سوء الظن يجعل من الحبة قبة و من ريش الطائر أسراباً

سوء الظن يجعل من الحبة قبة و من ريش الطائر أسراباً

آيات المصري

__

يقول الله تبارك وتعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ. (الحجرات: 13).

لقد أمرنا في هذه الآية الكريمة أن ننأى بأنفسنا عن الظن وكما هو دأب القرآن الكريم أنه لا ينهى عن شيء إلا يأتي بالعلة ولا يحض على شيء إلا يبين محاسنه، واجتناب الظن واجب لأنه إثم، ومن معاني الإثم الذنب أو الجريمة أو الخطأ أيا كان نوعه، أو تجاوز الحدود، أو العمل الذي يجعل الإنسان يستحق العقاب بسبب المعصية، أو العمل أو الفكرة التي تمنعه من كسب الحسنات، أو أي تصرف يخرج عن القانون… والإثم هو ما يكسبه الإنسان قصدا عادة.
وخصوصية سوء الظن أنه إثم فردي يتولد في داخل الإنسان ولا يشترك به الآخرون، وخطورته تكمن في تلاشي عظمة السيئة في نظر مسيء الظن، ويغلب أن يكون مسيء الظن مصابا بالمرض نفسه الذي ينسبه لغيره؛ فمن يسيء الظن بغيره ظانا أنه كاذب يكون الكذب كامنا في نفسه هو في الحقيقة. ومن يستهين بذنب يسهل عليه نسبته إلى غيره بسوء ظنه قائلا ربما يرتكب فلانا ذلك أو ارتكبه. ونتيجة إلصاقة التهم بغيره تتلاشى لديه لا شعوريا شناعة الذنب المنسوب لغيره حتى يقع فيه. وهذا ما بينه المصلح الموعود في أحد خطاباته عندما ذكر الأمراض التي تتنافى مع طهارة الإنسان الذاتية، أي الأمراض التي تتعلق بالإنسان نفسه ولا تؤثر في غيره، التي ومنها سوء الظن.
إن سوء الظن سيئة وسبب لشقاوة البشر، وهو مرض خطير يعمي الإنسان ويلقي به إلى الردى، وسوء الظن سبب هلاك المجتمعات والأمم، فلولا سوء الظن لما كان الكفر بالمبعوثين من عند الله، ولما كان عداء الأولياء والصالحين، ومن ثم هلاك الأقوام. يقول المسيح الموعود :

“إن التسرع في سوء الظن أمرٌ وخيم، كما أن الحكم على سرائر العباد أمر خطير. لقد هلكَ أقوام كثيرون لإساءتهم الظن بالأنبياء وأهل بيتهم”. (الملفوظات، ج 4، ص 265-266)

لقد كثر سوء الظن في هذا الوقت، حتى بات الناس يتفاخرون بقدراتهم على تحليل ما ببواطن الناس، ويسارعون في إطلاق الأحكام والاستنتاجات بحق من حولهم ويعدون ذلك فطنة وذكاء، ولكن أنى للإنسان أن يعرف ما في بواطن الناس؟! إن خطورة إساءة الظن أنها تبدأ بإساءة الظن بالناس وتنتهي بإساءة الظن بالله تعالى.

لقد أودعت فطرة الإنسان حسن الظن، فلو عطلت هذه الملكة الفطرية حل محلها مرض سوء الظن، ليصبح المصاب به أسيرا للأوهام والصاق التهم بالغير والشك المرضي، فتلفحه نار دائه ويحرم من بركات كثيرة.

أورد المسيح الموعود قصة كان قد قرأها في أحد الكتب، وفيها لنا عبرة لنجتنب سوء الظن والحكم من المظهر، فيقول :
عاهدَ مرة أحدٌ من أهل الله الأبرار أنه لن يفضّل نفسه على أحد. وصادف بعد ذلك أنه رأى شخصًا جالسًا على ضفة نهر مع امرأة شابة ويأكل الخبز ويشرب من زجاجة موضوعة بجانبه. فحين رآه من بعيد قال في نفسه: صحيح أنني قد عاهدت أني لن أفضِّل نفسي على أحد، إلا أنني أفضَلُ من هذين بلا شك. وبينما هو في ذلك إذ هبَّتْ عاصفة قوية تبِعها فيضان في النهر، فغرقت سفينة كانت تقترب إلى الشاطىء. فنهض ذلك الشاب وقفز في النهر وأنقذ ستة من الموشكين على الغرق. ثم توجه إلى ذلك الشيخ وقال له: لقد ظننتَ أنك أفضل مني، ومع ذلك تمكَّنتُ من إنقاذ ستة أشخاص، فهلاّ قفزتَ في النهر وخلّصت سابِعَهم الذي بقي! فاندهش الشيخ بسماع قوله وسأله في استغراب: كيف عرفتَ ما بداخلي، وما هي القضية؟ فقال الشاب: إنما تحتوي تلك الزجاجة على ماء النهر وليس الخمر، وإن تلك المرأة هي أمي وأنا وحيدها. إنها تبدو شابّةً لأن صحتها جيدة. وقد أمرني الله تعالى أن أقوم بهذا كله لكي تتلقى درسًا. (الملفوظات، ج 4، ص 265-266)
ما لا ينفع الدين فهو أولى بالترك فكيف إن كان ذلك الشيء سببا لخراب البيوت وإحداث الفرقة وخلق النزاعات وتشتيت الناس، وكيف لا يترك ما نهينا عنه بصراحة تامة من قبل خالقنا تبارك وتعالى؟ يقول المسيح الموعود :

“إن الكسل والفتور وسوء الظن لا ينفع الدين بشيء قط. إن سوء الظن يخرِّب البيوت ويفرِّق بين القلوب.” (فتح الإسلام)

لا شك كما قلنا أن سوء الظن ذنب يقتصر على نفس الإنسان ولكن على الإنسان محوه تماما لأنه يورطه في الذنوب ويحرق شجرة إيمانه بسرعه كما تحرق النار الهشيم.
لقد أودعت فطرة الإنسان حسن الظن، فلو عطلت هذه الملكة الفطرية حل محلها مرض سوء الظن، ليصبح المصاب به أسيرا للأوهام وإلصاق التهم بالغير والشك المرضي، فتلفحه نار دائه ويحرم من بركات كثيرة. ولذلك قال المسيح الموعود :

“إن إساءة الظن دون سبب معقول شعبة من شعب الجنون، وعلى كل عاقل فطين أن يجتنبه في كل الأحوال…” (البراهين الأحمدية، الجزء الخامس.)

إن أساس الألفة والمحبة بين المؤمنين وفي المجتمع عموما هو حسن الظن، لذا أمرنا الله تبارك وتعالى بتجنب الظن السيء للحفاظ على أمن المجتمع ونقاء قلوب أفراده. وقد نهانا رسول الله عن سوء الظن قائلا:

“إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا” (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب).

فسوء الظن يولد البعد والجفاء والفرقة ومصدره الأنانية وهذا ما بينه أمير المؤمنين الخليفة الخامس للمسيح الموعود عليه السلام في إحدى خطبه قائلا:

“إن الله تعالى يريد أن يولّد بين المؤمنين المحبة والأخوة التي تنشأ من خلال الظن الحسن، لذلك قال “اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ”. لأن الظن يؤدي إلى ارتكاب الإثم، الأمر الذي ليس ضررًا على من يمارسه فحسب بل يفسد أمن المجتمع أيضا، ويجعل في القلوب فرقة وجفاء، لذلك عدّه الله تعالى إثما كبيرا ولا يمارسه صاحبه إلا إشباعا لأنانيته.”

إذن إنه لمن الضروري ألا نستهين بسوء الظن لأنه آفة خطيرة جدا تهلك المرء في نهاية المطاف وتحدث حوله بيئة من التوتر وعدم الاستقرار وعدم الراحة والأمن، فمن يتقي يجتنب هذا الإثم ولا يقربه، ومن اجتنبه ترقى وازداد تقى، وإذا نشأ لدينا ظن سيء بأحد علينا بالاستغفار والدعاء لنتجنب نتائج هذا الإثم السيئة.

“إن إساءة الظن دون سبب معقول شعبة من شعب الجنون، وعلى كل عاقل فطين أن يجتنبه في كل الأحوال…” (البراهين الأحمدية، الجزء الخامس.)

ونختتم عن سوء الظن بهذه الأبيات المترجمة من شعر المسيح الموعود التي وردت في البراهين الأحمدية الجزء الخامس، إذ قال: “إن سوء الظن يجعل من الحبة قبّة، ويجعل من ريش الطائر أسرابا”
وقال أيضا:

“حين تجتمع ظلمات الجهل وعاصفة سوء الظن يتلاشى الإيمان كالغبار. ما هي عاقبة تناول السم إلا الموت والفناء، إن سوء الظن سمٌّ فاجتنبوه يا أصحاب الدين. إن أصحاب الظن السيئ يبذرون الأشواك في طريقهم، وليس من شيمتهم الحياء والصبرُ والجلَد. هذه السيئة هي أصل شقاوة البشر، ولكن من يقدر على أن يغيّر القدر المحتوم”

وفقنا الله تعالى لتجنب جميع الآثام والذنوب ووفقنا لكسب الحسنات والعمل بجميع أحكام الله تعالى وأوامره وأن نحدث انقلابا في طبيعتنا لتتولد بنا طبيعة جديدة ترضي الله عز وجل. آمين.

Share via
تابعونا على الفايس بوك