المَسِيحُ يُحْيِي المَوتَى لا الأَمْوات

سامح مصطفى

كاتب وشاعر
  • ما حقيقة إحياء السيد المسيح (عليه السلام) للموتى؟!
  • إذا كان إحياء الأجساد ماديا صفة تنزيهية لله تعالى حصرا، فكيف يتصف بها السيد المسيح كذلك؟!
  • لماذا نجد في القرآن لفظتي “موتى” و”أموات”؟! أيعقل أن تكون للفظتين نفس الدلالة؟!

آفات عقائدية
المؤمنون في أية عقيدة تصيبهم بمرور الوقت آفة عقائدية تتمثل في سوء فهمهم القائل بأن الآيات مجرد معجزات بنات وقتها، تحدث لبيان صدق نبي، وسرعان ما ينقضي خبرها وينصرف المتفرجون، ثم لا يبقى من تلك المعجزة سوى أسطر تتناقلها الأسفار حتى تتحول هي نفسها إلى أساطير، فتمسي دواعي شرك بعد أن كانت دلائل تنزيه وتوحيد لله رب العالمين. بينما الآيات في حقيقتها علامات صدق، والعلامة إنما اكتسبت صفتها من بقائها واستمرار وجودها حينا من الزمان، بحيث تكون حجة سواء على الحاضر المشاهِد، أو الغائب المبلَّغ. من هذا المنطلق ينادي بعض المتدينين من أصحاب التوجه العقلاني بضرورة إعادة النظر في فهم الآيات عن بكرة أبيها.

الموتى أَمْ الأموات؟!
في هذا الوقت من كل عام يحتفا العالم ببداية عام ميلادي جديد، يترافق معه احتفال بميلاد السيد المسيح الناصري . وفي معرض الجدل الدائر حول معجزته المتمثلة في إحياء من واراهم التراب، نسأل أولئك الآخذين لتلك الأمور على حرفيتها: أكنتم شهود عيان على ما حدث؟! لو أجبتم بنعم، لكان الأمر حجة عليكم وحدكم، ولو أجبت بلا، فبأي حق تطالبوننا بالإيمان بما ليس في أيديكم عليه برهان؟! مع العلم أننا نؤمن إيمانا يقينيا بأن المسيح الناصري أحيا الموتى بالفعل، ما نختلف فيه عن غيرنا هو ماهية هؤلاء الموتى الذين نالوا الحياة على يده ، إن شأنهم شأن كل الموتى الذين نالوا الحياة على أيدي من سبق ومن لحق من النبيين، وبيان ذلك أن الموتى غير الأموات، وبين اللفظتين بون شاسع من الاختلاف في المعنى المقصود، مما يعطي مدلولا مختلفا بحسب السياق الذي ترد فيه إحدى اللفظتين، وهنا مربط الفرس. وخلاصة الفكرة أن لفظة «أموات» تشير إلى معنى انتفاء المظاهر الحيوية المعروفة (عن الإنسان خصوصا) من تنفس ونمو وحركة، وما يستتبع هذا من مفارقة العالم الحسي، ولهذا وردت لفظة «أموات» في التنزيل الحكيم في ستة مواضع ضمن خمس سور قرآنية، جميعها في حق الإنسان على وجه التحديد، منها قوله :

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .

أما بقية الآيات المتضمنة للفظة «أموات»، فنجملها في الحاشية الأولى من هذا المقال (1). بيما نجد الأمر مختلفا إذا ما تناولنا لفظة «موتى»، والتي يُعبَّر بها عن انتفاء صور الحياة الروحية والملكات والقوى التي تجعل الكائن البشري متميزا عن سائر الأحياء الأخرى بحياة روحية وطبيعة عقلية جعلته مؤهلا للتعامل مع الوحي الإلهي الذي بتلقيه يتدرج الإنسان في مدارج الحياة الأعلى. ونجد لفظة «موتى» قد وردت في التنزيل الحكيم 17 مرة في سياقات متنوعة، فتارة تشير إلى أناس فقدوا روحانيتهم، وآخرين تعطلت ملكاتهم العقلية، أو ضاعت أمجادهم الدنيوية، وتارة تشير اللفظة ذاتها إلى انتفاء مظاهر الحياة المحسوسة عن الدواب والأنعام والنبات، وهي:

1. فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى (2).
2. وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى (3).
3. وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّه (4).
4. وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي (5).
5. إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (6).

بقية الآيات التي تتضمن لفظة «الموتى» جُمِعَت معا في الحاشية السابعة تجنبا لإطالة المقال التي قد تبدو مملة للبعض (7).

بإعادة قراءة الآيات القرآنية المذكورة آنفا، نلحظ ما من شأنه إلقاء المزيد من الضوء على الفارق الدقيق بين «موتى» و»أموات»، ذلك أنّ لفظة «أموات» وردت مصاحبة للفظة «أحياء» في علاقة تضاد، وذلك في خمس آيات من أصل ست، بينما لم يرد مثل هذا التضاد مع لفظة «موتى» ولا مرة واحدة، في حين وردت أغلب سياقات لفظة «موتى» مصاحبة لصيغة المضارع (يحيي) الدالة على الاستمرارية حالا واستقبالا، بمعنى أن إحياء الضالين وتنوير العقول والقلوب وهداية الأمم سنة إلهية جارية ومستمرة في الخليقة ويمكن لذوي البصائر معاينتها دوما، ولم ترد هذه الاستمرارية مع «الأموات» في إشارة ضمنية إلى أن الأموات لا يعودون مطلقا إلى هذا العالم، وهذا بناء على سنة الله الحكيم المتقررة أيضا.

ماذا عن الروايات الحديثية؟
لم تقف الأحاديث النبوية بمنأى من التمييز بين لفظتي «أموات» و»موتى»، وباستعراض السياقات التي أوردت لفظة «أموات» يلفت نظرنا الكثير من الأحاديث التي وردت فيها لفظة «أموات» دون لفظة «موتى» اخترنا منها:

١«إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى أَقَارِبِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ مِنَ الْأَمْوَاتِ فَإِنْ كَانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا بِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُمْ حَتَّى تَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَيْتَنَا»(8).
١ «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَتُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ» (9).

لا شك أن لفظة «أموات» في جميع الروايات الخمس المذكورة من بين 28 رواية (بعد حذف المكرر وأحاديث التفسير) جاءت في سياق الانتقال إلى العالم الآخر ومواراة اللحد للجسد المادي.

النتيجة: كل النبيين أحيوا موتاهم
نعود إلى الحديث عن المسيح الناصري، فندهش أن القرآن لم يذكر في أي من المواضع المتعلقة به أنه أحيا أيًّا من الأموات، وإنما كانت آيته متمثلة في إحياء «الموتى» لا الأموات، لذا كان على أصحاب الفهم التقليدي الأسطوري التوقف لبرهة وإعادة النظر في هذه القضية.
وبعث الحياة في الموتى آية من آيات الله تعالى يجريها على أيدي رسله جميعا لتكون دليلا قائما وعلامة باقية على قدرته ، لا أن يراها جمع من الناس في جيل سبق وتُحْرَم منها الأجيال اللاحقة، في حين أن الجميع مطالب بالإيمان.
إجالة النظر في التاريخ وتأمل حالة اليهود الاقتصادية والسياسية والفكرية والروحانية قبيل بعث المسيح الناصري بين ظهرانيهم تدعونا إلى التسليم بأن هذا الشعب كان قد وصل إلى حالة التدني الحضاري بكل ما لكلمة التدني من معنى، حتى إننا لا نعدو الصدق لو قلنا أنهم كانوا في حالة موت محقق. فكان أن بَعَثَ فيهم الحي القيوم من يضطلع بمهمة إحيائهم من جديد، كما يفعل كل نبي مع قومه، وهذا أكثر ما يشغل بال النبي في زمنه، تماما كما كان حال حضرة إبراهيم إذ ورد حكاية عنه في التنزيل:

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى (10)

وكذلك في تساؤل النبي حزقيال :

قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا (11).

لقد باتت تعاليم التوراة في حكم الميت بعد أن صارت محض تقليد على مدى القرون وابتعد أتباعها عن روحها ومقاصدها، حتى أنهم اتهموا مسيحهم بالهرطقة والتجديف إذ رأوه يخدم العامة في السبت. لقد نسوا أو تناسوا أن حرمة السبت في أن تؤدى فيه أعمال تعود بنفع شخصي على فاعلها، أما إذا كان النفع لخلق الله مواساة لهم فالقعود عن تلك المواساة هو العدوان في السبت:

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (12).

لنا الآن بعدما أسلفنا أن نتصور بكل تنزيه ماهية «موتى» المسيح الناصري، وطبيعة الحياة التي بعثت فيهم. فننتقل لنرى نظائر ذلك الإحياء عند المسيح المحمدي الموعود ، ومن ثم نخلص إلى أن مسألة إحياء الموتى ليست قصرا على نبي دون نبي، ولو جاز لأحد الافتخار بالإحياء الذي أجراه الله تعالى على يديه، فإنه سيدنا محمد النبي الخاتم والذي إذا أردنا الاطلاع على شيء من آثار فيضه المحيي فلنقرأ بعضا مما ذكره مسيحه الموعود في شأنه :

أحييتَ أمواتَ القرون بـجَلوةٍ ماذا يماثلك بـهـذا الشَّان؟!
إني لقد أُحيِيتُ مِـن إحـيائه واهًا لإعجازٍ فما أَحْـياني!

يبدو لي أن المسيح الموعود قد فطن إلى هذا الفارق الدقيق بين لفظتي «موتى» و»أموات»، فعبر أجمل تعبير عن الإحياء المنسوب إلى حضرة خاتم النبيين مستعملا لفظة «أموات» مع قرينة صارفة عن معنى مفارقة العالم ومواراة التراب، فقال: «… أموات القرون» في إشارة قوية إلى أنه كما لو أنه أخرج العالم من لحده بالفعل، وأن إحياءه أعظم شأنا من إحياء من خلوا من قبل من النبيين. نعم، إن إحياءه بلغ عظمته أن ورَّث الإحياء لتابعه الكامل، حتى إنني ليروق لي قراءة «أحييت» بصيغة البناء للمعلوم (ولو تجاوزا) كالآتي:

إني لقد أَحْيَيْتُ مِـن إحـيائه واهًا لإعجازٍ فما أَحْـياني!

وكأن حضرته يخبرنا أنه بعد إحياء سيده وحبيبه له صار محييا للموتى بدوره هو الآخر. فما أعجب هذا الإحياء الذي به صار به التابعُ حيا ومحييا في آن! وكيف لا يكون من نال الحياة على يد النبي الخاتم محييا وقد قال المسيح الموعود في معرض كلامه عن القرآن المجيد: «من شرب منه فهو يحيا، بل يكون من المحيين»؟!
ولا يتطرقن إلى الذهن وسوسة أنَّ الله تعالى يحيي الموتى بينما يعجز (وحاشاه) عن إحياء الأموات.. بل ليس ثمة داع أصلا للقلق بهذا الصدد. لا شك أن الله هو القادر وحده على كل شيء، وهو وحده القادر على إحياء الأموات أيضا، وعدم ذكر الشيء لا يُفهَم منه عدم وجوده بالضرورة، بمعنى أنه تعالى إن لم يذكر أنه يحيي الأموات، فينبغي ألا يتطرق إلى أذهاننا أنه غير قادر على ذلك، ولكنه مع قدرته المطلقة فهو الحكيم كذلك، ومقتضيات حكمته وضع اللفظ في موضعه.
قد يتحفظ البعض بإزاء هذه القضية بحجة أن فيها تقييدًا لمعنى الإحياء في هذه الآيات التي تخص الله تعالى بالإحياء الروحاني دون المادي، في حين أن هذا التقييد غير وارد أصلا، ولدفع القلق بهذا الشأن نورد مقتبسا لحضرة المصلح الموعود في معرض تفسيره لآية:

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ (البقرة: 29)

الآتي: « …وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا….. أي عدما بلا حياة ولا وجود، ..فَأَحْيَاكُمْ… أي وهبكم الحياة وأوجدكم من عدم»(13)، فيثبت بوضوح أن الله قادر بلا أدنى شك على إحياء الأموات، بل إنه القادر الوحيد، ولا محيي للأموات سواه ، وهذا هو جوهر الفكرة، أي تنزيهه عن أن يكون هناك من يحيي الأموات سواه، وأن غاية ما منحه المحيي لعباده المصطفين الأخيار هو إحياء الموتى، بينما إحياء الأموات صفة تنزيهية له حصرا.

1. (البقرة: 155)، (آل عمران: 170)، (النحل: 21-22)، (فاطر: 23)، (المرسلات: 26-27)
2. (البقرة: 74) 3. (البقرة: 261) 4. (آل عمران: 50)
. 5 (المائدة: 111) 6. (الأَنعام: 37)
7. بقية الآيات المتضمنة للفظة «موتى»: (الأَنعام: 112)، (الأَعراف: 58)، (الرعد: 32)، (الحج: 7)، (الروم: 51)، (الروم: 53)، (يس: 13)، (فصلت: 40)، (الشورى: 10)، (الأَحقاف: 34)، (القيامة: 41)
.8 (مسند أحمد, كتاب باقي مسند المكثرين)
9. (سنن الترمذي, كتاب البر والصلة عن رسول الله)
10 (البقرة: 261) 11. (البقرة: 260)
12 . (البقرة: 66)
13 التفسير الكبير، مجلد 1، صفحة 176