شَرِيعَةُ الإِسْلَامِ صِيَانَةٌ لِلْأَرْوَاحِ وَالأَجْسَامِ..الطَّعَامُ نَمُوذَجًا

الدكتورة نور البراقي

كاتبة
  • عَالَم متقدم طبِّيًّا، متأخر صحِّيًا
  • حَالَ الاضطرابات الصحية، فَتِّشْ عن الغذاء
  • دور الشريعة في صيانة الصحة وَقْتَ كانت الإنسانية تحبو
  • ماذا عن الشريعة الخاتمة؟!

عَالَم متقدم طبِّيًّا، متأخر صحِّيًا

بداية لا نهدف من تلك المقولة إلى إنكار واقع التقدم الطبي في البلدان المتقدمة بشكل عام، بل ما نود قوله هو أن التقدم الطبي المعهود لم يأت بثمار يُعتد بها على المستوى الصحي، فها نحن نرى في عصر الطفرات الجينية هذا أمراضا لم تكن لتُشاهَد فيما خلا من عصور الماضي كلها، ناهيك عن الأمراض والأوبئة المعروفة منذ القدم ولم يكتشف الطب الحديث علاجا لها حتى وقت قريب، بل والأمراض العصرية التي لم يُعرف دواؤها حتى الآن. إذن، فالتقدم الطبي لا يسير والمستوى الصحي العام جنبا إلى جنب. فمثلا، تشهد البلدان المتقدمة زيادة كبيرة في أمراض المناعة الذاتية، ومنها التهاب المفاصل الروماتويدي، والذئبة (مرض جلدي)، والتهاب الأوعية الدموية، والاضطراب الهضمي (سيلياك)، ومرض السكري من النمط1. كما لوحظ أيضاً انتشار كبير لأمراض الحساسية خاصة عند الأطفال فقد وجد أن طفلا من بين خمسة أطفال مصاب بنوع ما من أمراض الحساسية، بما فيها التهاب الأنف التحسسي، والتهاب الجلد التأتبي، والمعروف بالربو الجلدي. ومن المثير للذعر أن مرض السكري من النمط 1 أصبح مشكلة كبيرة في مختلف البلدان، وصار يصيب الأطفال بعمر أصغر بكثير مما كان من قبل، خاصة في أوروبا. كما وأن مرض كرون والتهاب القولون التقرحي وتليف الكبد الصفراوي ثلاثة أشكال لأمراض الجهاز الهضمي والتي ترتفع نسبة الإصابة بها إلى درجة تنذر بالخطر، كل ما تم ذكره من أمراض هو فقط على سبيل المثال لا الحصر، وإلا فالقائمة تطول.

فأدركنا للمرة الأولى في التاريخ كيف أن حالات الجسد تعمل عملها في حالات الروح، والعكس صحيح، فكل منهما يؤثر في الآخر ويتأثر به، لقد كانت هذه الحقيقة قسما من مقال المسيح الموعود الذي كتبه ليُلقى على أسماع الملأ في مؤتمر الأديان الأعظم في لاهور عام 1896م…

حَالَ الاضطرابات الصحية، فَتِّشْ عن الغذاء

لقد توصل الإنسان منذ قديم الزمان إلى حقيقة تأثُّر الجسد وبنيته وسلامته بنوعية وكمية الغذاء الذي يتناوله. والمقولات الحكيمة من قبيل: «المعدة بيت الداء، والحِمْيَةُ رأس كل دواء»، و «دواؤك غذاؤك» لم تأت من فراغ، ولعل تأثر الصحة الجسمانية بالتغذية سلبا أو إيجابا هو ما دفع العلماء في هذا العصر إلى النظر في مجال التغذية ومراقبة النظام الغذائي كسبب لهذه الأمراض، وقد لوحظ مؤخرا أن نسبة محددة ما بين الأحماض الدهنية الأساسية الموجودة في الغذاء تشكل عاملا هاما في سلامة أو اعتلال الجسد، ونعني بالأحماض الدهنية الأساسية كلا من أوميغا-3 وأوميغا-6، وهما من الأحماض الدهنية الأساسية في الجسم ولكنه لايستطيع الجسم تصنيعهما، فلا بد من مصدر خارجي لهما، ولكل منهما فوائد عظيمة بدءا من الوقاية من الأمراض، حتى التقليل من إصابات السرطانات .. ولكن الفرق بينهما هو أن أوميغا3 يقلل حالات الالتهابات في الجسم، بينما أوميغا6 هو الذي يحدث الالتهابات (إحداث اعراض الالتهاب وتكاثر الخلايا لتعويض الفاقد منها) لذلك لابد أن تكون النسبة بينهما متوازنة في أي طعام يُستهلك. وقد أشارت الدراسات إلى أن النسبة الجيدة بين أوميغا 3 و6 لتفادي أي خلل في الجسم هي 1:4 على الترتيب. كما ثبت أن معظم الأطعمة المستهلكة في الدول الغربية تحوي نسبًا عالية من أوميغا6 بحيث تختل النسبة الموصى بها بين حمضي أوميغا-3، وأوميغا-6 متجاوزة حد الاعتدال لتبلغ 1 إلى 15 مما يؤدي إلى ظهور الالتهابات وأمراض القلب والأوعية الدموية والسمنة والتهاب المفاصل والعديد من أمراض السرطان بل والاكتئاب أيضا. وتبين أن لحوم البقر والأغنام تحتوي على نسبة قليلة من حمض أوميغا6 مقارنة مع لحم الخنزير. بينما وُجِدت النسبة المفيدة بين الحمضين في الأسماك وخاصة الصدفية، وبذلك تفضل على سائر اللحوم الحمراء والبيضاء. بناء على هذه النتيجة يمكن أن نستنتج سبب ندرة إصابة شعوب الاسكيمو (الإنويت) بأمراض القلب حيث يتغذون على أطعمة غنية بالأحماض الدهنية وفيها النسب المفيدة للجسم. وقد وجد عند هذه الشعوب أن نسبة الكوليسترول في الدم منخفضة كثيرا عن نسبتها عند متناولي لحم البقر من الأمريكيين. وأيضا نسبة الإصابة بالسرطان تنخفض كثيرا عن المعدل الأميركي، وضغط الدم العالي غير شائع لديهم، والبدانة والتهاب المفاصل من الحالات النادرة بينهم، أما سكر الدم فغير معروف، مع أن نسبة الشحوم عالية في غذائهم، إلا أن العلماء يعزون أسباب هذه الحماية الصحية إلى الأحماض الدهنية الأساسية أوميغا 3. فكانت نصيحة العلماء للعالم أن يقللوا من معدل اللحوم التي تحوي نسبة عالية من أوميغا6 في نظامهم الغذائي وأن يستبدلوه بمصادر اللحوم الغنية بأوميغا 3 من أجل الحفاظ على صحة أفضل.

من الواضح أن للدين دوراً في الحفاظ على صحة الانسان وضمان سلامة جسده، ومن ثمَّ روحه فحرم على الناس ما يسيء إلى أي من هذين الطرفين (الروح والجسد) وأحلَّ ما من شأنه إيجاد التوازن بينهما، لا سيما بعدما ثبت ما بين الروح والجسد من تفاعل مزدوج وتأثير وتأثر متبادلين.

دور الشريعة في صيانة الصحة حينما كانت الإنسانية تحبو

في وقت لم تكن فيه المعارف الإنسانية عموما والطبية تحديدا قد تنامت وتطورت وتخصصت بعد، كان اشتغال المرء بالطب مثلا يتضمن إلى جانب ذلك علما بالفلسفة أو ربما عملا بالكهانة أو سِدَانَةِ دور العبادة وشعائرها. وفي تلك الأزمنة الغابرة لم تُهمِل السماء تَعَهُّد الناس بصيانة أجسامهم تأهيلا لهم لترقيات إنسانية أبعد نعيشها الآن. وفي تلك الأزمنة كان تطبيق الشريعة واجبا لمجرد كونها شريعة، دون وضوح الحكمة من مقاصدها. وكانت المخالفات التي يرتكبها الناس في شتى الأوقات تلاحَظ لها تبعات وتأثُّرات سلبية على أي من المستويات الجسمانية أو النفسية، ومن ثم كان يُشاع بين الناس أن فلانا أصابته اللعنة لاقترافه كذا وكذا من مخالفات للشريعة، طبعا المقصود هنا تلك الشرائع القومية المحدودة بزمان ومكان، والمقصورة على قوم بعينه. لم يكن بعد من المفهوم أن تلك اللعنة ما هي إلا نتيجة طبيعية لمخالفة القانون الذي أجراه الله تعالى في الطبيعة على الأفراد والمجتمعات على حد سواء. لقد كانت نسبة كبيرة من الأمراض، إن لم نقل كلها، يُلتَمس البرء منها على يد الكاهن (حامل العلم الديني وقتئذ) فكان يداوي تارة بالعقاقير وتارة بممارسة الكهانة أو ما يشبه الرقية في المصطلح الإسلامي، وظلت تلك الممارسات تنتقل عبر الأجيال كابرا عن كابر دون إدراك لعلتها. ومن المعروف أن الله تعالى قد حرم على الناس أكل أشياء معينة منذ بدء الشريعة على الأرض، فنَقل الكتاب المقدس مثلا:

«وَالْخِنْزِيرُ لأَنَّهُ يَشُقُّ الظِّلْفَ لكِنَّهُ لاَ يَجْتَرُّ فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ»(1)

وأيضاً:

«هذَا تَأْكُلُونَهُ مِنْ جَمِيعِ مَا فِي الْمِيَاهِ: كُلُّ مَا لَهُ زَعَانِفُ وَحَرْشَفٌ فِي الْمِيَاهِ، فِي الْبِحَارِ وَفِي الأَنْهَارِ، فَإِيَّاهُ تَأْكُلُونَ» (2)

ماذا عن الشريعة الخاتمة؟!

لقد استمر الحال على هذا الوضع بعكوف الناس على تطبيق الشريعة دون إدراك العلة وراء ذلك إلا إجمالا، إلى أن جاء الإسلام بالشريعة الأكمل مع خاتم النبيين سيدنا محمد ، ثم جاء ببيان الحكمة من مقاصدها مع سيدنا أحمد المسيح الموعود ، فأدركنا للمرة الأولى في التاريخ كيف أن حالات الجسد تعمل عملها في حالات الروح، والعكس صحيح، فكل منهما يؤثر في الآخر ويتأثر به، لقد كانت هذه الحقيقة قسما من مقال المسيح الموعود الذي كتبه ليُلقى على أسماع الملأ في مؤتمر الأديان الأعظم في لاهور عام 1896م، ثم نُشر لاحقا بعنوان «فلسفة تعاليم الإسلام»، بين فيه حضرته الحكمة من تحريم بعض الأطعمة

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله به (3)

ولم يتوقف الأمر على هذا التحريم، بل تعداه بالتوصية بألا يُكتفى بأن يكون الطعام حلالا فقط، بل يجب أن يكون طيبا أيضا،

فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (4)،

لهذا نُهي عن الإسراف في تناول الحلال من الطعام أيضا، لكي لا يدب الخلل في النسبة الذهبية لتوزُّع العناصر الغذائية، فنُهي عن الإفراط في تزويد الجسد بالعناصر الغذائية عن طريق تناول اللحوم دون الخضروات، أو العكس، لأن ذلك الإفراط أو التفريط في هذا المجال يترتب عليه خلل روحاني ما.فالله تعالى حرّم أكل لحم الخنزير في زمن موسى وفي زمن محمد ، ومع أن العلم أكد على ضرورة الابتعاد عن تناوله لأسباب شتى كذلك أكد أن لحمه فقير بأوميغا3 ويحوي نسبة عالية من أوميغا6، وذلك ما يحفز الجسم على احداث الالتهابات المختلفة ونواتجها من تكاثر للخلايا (خاصة سرطانات القولون والبروستات) وغير ذلك. ومن الواضح أن شريعة العهد القديم أباحت أكل الاسماك (ذات الحراشف والزعانف فقط)، كذلك لم يحرم القرآن المسلمين من تناولها بل وسع دائرة الإباحة لتشمل كل نوع من طيبات البحر وكل ما في جوفه من لحم طري، فكل ما هو لحم طري في البحر مُسخر للإنسان طعاما طيبا بحسب شريعة الإسلام، وقد أثبت الطب الغذائي دقة هذه المعلومة مؤخرا، مؤكدا بلسان الحال أن شريعة الإسلام هي الشريعة الخاتمة والصالحة بل والمُصْلِحَة لحال الإنسانية في هذا العصر، فعلى حين تُحرم شريعة العهد القديم بعض ما أحله الله تعالى من صيد البحر كالقشريات والرخويات مثلا، بل وحتى الأسماك من غير ذوات القشور، جاء القرآن معلنا فك هذا الحظر الظالم، بأن

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ (5)،

وأيضا: (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً) (6) إذن، من الواضح أن للدين دوراً في الحفاظ على صحة الانسان وضمان سلامة جسده، ومن ثمَّ روحه فحرم على الناس ما يسيء إلى أي من هذين الطرفين (الروح والجسد) وأحلَّ ما من شأنه إيجاد التوازن بينهما، لا سيما بعدما ثبت ما بين الروح والجسد من تفاعل مزدوج وتأثير وتأثر متبادلين.

1. (التَّثْنِيَة 14 : 8) 2. (اللاَّوِيِّينَ 11 : 9) 3. (المائدة 3) 4. (النحل: 115) 5. (المائدة: 97) 6. (النحل : 14)