• تفسير آيات سورة النحل 113 – 116.
  • نبوءة عودة المسلمين إلى مكة ووقوع العذاب بقريش لإخراجهم المسلمين.
  • كذبت قريش النبي رغم معرفتهم بأخلاقه الرفيعة وصدقه.
  • نبوءة وقوع الخوف والجوع في المشركين، وبشارة براحة البال وسعة الرزق للمؤمنين.
  • ما هي الأطعمة الحلال والطيبة للمسلمين؟

وَضَرَبَ الله مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (113)

شرح الكلمات:
ضرَب الله مثلاً: ضرَبه بيده: أصابَه وصدَمه بها. ضرَبه بالسوط: جلَده. وضرَب له مثلاً: وصَفه وقاله وبيّنه (الأقرب).
رَغَدًا: رغَد عيشُه رغَدًا: طابَ واتّسع. وعِيشةٌ رَغْدٌ ورَغَدٌ: واسعةٌ طيبةٌ (الأقرب).
أذاقها: ذاقَ العــــذابَ والمكروهَ: نزَل به فقاساه. أذاقَه: صيَّره يذوق (الأقرب).

التفسير:
تتضمن هذه الآية نبأً بفتح مكة، ذلك لأن الله تعالى قد سبق أن عقد المقارنة بين الكفر والإسلام وأخبر بمصير الفريقين، فكان هناك احتمال أن يفكر أهل الكفر خطأً أن مكة لن تسقط في أيدي المسلمين لما تتمتع به من حرمة سماوية، حيث كانوا قد رأوا في الماضي القريب كيف أن الله حمى الكعبة من أصحاب الفيل جنودِ أبرهة. لقد أبطل الله تعالى هنا ما كان لدى الكفار من اطمئنان زائف معلنًا أن مكة أيضًا لن تؤوي مثل هؤلاء المجرمين، بل سوف يسلب الله أهلَها الأمانَ الذي يتمتعون به ويسلّط عليهــــــــم عذاب الخوف والجـــــــوع، لأن تـــــــــصرفاتهم حَرَمَتْهم رحمةَ الله تعالى.
وبالفعل فقد حل هذا العذاب بنوعيه بأهل مكة بعد هجرة النبي . فأما عذاب الخوف فهو نتيجة حتمية للحروب التي خاضوها ضد المسلمين، وأما عذاب الجوع فأصابهم لما وقع عديد من قوافلهم التجارية في أيدي المسلمين، وحين تركوا أموالَهم في الحروب غنائمَ للمؤمنين.
وقد استخــــــــــدم القرآن هنا كلمـــــــة لباس إيماءً إلى أن العذاب بنوعيه سيكون شديد الوطأة بحيث يترك آثاره على أبدانهم، فتخفّ أجسامهم، وتتغير ألوانهم، وكأن الخوف والجوع ملتصقان بهم التصاقَ الثياب بالأبدان؟

وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (114)

التفسير:
لقد زادت هذه الآية الموضوعَ وضوحًا، وأكدت أن القرية المشار إليها هنا هي مكة. فيوضح الله تعالى: لقد تمت الحجة على أهلها إذ بعثنا لتحذيرهم رسولاً من أنفسُهم، ولم نبعثه من الخارج، كيلا يقولوا: كيف نعرف صدقه من كذبه ولسنا بمطلعين على أحواله وسيرته، ولكنهم رغم معرفتهم بأخلاقه الحميدة وبنُصحه لهم كذّبوه، لذلك قرّرنا عقابهم بالعذاب.
لقد أدان الله الكفار هنا بجريمتين: الأولى أنهم كذّبوا رسوله، والثانية أنهم كذّبوا ما اختبروه بأنفسهم وشاهدوه بأم أعينهم، حيث أنكروا دعوى النبي رغم علمهم أنه لم يكذب في حياته قط.
وقال الله وهم ظالمون .. ليبيّن أن العذاب سيحيط بهم حتمًا على ظلمهم، بمعنى أنه لا يمكن أن ينجو هؤلاء الظالمون من العقاب، فيتحمل أولادهم تبعة أخطائهم، كلا، بل لا بد أن ينال الظالمون جزاء أعمالهم بأنفسهم.

فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (115)

التفسير:
لقد نبّأ القرآن من قبل عن عقاب الكفار بالخوف والجوع، والآن يبشر المؤمنين براحة البال وسعة الرزق. يقول سوف ينـزع الله من الكفار رزقهم، ويزيد في أرزاق المسلمين؛ ولكن سيتم هذا مع فرق واضح: ذلك أن الكافرين يكسبون المال بطرق مشروعة وغير مشروعة، ولكن رزق المسلمين سيكون حلالاً طيبًا.. أي سيأتيهم رزقهم من مصدر مشروع، كما سيكون نافعًا للصحة، ومقويًا للجسم والعقل والقلب.
علمًا أن كلمة طيبًا نفيٌ للخوف عن المؤمنين، لأن الطعام إنما ينفع الإنسان نفعًا حقيقيًّا ما دام في مأمن من الهموم والأخطار. كما أن قوله تعالى واشكروا نعمت الله أيضًا يشير إلى المعنى نفسه، أي أنه تعالى قد منّ عليكم بوافر الرزق وراحة البال، فاشكروا له على هذه النعم الظاهرة والباطنة.
ومن الناس من يقول: هل الله بحاجة إلى الشكر من الإنسان، حتى يشكره؟ والجواب:
1- إنه اعتراض سخيف وتافهٌ أصلاً، لأن الشكر تعبير طبيعي ينبع تلقائيًّا من قلب كل إنسان شريف، اعترافًا بنعمة المحسن. فلا يتعلق الأمر بما إذا كان الله بحاجة إلى شكرٍ منا أم لا.
2- الشكر يقوّي إيمان المرء بالتوحيد كما أكدت هذه الآية نفسها. فكما أن الجسم إذا مارس عملاً من الأعمال على التوالي والتكرار أصبح ذلك عادةً عنده، كذلك العقل والقلب يتعودان على الأعمال التي يقوم بها الإنسان بالتكرار. فالذين يشكرون الله على نعمه دومًا فإن عملهم هذا يترك في عقولهم وقلوبهم أثرًا لا يمّحي أبدًا، فيعتادون على الاعتراف بأن كل خير عطية إلهية، وهكذا يصبحون في مأمن من الأفكار الوثنية.

وليكن معلومًا أنه فيما يتعلق بالمال فأساسُ حِلِّه أن يُكتسب بطريقة مشروعة، وأما الطعام والشراب فتناوله يتطلب شرطًا إضافيًّا وهو أن لا يكون مما قد نزل التحريم بشأنه.

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (116)

شرح الكلمات:
أُهِلَّ: أَهَلَّ القومُ الهِلالَ: رفَعوا أصواتَهم عند رؤيته. أهلَّ الصبيُّ: رفَع صوته بالبكاء. أهلَّ فلانٌ بذكر الله: رفَع صوتَه به عند نعمة أو رؤيةِ شيء يُعجبه. أهلَّ بالتسمية على الذبيحة أي قال بسم الله. ما أُهِلَّ لغير الله به أي نُوديَ عليه بغير اسم الله عند ذبحِه (الأقرب).
اضطُرَّ: اضطرّه إليه: أحوَجَه وألجَأَه فَاضْطُرَّ هو بصيغة المجهول أي أُلْجِئَ (الأقرب).

التفسير:
لقد نبّه الله المسلمين من قبل أنه سيوسع عليهم الرزق، فعليهم أن يتعلموا من الآن أنه لا يجوز لهم إلا أن يستعملوا ما هو حلال وطيب معًا.
وليكن معلومًا أنه فيما يتعلق بالمال فأساسُ حِلِّه أن يُكتسب بطريقة مشروعة، وأما الطعام والشراب فتناوله يتطلب شرطًا إضافيًّا وهو أن لا يكون مما قد نزل التحريم بشأنه. وهذه الآية تفصّل ما هو حلال وما هو حرام.
تكشف لنا الكلمات القرآنية أن الحِلّ هو الأصل فيما يتعلق بالأكل والشرب، وأما التحريم فهو بمثابة الحظر والقيد فحسب. ولكن قال البعض إن الأصل هو الحرمة، لأن الله هو المالك، ولا يجوز استعمال شيء من دون إذن صاحبه. وهذا القول الأخير ليس بصحيح، لأن الله تعالى قد قال في القرآن الكريم صراحةً إنه خلق كل شيء للإنسان، وسخّره من أجله. وبعد هذا التصريح العام صار كل شيء حلالاً للإنسان، إلا ما نهى الله عنه نصًّا أو إشارة.
هناك اختلاف بين العلماء في تفسير لحم الخِنـزير ، أيُقصَد به شحمُه أم لا (القرطبي). لا شك أن هناك فرقًا بين اللحم والشحم فيما يتعلق باللغة، ولكن المفسرين يرون أن الشحم مشمول في كلمة اللحم. وبالرغم أن حجة المفسرين ليست بقوية مثل حجة اللغويين، لكونها حجة ذوقية فقط، إلا أني أرى أن أكل شحم الخِنـزير حرام. وحجتي هي قول النبي بحرمة شحوم الميتة (البخاري: كتاب البيوع، باب بيع الميتة). وتحريم الخِنـزير والميتة مذكور في آية واحدة وبكلمات واحدة، فلا بد أن يكون حكمهما واحدًا. غير أن الانتفاع من جلد الخِنـزير جائز، لأن جلده لا يؤكل بل يُستخدم لمنافع أخرى. فقد ورد في الحديث أن شاةً لأم سلمى رضي الله عنها ماتت، فحملها البعض ليلقوها في الخارج. فقال لهم النبي : لم لا تسلخونها وتنتفعون بجلدها؟ فقالوا: يا رسول الله، إنها ميتة! فقال رسول الله : إنما حُرّم أكلُها.

الواقع أن الإسلام قد صنّف المأكولات درجات هي: حرام وممنوع، وحلال وطيب. والحرام ما حرّمه القرآن، والممنوع ما منع منه النبي وفقًا للمبادئ التي وضعها القرآن، أو ما وُجد بعد النبي وكَرِهَ المسلمون تناولَه بعد التحري والتجربة. والحلال ما هو طيب في وضعه الطبيعي، والطيب ما هو جيد في وضعه الحالي؛ بمعنى أن كل ما يجوز أكله في أية حالة فهو حلال….

فثبت بذلك أن لا بأس في الانتفاع من جلد الحيوان الذي حُرّم أكله. بيدَ أن استعمال فرشاة الأسنان المصنوعة من شعر الخِنـزير مكروه، لأن الفرشاة توضع في الفم الذي هو أداة الأكل.
هناك سؤال هام: هل محرمات الأكل تنحصر في هذه الأشياء الأربعة، وليس هناك أي شيء حرام سواها؟
لقد أجاب بعض المفسرين على ذلك بأن «الحصر المستفاد من سياقِ الكلام وتصديرِ الجملة بـ (إنما) حصرٌ إضافي بالنسبة إلى ما قالت الكفار بتحريمها» (التفسير المظهري).. بمعنى أن الكفار قالوا بتحريم البَحيرة والسائبة وغيرهما من الحيوانات، فرد الله عليهم أنها ليست بحرام وإنما الحرام ما نذكره هنا. والحصر في مثل هذه الحالة لا يكون لبيان العدد الكلي، وإنما لبيان النوع.
وقال الآخرون أن هذا الحصر زماني، لأن هذه الأشياء حُرّمت أولاً، أما ما سواها فنزل به التحريم فيما بعد. ولكنه جواب يخالف الواقع، كما يدفعنا لاعتبار قول الله تعالى إنما منسوخًا، مع أنه لا نسخ في القرآن في أي كلمة منه.
وقد قال البعض الآخر مضطرًّا: إن الآية قد حصرت محرمات الأكل في الأربع المذكورة فقط، ولا شيء حرام سواها (الرازي، وروح المعاني)
وأقول: مما لا شك فيه أن الحصر يكون إضافيًّا أي نسبيًّا في بعض الأحيان، ولكنا نرى أن القرآن كلما تحدث عن محرمات الأكل قد حصرها في هذه الأربع فقط لا غير. لقد ورد هذا التحريم في الأماكن الأربعة التالية: سورة البقرة: 174، سورة المائدة:4، الأنعام: 146، وهنا في سورة النحل. وفي سورتَي الأنعام والنحل يكشف السياق أن الكافرين كانوا يحرمّون الأشياء ويحلّونها كيفما شاءوا، ولكن سورتي البقرة والمائدة خاليتان من أي ذكر كهذا، وإنما تناولت سورة البقرة هذه القضية خلال الحديث عن أعمال الخير، وأما سورة المائدة فذكرتها كموضوع مستقل من دون الإشارة إلى عادة الكفار في التحريم والتحليل؛ وأما هذه السورة أعني «النحل» فقد فصّل اللهُ فيها الحلالَ والحرام معًا. فما دام هذا الحصر موجودًا أيضًا في سورتَي البقرة والمائدة، من دون الحديث عن عادة الكفار في التحريم والتحليل.. فالقول بأن هذا الحصر إضافي ونسبي لا يبدو قولاً معقولاً.
أما الذين يرون أن الحصر زماني أي أن هذا التحريم نزل في البداية، ثم نزل التحريم بأشياء أخرى.. فلا يبدو رأيهم سليمًا كذلك؛ إذ لو كان هذا الحكم منحصرًا في السور المكية لأمكن التسليم بقولهم، ولكن الواقع أنه قد نزل في سورة البقرة أيضًا وهي سورة مدَنية ويمتد زمن نزولها حتى السنة الثالثة بعد الهجرة؛ كما نزل هذا الحكم في سورة المائدة أيضًا وهي من أواخر السور نزولاً. فما دام هذا الحكم بعينه مذكورًا في السور التي نزلت بعد الهجرة – وهي فترة قد نزل فيها التــــــــحريم بأشــــــــياء أخرى أيضًا – فثبـت أن رأيهم ليـس برأي ســليم.
أما الذين قالوا إن المحرمات تنحصر في هذه الأربعة فقط فأرى أنهم على حق في ذلك، إذ يستحيل تفسير الآية إلا بهذا المفهوم. وكان ابنُ عباس من الذين قالوا بهذا الرأي حيث سجل البخاري مذهبه هذا برواية جابر بن عبد الله. وهو مذهب ابن عمر أيضًا حيث ورد أنه سُــــــئل عن أكل القــنفذ، فتلا قُلْ لا أَجِد فيما أُوحي إلي محرّمًا … (الآية.) (أبو داود: كتاب الأطعمة، باب في أكل حشرات الأرض)
وأخرج ابن أبي حاتم وغيره بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها حين سُئلت عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السباع ومخلبٍ من الطير قالت: «قل لا أجد فيما أُوحي إلي محرّمًا…» (روح المعاني، سورة الأنعام، وتفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم، قوله تعالى: قُلْ لا أجد فيما أُوحي إلي).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ليس من الدواب شيء حرام إلا ما حرّم الله تعالى في كتابه: قُلْ لا أجد فيما أوحي إلى محرَّمًا… (المرجع السابق). وهذا هو مذهب الإمام مالك أيضًا.
أما السؤال: هل يجوز أكل كل ما سوى هذه المحرمات الأربع؟ فقد أجاب عليه بعض الأئمة بـ نَعَم. ولكني أرى أنه لا يجوز أكل بعض الأشياء، غير أننا لا يمكن أن نسمّيها حرامًا بمفهوم المصطلح الشرعي المعروف. فقد رُوي عن سلمان الفارسي قال: «سُئل رسول الله عن السمن والجبن والفِراء؟ قال: الحلال ما أحلّ اللهُ في كتابه، والحرامُ ما حرّم الله في كتابه» (ابن ماجة: كتاب الأطعمة، باب أكل الجبن). وأستدل بقول النبي هذا على أنه ليس لنا أن نطلق مصطلح الحلال إلا على ما سماه الله حلالاً، ولا مصطلح الحرامِ إلا على ما سماه الله حرامًا، أما ما بينهما من الأشياء فيكون حكمها تابعًا للحلال أو الحرام، وليس كدلالة النص. وهناك في سورة المائدة أيضًا إشارة إلى هذا الأمر حيث قال الله تعالى أُحلّتْ لكم بهيمةُ الأنعام إلا ما يُتلى عليكم (المائدة: 2).. أي أُحلت لكم الأنعامُ من البهائم إلا التي ذُكرت ضمن قائمة المحرمات. والأنعام أنواع مثل الإبل والمعز والشاة والبقر، فهذه حلال.
ثم قال الله تعالى حُرّمتْ عليكم الميتةُ والدمُ ولحمُ الخِنـزير وما أُهلَّ لغير الله به والمنخنِقةُ والمَوقوذةُ والمتردِّيةُ والنطيحةُ وما أكَل السَّبُعُ إلا ما ذَكَّيْتم وما ذُبِحَ على النُّصُب (المائدة:4).. أي أن هناك محرماتٍ إزاء هذه التي أُحلّت لكم وهي: الأول: كل ما أصبح ميْتًا وإن كان من الحيوانات التي هي حلال، والثاني: الدم وإن كان من الحيوان الحلالِ أكلُه، والثالث: لحم الخِنـزير، والرابع كل حيوان ذُكر عليه اسمُ غيرِ الله وإن كان من الحيوانات المباحُ أكلُها. ثم فصّل الميتةَ والدمَ أكثرَ فقال: والمنخَنِقةُ والموقوذةُ والمتردِّيةُ والنَّطِيحةُ وما أَكَلَ السَّبُعُ إلا ما ذَكَّيْتم .. لأنها ليست محرمات إضافية وإنما هي أقسام الميتة والدم. والمنخنقةِ: ما مات خنقًا، والموقوذةُ: ما مات نتيجة الضرب الشديد، والمتردِّيةُ: ما سقط مِن عَلٍ فمات، والنطيحةُ: ما نطحه حيوان آخر فمات.
وبعد هذا البيــــــان كله يقول الله تعالى لرسوله الكريم إن المسلمين
يسألونك ماذا أُحلَّ لهم (المائدة: 5). فلو كان قوله تعالى إنما حرّم عليكم المَيتةَ.. إلخ يعني أنه يجوز لكم أكل ما سوى هذه المحرمات الأربع فلم يكن ثمة داع لهذا السؤال بعد ذلك، لأنه سيصبح لغوًا. ولكن الله تعالى سجل هذا السؤال وردّ عليه بالرغم من بيان الحلال والحرام من قبل، مما يعني أن البيان السابق للحلال والحرام كان يكتنفه شيء من الغموض عند الصحابة فالتمسوا توضيح الأمر أكثر. والله تعالى أيضًا لم يردّ عليهم بأننا قد أخبرناهم بكل شيء، فلماذا يسألون مرة أخرى، بل سلّم بضرورة السؤال وأجاب عليه بقوله تعالى قُلْ أُحِلَّ لكم الطيباتُ (المائدة: 5).. أي أن كل ما سوى هذه المحرمات الأربع إذا كان طيبًا فهو حلال، وإلا فلا.
فثبت من ذلك أن ليس كل حلال بطيب، كما لا يجوز أكل إلا ما هو طيب، أما ما لا يتصف بالطِيب فلا يجوز أكله. ولكن لا يمكن أن نسمّيه حرامًا؛ وقد أشار الرسول أيضًا إلى هذا حيث قال: الحلال بيّنٌ والحرامُ بيّن وبينهما أمور مشتبهاتٌ لا يعلمها كثير من الناس. ألا وإن لكل ملِكٍ حِمًى، ألا إن حِمَى الله في أرضه مَحارمُه، وكما أن الراعي الحذر لا يرعى غنمه حول الحمى حتى لا تقع في الحمى وهو غافل عنها فيستحق العقاب، كذلك المؤمن لا يرعى نفسَه حول حمى المحرمات حتى لا يؤاخَذ.
فثبت أن هناك أشياء ما بين الحلال والحرام يشتبه على العامة أمرها، والحكم فيها يكون بالقياس والخبرة والمعلومات الطبية. ورغم أن هذه الأشياء المتشابهة بالحرام لا يمكن أن نسمّيها حرامًا، إلا أنه لا بد من تجنبها لأجل حصول التقوى.
والحكم نفسه يجري على كل ما يصنعه الناس من أشياء جديدة، فعلينا أن نقيسه بالحلال البيِّن والحرام البيِّن، فإن كان أشبَهَ بالحلال أكلناه، وإن كان أشبهَ بالحرام تجنبناه. ومثال ذلك التبغُ؛ فإن مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية سيدنا الإمام المهدي والمسيح الموعود لما سئل عن التبغ قال: إنه قد اختُرع حديثًا، ولكن نظرًا إلى تأثيره أرى أنه لو كان في زمن النبي لنهى عن تعاطيه (فتاوى المسيح الموعود ص 206).
الواقع أن الإسلام قد صنّف المأكولات درجات هي: حرام وممنوع، وحلال وطيب. والحرام ما حرّمه القرآن، والممنوع ما منع منه النبي وفقًا للمبادئ التي وضعها القرآن، أو ما وُجد بعد النبي وكَرِهَ المسلمون تناولَه بعد التحري والتجربة. والحلال ما هو طيب في وضعه الطبيعي، والطيب ما هو جيد في وضعه الحالي؛ بمعنى أن كل ما يجوز أكله في أية حالة فهو حلال، ومثاله لحم الكبش، ولكن بما أنه لا يمكن أكله نيئًا فلا يكون طيبًا وهو نيئ، ولكنه يصير طيبًا بعد الطهي. وأفضل الطعام ما هو طيب، ثم الحلال.

إذن فالطيّب هو ما لا يضر بصحة آكله، كما لا يؤدي أكله إلى سلب حقوق حواسه الأخرى أو حقوق غيره من الناس أو الحيوانات؛ بل من الضروري أن لا يؤدي أكله إلى تجريح مشاعر الآخرين

ثم هناك أشياء تندرج تحت الممنوع ولا يصح أكلها، فمثلاً في أيام الكوليرا إذا منع الطبيب من أكل الخيار فإنه لن يعود حينئذ طيبًا وإن كان حلالاً وطيبًا في الأيام العادية. والأشياء التي هي دون الحرام أي هي ممنوعة فنقول عنها إنه لا يصح أكلها.. بمعنى أن أكلها سيضر بصحة الإنسان.
ولنتذكر أن الله تعالى قد خلق الحيوانات المختلفة لأغراض مختلفة. فبعضها للزينة لأنه جميل الشكل، وبعضها للغناء لأنه حلو الصوت، وبعضها للأكل لأنه جيد اللحم، وبعضها للتداوي لأن لحمه شفاء لمرض من الأمراض. فيجب أن لا يؤكل لحم الحيوان لمجرد كونه حلالاً، فقد يكون هناك حيوان لا يمثّل لحمه خطرًا على صحة الإنسان، ولكن قد يكون فيه منافع أخرى أفضل؛ فمثلا إذا كان ذلك الحيوان يأكل الديدان التي تضر بالزروع أو بصحة الناس، فلن يعود طيبًا بالنظر إلى منافعه الأخرى هذه، بالرغم أن لحمه حلال وطيب أساسًا؛ لأن أكله سيؤدي إلى حرمان باقي الناس من فوائده العامة.
لقد عُلِّمتُ هذا الدرس منذ الصغر. فذات مرة رجعتُ إلى البيت بببغاء قمتُ بصيدها، فلما رآها أبي سيدنا الإمام المهدي قال لي: محمود، لحمها ليس بحرام، ولكن الله تعالى لم يخلق كل حيوان للأكل. فقد جعل بعضَ الحيوانات جميل الشكل لكي تتمتع العيون برؤيته، وخلق بعضها عذب الصوت لتتلذذ الآذان بألحانه المطربة.
إذن فقد جعل الله تعالى لكل حاسة من حواس الإنسان نصيبًا من المتعة الموجودة في هذه النعم الحيوانية، فلا ينبغي للإنسان أن يسلب الحواسَّ الأخرى ما يخصّها من المتعة ويعطيها للسان فحسب. هلا نظرت إلى الببغاء وهي جالسة على غصن الشجر؟ أليست هي جميلة حقًّا!
إذن فالطيّب هو ما لا يضر بصحة آكله، كما لا يؤدي أكله إلى سلب حقوق حواسه الأخرى أو حقوق غيره من الناس أو الحيوانات؛ بل من الضروري أن لا يؤدي أكله إلى تجريح مشاعر الآخرين، فقد قال النبي : «ما استخبَثَتْه العربُ فهو حرامٌ» (روح المعاني: سورة الأنعام). ولا يعني الحرام هنا أن آكله سيصبح آثمًا عند الله تعالى، وإنما المراد أنه يجب أن لا يأكله أمامَ العرب، لأن هذا سيؤدي إلى توتر العلاقات.
ولحم البقر أيضًا يندرج تحت هذا البند في هذه الأيام بالهند، فعلى المسلمين أن يأخذوا الحيطة والحذر في أكل لحم البقر أمام الهندوس، ولا يتحدثوا حتى عن أكله عندهم، لأن هذا يؤذي مشاعرهم.