خيبة الإنتظار مع أمنية زوال آخر

سامح مصطفى

كاتب وشاعر
  • بسبب الفهم الحرفي الخاطئ ينتظر اليهود والمسيحيون وحتى المسلمين مجيئ موعودهم إلى يومنا هذا الآن.
  • فهم النبوءات بشكلٍ حرفي أمرٌ مسيء إلى صاحب النبوءة وسبب رفض الناس لتحقيقها وهذا يؤدي إلى هلاك قرى وأمم.

طول الانتظار و صنع المنتظر
قد لا يجد المرء بدا من افتعال أمر ما، حفظا لبعض ما تبقى لديه من ماء الوجه. هذا ديدن المتكبرين عبر التاريخ، فإذا ما تحدد أجل أو وضعت علامة لأمرٍ مصيريّ، وصَبَتْ أنظار الخلق إلى ظهور تلك العلامة، ثم لم تظهر على النحو الذي حدده الكبراء، لا يجد هؤلاء بدا من افتعال العلامة إيهاما للأتباع بصدقهم. التاريخ يشهد غير مرة على هذا الأمر حتى أنه ليبدو كبديهية مسلم بها.
ولأن الطبيعة الإنسانية مجبولة على البحث عن حلول للمشكلات بجميع أنواعها، وكأية طبيعة جبل الله الناس عليها، قد تجنح إلى التطرف تارة إلى أقصى اليمين، وتارة إلى أقصى اليسار، فقد اضطر أناس على مر العصور إلى افتعال العلامة بأيديهم بعدما طال عليهم الأمد دون ظهورها، فباتت كل فئة تصنع شخصيتها المنتظرة، وتتلاعب بالأحداث الراهنة بما يحقق غايتها.
تلك طبيعة بشرية قد تصل إلى حد التطرف إذ تتلاعب بالمقدرات بغية تشكيل المقادير، وقد عبر لسان الشعر عن تلك الطبيعة البشرية بوجه عام (طبيعة افتعال الأمر المبتغى) وفيها قال الراحل “نزار قباني”:
الحب في الأرض بعض من تخيلنا .. لو لم نجده عليها لاخترعناه
ونحن لا نتفق كلية ولا نختلف كلية مع وجهة نظر الشاعر، ما يهمنا أن العقلية الإنسانية تتجه إلى صنع حلمها قسرا إن لم يتحقق طواعية.
والإنسانية بكافة أقوامها على موعد مع القدر، والجميع في انتظار من يخلصه، وبما أن الجميع يقبعون في أماكنهم منتظرين المخلّص، فهذا إقرار ضمني منهم ببؤس الحال. الإنسانية تعاني بؤس الحال ولكنها كثيرا ما تكابر، يدب في أوصالها المرض الخبيث وتدعي الصحة والصمود، ولكن يفضحها انتظارها للفرج دوما.

وطالما هلكت قرى وأمم بهذا الداء (داء القشرية والفهم الحرفي)، ولم يقدر أهلها أن يتصوروا أن النبوءات الإلهية تأتي مخيبة للتوقعات البشرية، فهي كنـز مخفي يحفظه الرب الحفيظ لمن يستحقه، ولو أتى بعد حين. فلو كان ذلك الكنـز في المتناول لكل واحد، لنهبه لصوص النصوص بذرائع شتى، ولما بقي من ذلك الكنـز شيء ليتامى الزمن الأخير.

المسيحية العالمية نموذجا..
ومن معضلات الانتظار التي تعيشها الإنسانية، ذلك المجيء الثاني للسيد المسيح، والذي تعلق عليه المسيحية الصهيونية عريض الآمال في تحقق نبوءات الزمن الأخير ودينونة العالم. لقد نجح ذلك الاعتقاد المصطنع في مزج الزيت بالماء وجَعَلَ منه مزيجا متجانسا تحت ضغوط السياسة والكراهية، نعم.. فالعرف السياسي يقول بأنه في سبيل تحقيق مكاسب عاجلة لا ضير أن يكون أعداء الأمس حلفاء اليوم ولو “إلى حين”.
وأعداء الأمس كانوا اليهود الذين أجرموا في حق السيد المسيح واقفين سدا أمام مجرى مياه الحدث التاريخي، فلم يلبث نهر الأحداث أن غير مساره وهم لا يشعرون.
فحتى هؤلاء اليهود بوجه عام قد طال عليهم الأمد في انتظار مسيح منهم يجلس على كرسي داود، ويدين جميع الأمم. وظل الاعتقاد السائد لدى اليهود مستندا إلى قشرة الفهم الحرفي لنبوءات الأنبياء، فكان هذا سببا رئيسًا في إعراضهم عن مسيحهم الأول، إذ لم يأت ذلك المسيح بما توقعوه.
لقد أصبح هؤلاء الأعداء حلفاء اليوم والذين تعوِّل عليهم المسيحية العالمية لإنتاج الشخصية المنتظرة للسيد المسيح كما يتصورونها في مجيئه الثاني، ذلك المجيء الذي سيكون مكتسيًا بدموية مفرطة ودمار عظيم وظلم شديد، فلا بد من رسم ذلك السيناريو المأساوي الآن كإرهاصة بمجيء المسيح المخلص.
أمر مضحك مبكٍ في آن.. أيدفعنا انتظارنا للمخلص من ظلم، أن نفتعل بأيدينا ذلك الظلم؟!!
ليس هذا في نظرنا إلا وقوف في وجه تيار أحداث التاريخ، فلن يلبث تيار الأحداث أن يغير مساره ويبلغ هدفه الذي رسمته يد حضرة القدرة والعليمية.

والمذاهب الإسلامية “الشِّيـ ـ سُنِّيَّة” أيضا
إن افتعال الظلم والتلاعب بالأحداث بغية إظهار آيات ونبوءات الزمن الأخير ليس أمرا مقصورا على المسيحية العالمية واليهودية الصهيونية فحسب، بل إن تقليديي المسلمين من أهل التشيع والسنة قد اكتسبوا هذه الصفة أيضا فتشابهت قلوبهم، فكانوا مصداق قول المولى الحكيم:

تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (البقرة 119)

وليس أدل على ما قلنا مما نشهده على ساحة المذاهب التقليدية الإسلامية التي تقر بانتظارها لشخصية “المهدي” الدموية، والتي يعولون عليها في نشر الإسلام وإظهاره على الدين كله في آخر الزمان، بحيث يخير الناس بين الإسلام كرها أو القتل.
ولا يتوقف الأمر عند مجرد التصور ورسم الحلم بألوان قاتمة كلون الدم، وإنما يتجاوزه إلى التلاعب بالأحداث وافتعال المظالم تعجيلا لفرج المخلص من الظلم، ومدعاة لظهوره على حد فهمهم الحرفي لقول النبي الخاتم:

“لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَمْتَلِئَ الْأَرْضُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا قَالَ ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَمْلَؤُهَا قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا” (مسند أحمد, كتاب باقي مسند المكثرين – حديث 10887)

فما أعجبه من تشابه بين تقليديينا وهؤلاء!
ولكن، لم العجب؟!

أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (القمر 44)

الحرف يقتل
من أكبر المشكلات التي عرضت للإنسانية منذ انبلاج فجرها الأول مشكلة التعامل مع الوحي الإلهي بما تضمنه من نبوءات الغيب، فالنوع الإنساني خلال ترقيه المستمر وتلقيه من إنعامات الربوبية لم يفارق حالاته الدنيا كلية، بل ظلت شرائح بشرية عديدة تستجيب لنداءات الطبيعة الدونية الهمجية، فأمسى يتعامل مع الوحي الإلهي تعامل دواب تكتفي بالقشر دون اللباب، واقتصر تناوله لذلك الوحي على قشرة الظاهر دون لب المعرفة الحقة، مستحبا الوضع الأدنى والعيشة الدنيا والفهم المتدني من كل شيء، وأمسى الأفق الضيق نمط حياته وعنوان وجوده، فما كان من تعبير أبلغ في وصف تلك الدابة البشرية من قوله تعالى:

الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (إبراهيم 4).

لقد صنع مستحبو الدرجة الدنيا من كل شيء صرحا من لبنات المادة الطينية الكثيفة بتوقفهم عند الفهم الحرفي للأمور الروحانية، فحرموا أنفسهم والآخرين أحيانا نعمة ماء الوحي السماوي، حتى إنَّ ذلك الماء الزلال ظل ينهمر على مر الزمان دون أن يستسيغوه، فكان مثلهم

كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا (الجمعة 6)..

وكانوا..
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ … والماء فوق ظهورها محمول

سنة كونية: “النبوءات مُخَيِّبَة للتوقعات”
الأمر ليس بهذه السطحية بحيث ينبئ العليم الحكيم عن أمر ما فيتحقق بعد حين بحرفيته. إن هذا التصور الطفولي مسيء أولا إلى صاحب النبوءة الأول وهو الله عز وجل، ثم مسيء إلى أصحاب التصور القشري للأمر إذ يهبط بهم ذلك التصور إلى أدنى درجات سلم الرقي العقلي والذوقي.
وطالما هلكت قرى وأمم بهذا الداء (داء القشرية والفهم الحرفي)، ولم يقدر أهلها أن يتصوروا أن النبوءات الإلهية تأتي مخيبة للتوقعات البشرية، فهي كنز مخفي يحفظه الرب الحفيظ لمن يستحقه، ولو أتى بعد حين. فلو كان ذلك الكنز في المتناول لكل واحد، لنهبه لصوص النصوص بذرائع شتى، ولما بقي من ذلك الكنز شيء ليتامى الزمن الأخير.
وهنا يطرأ تساؤل: إذا كان الأمر بهذه البساطة (على فرض أن تجاوز الحرفية شيء يسير) فلم لا يفعلها أعداء النبيين ومن لهم مصلحة في تكذيب نبوءاتهم، فيتجاوزون قشرة الظاهر، ومن ثم يسطون على لب النبوءة وكنزها، فيغيرون ويبدلون..؟!
كما قلنا من قبل، فالأمر ليس بهذه السذاجة. فلو قُدِّر للمرء أن يتجاوز حاجز الفهم الحرفي للنبوءة، لحدث في قرارة نفسه تغير جذري طيب، ولبلغ مقام التطهر رغما عنه. الأمر سيبدو أشبه بمركبة تتحرك تحت تأثير قوة القصور الذاتي بسرعة قصوى دون أن يكون بمقدور السائق كبحها.
نعم، فبتجاوز حاجز الحرفية المغرية للأبصار، يصبح المضمار خاليا أمام خيل البصائر لتنطلق بأقصى ما يمكنها.

الجــواب
كل ما سبق يمكن اعتباره جوابا على الشق الأول من السؤال، السؤال عن سبب تطلع قطاعات بشرية عريضة إلى القضاء على خصومها، وعرفنا أن سبب تلك الفكرة الدموية هو “خيبة الانتظار” دون تحقق الآمال، فكان لا بد من افتعال الفوضـى ليأتي المـخلّص.
وقد ثبت بالتجربة المستمرة خطأ هذه الفكرة، واستنفد أولئك البشر طاقاتهم واحتمالاتهم الـ 99 في تصور وتصنيع الصورة النهائية لسيناريو الزمن الأخير، ولم يتبق إلا احتمال واحد.
فدعونا نفكر في احتمال الـ 1% المتبقي، والذي يقول بأن الشخصية المنتظرة والتي يُعَلَّقُ عليها خلاص العالم من الظلم، ستكون مسلحة بسلاح لم يتوافر لدى رعاة الحرب ودعاتها، بل لم يخطر حتى على بال الشياطين، وهذا السلاح لمن لا يعرف، أخطر من أخطر أسـلحة الدمار الشامل المـعروفة، وقدرته المتوقعة بل والمجـربة على الإفنـاء عجيـبة.. إنه…

الألفة والتآلف وسمات الأمة الخاتمـة
في عصر التقارب الزماني والمكاني والفكري، أصبح التآلف بين البشر على اختلافهم سمة مميزة بشكل لم يُشهد نظيره في الأمم الخالية. لقد انطوى القرآن المجيد على نبوءات تشير إلى حالة التآلف التي تربط الأقوام بعضهم ببعض في الزمن الأخير، مثل النبوءة عن ثورة الاتصالات العالمية، والتي يشير إليها قول العليم الخبير:

وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (التكوير: 8).

إن تحقق النبوءة عن تزويج النفوس لا بد وأن يسبقه أو يصاحبه على الأقل نبذ للنظرة الدونية إلى الشعوب الأخرى، حتى وإن كنا نعتقد في قرارة أنفسنا أننا خير أمة أخرجت للناس، فجاء التوجيه الحكيم في قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ (الحجرات: 12)

ثم مقابلة السيئة بالحسنة على الرغم من امتلاك القدرة على الانتقام، كما أرشدنا التوجيه الحكيم:

وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (فصلت: 35)

ثم إفشاء للمحبة والسلام الذي ينبني عليه اجتماع الناس وتقاربهم فكريا، بشكل فعَّال، كما أخبر حضرة سيدنا محمد المصطفى :

“أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ”. (صحيح مسلم، كتاب الإيمان )

سباق التسلح، والتسلُّح الأنجع، فرضية مطروحة
في خِضَمِّ السباق العالمي المحموم نحو التسلح الدموي، تسبق الجماعة الإسلامية الأحمدية في مضمار آخر، إنه مضمار بناء المساجد وإظهار الدين، وفي ذلك الخِضَمِّ أطـلـق الخليـفة الثـالث للمسيـح الموعود عليه السلام شعـارًا عند وضع حجر الأساس لمسجد “البشارة” في إسبانيا عام 1980، يعلن أن “الحب للجميع ولا كراهية لأحد” ومعناه: أننا نحـب جميع الـنـاس مهما كان ديـنـهم ولـونهم ولغتهم، ولا نكره أحـدا لأي خلاف معنا في أي شيء كان. لقد كان هذا الشعار في حد ذاته هو الأساس الذي أقيم عليه بناء المسجد، وكان هذا الشعار بحق “بشارة” للإنسانية ببزوغ عصر يُهزم فيه أصل العداوة، لتتحقق نبوءة القرآن والنبي الخاتم.