحد.
إذًا، فالصم يعني سد الفروج، وبتعبير آخر سد منافذ الشهوات جميعها، وقطع الصلة بين شيئين، وهذا هو الأصل في الصوم، أي أنه سد لفروج المرء التي هي مداخل الشهوات ومنافذها، وهو أيضا قطع صلة النفس وإمداداتها المتمثلة في غذائها المادي، والذي قوامه الأهواء والنجاسات المادية.
وفي لفظة «الصوم» دَلَّ اجتماعُ صوتَيْ الصاد والميم على سد منافذ الشهوات، وهو جوهر الصوم كما نعرف، كما أن لصوت الواو دلالة على الضم الممتد، الذي يوحي بانطواء الكتلة أو الشيء أو الشفاه على نفسها بشكل مستمر، وهذا الانطواء يضفي طابع السرية على الفعل، بمعنى أن الصوم عبادة لا يطلع عليها إلا الله ، فعن النَّبِيِّ قَالَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»(01).
أما الصيام، فيتضح من بناء هذه اللفظة نوع من الممارسة الجماعية، بما تشير إليه ألف المفاعلة في «صيام»، ولمزيد من التفصيل في هذه النقطة، نتناول أمثلة لألفاظ ذات مبان مشابهة، مثل:
قَاتَلَ – قِتال – اشترك مع آخرين في فعل القتل
حاصر- حِصار – اشترك مع آخرين في فعل الحصر
خَاطَبَ – خِطاب – اشترك مع آخرين في فعل الكلام (المخاطبة)
خَاصَمَ – خِصام – اشترك مع آخرين في المخاصمة
صاوم – صيام – اشترك مع آخرين في فعل الصوم
فَاعَلَ – فِعال – تدل ألف المفاعلة على اشتراك أكثر من طرف في أداء الفعل معا.
من خلال البيان السابق تبدو دلالة البنية اللفظية لـ «الصيام» مفيدة لمعنى الممارسة الجماعية للأمة كافة، وحين يوجه المولى الحكيم سبحانه التوجيه إلى الأمة كافة يذكر «الصيام» ولا يذكر «الصوم»، وهذا يلاحظ في السياق القرآني، كما في:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (11)
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ …….. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ (21)
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ….. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ (31)
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (41)
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ (51)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ (61)
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (71)
فيما مضى إيراده من آيات كريمة، لا يخفى ما تتضمنه من دلالة الخطاب الموجه إلى الأمة جمعاء، الأمر الذي يعطي لـ «الصيام» مدلولا جماعيا.

الخلاصة
الصوم: هو صَمُّ منافذ الشهوات، أي سدها، وإلى جانب ذلك، فهو ممارسة سرية يقوم بها العبد، ولا يطلع عليها سوى الله ، الأمر الذي يفسر كون الله تعالى يَجْزِي به، وفي رواية «يُجْزَى به»، أي يكون هو نفسه سبحانه جائزة الصائم المخلص المحتسب.
أما الصيام فهو التفعيل الجماعي للصوم، بحيث تؤديه الأمة كلها، فتنزل البركات عليها بشكل جماعي ملحوظ، ولا يخفى ما للممارسات التعبدية الجماعية في مكان واحد وزمان واحد من أثر إيجابي بالغ، فصلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد، والحج فريضة جماعية في مكان واحد، وهذا أثره يدركه الجميع، فكذلك الصيام، فريضة جماعية في زمان واحد، فلكم أن تتصوروا ما له من بركات.
وكل عام وأنتم بخير.