• فلسفة الإحياء والتجديد الروحاني
  • حال العالم الراهنة
  • شيطان العنصرية ما زال يسكن بيننا
  • الدور الأوروبي في حفظ السلام في عالم متعدد الأقطاب
  • أيهما أدعى للقلق أكثر، الحرب النووية، أم التغير المناخي؟!
  • البريكسيت على قائمة الأزمات
  • قضية الهجرة والتوصيف المناسب
  • صفقة القرن، أهي صفقة حقا؟!

يوم السبت 06/07/2019، ألقى إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية، خليفة المسيح الخامس، حضرة ميرزا مسرور أحمد، خطابًا أمام أكثر من 1000 ضيف من كبار الشخصيات وكان ذلك في اليوم الثاني من الجلسة السنوية الرابعة والأربعين للجماعة الإسلامية الأحمدية في ألمانيا.

فيما يلي الترجمة العربية للخطاب الذي ألقاه حضرته بهذه المناسبة…

بعد التشهد والتعوذ والبسملة قال أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز):الضيوف الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاتهبدايةً، أود أن أنتهز هذه الفرصة لأشكر جميع ضيوفنا الذين جاؤوا لحضور الجلسة السنوية.الجلسة السنوية تجمعٌ ديني بحت، يجتمع فيه المسلمون الأحمديون من أجل تعزيز روحانياتهم وأخلاقهم، وزيادة معرفتهم الدينية. أصبح من عاداتنا، في جلستنا هنا في ألمانيا، عقد برنامج خاص مع ضيوفنا غير المسلمين والمسلمين غير الأحمديين، ونجتمع هنا لهذا الغرض الآن. ربما قد حضر بعضكم أحد برامجنا سابقًا، وبالتالي هم مطّلعون بالتالي على معتقدات الجماعة الإسلامية الأحمدية، ولكن، لا بد أن هناك ضيوفًا آخرين ينضمون إلينا للمرة الأولى للتعرف إلى جماعتنا ومعتقداتنا ونشاطاتنا..

فلسفة الإحياء والتجديد الروحاني

يدرك الآن مثل هؤلاء الضيوف أن جماعتنا تأسست من أجل إصلاح الإنسانية الروحي مصداقًا لنبوءة مؤسس الإسلام، الرسول الكريم المتعلقة بآخر الزمان. إنها ظاهرة طبيعية لا يقتصر ظهورها على المؤسسات الدنيوية، بل على المجتمعات الدينية أيضًا، تتلخص في أن أتباع معتقدٍ ما يبدؤون بمرورِ الوقت في الانحراف عن تعاليمه الأصلية والابتعاد عن معتقداته الأساسية، ونتيجة لذلك، يأتي زمان على الجماعات الدينية تحتاج فيه إلى الإحياء. وإلا، فسوف تموت في النهاية أو تتحول إلى شيء مغاير تماما لما كانت عليه في حالتها الأصلية.

إننا نؤمن بأنه حين يتعلق الأمر بالجماعات الدينية، فإن من سنة الله تعالى أن يرسل مبعوثيه لإصلاح وتوجيه الناس نحو معتقداتهم وممارساتهم الأصلية لبقاء تعاليمها الأصلية حية. وفيما يتعلق بالإسلام، نؤمن أن الرسول محمدًا هو آخر نبي تشريعي أُرسل من الله تعالى. ثم في أواخر القرن التاسع عشر، ومن أجل إحياء واستعادة الإسلام الذي علَّمه ومارسه، أرسل سبحانه وتعالى مصلحًا في شخص مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية. وهكذا، فإننا نؤمن أن مؤسس جماعتنا هو المسيح الموعود والإمام المهدي، وكان هدفه الأساسي إحياء تعاليم الإسلام الحقيقية وإعادة البشرية إلى الله تعالى.

تواصل الجماعات الإرهابية ممارسة العنف وسفك الدماء من أجل تحقيق مصالحها الخاصة. كما تستخدم بعض المنظمات «الدينية» زورًا اسم الدين لتبرير تطرفها، بينما يكون هدفها الحقيقي حيازة الثروة والسلطة.

حال العالم الراهنة

بعد هذه المقدمة الموجزة عن جماعتنا، أود الآن التحدث عن حال العالم الراهنة. إن من الطبيعة الإنسانية أن يرغب المرء في العيش بحرية واستقلال وراحة. ومن الطبيعي أن نتوق إلى حياة يسودها السلام والرضا وتكون خالية من جميع أشكال الصراعات. يتطلع الجميع إلى العيش في مكان يسوده السلام والأمن.. ويرغب كل إنسان في أن تكون قريته أو بلدته أو مدينته متآلفة وآمنة.. يريد الجميع أن تنعم بلادهم بالسلام، وأن تزدهر وتتمتع بكل ما من شأنه جعل الحياة رغيدة.

باختصار، يرغب الناس بطبيعتهم في أن يكون العالم بأكمله آمنًا، ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الرغبة الفطرية في السلام، إلا أن الواقع يقول بنقيض ذلك، فالانقسام والاضطراب والصراع امتد إلى كافة بقاع العالم. على سبيل المثال، هناك دولٌ تمزقها الحروب الأهلية، وتقاتل الجماعات المتمردة فيها بعضها بعضًا، أو يتم فيها استهداف الدولة. وفي بعض البلدان، تقوّض الخصومات المريرة والأعمال العدائية -بين سكان مختلف المقاطعات أو المناطق- السلامَ في مجتمعاتها. علاوة على ذلك، ظهر مؤخرا في بلدان المهجر، حقدٌ وبُغْضٌ أبداه المواطنون الأصليون تجاه المهاجرين. لقد باتت المجتمعات الممزقة أكثر تمزقا، وهي تنحدر بسرعة نحو هُوَّة الانهيار، حيث تهدد القلاقل بالانفجار في أي وقت. وعلى المستوى الدولي، تتنافس مختلف الدول مع بعضها البعض في محاولة لبسط النفوذ والسيطرة. ومن أجل نيل القوة الاقتصادية أو الجغرافية أو السياسية، أو من أجل إجبار من لديهم قيم أو معتقدات مختلفة على الانصياع لإرادتهم، تقع الحروب الجائرة.

على سبيل المثال، بدأت الحروب الاقتصادية والتجارية من أجل تأكيد الهيمنة وإعاقة نمو الدول المتنافسة. وعلاوة على ذلك، فإن العالم ملطخ بوصمة عار جرَّاء الحرب التقليدية التي تستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل المدمرة لسحق الأمم وللقضاء على أمل الأجيال القادمة في المستقبل. في سعيهم الأناني للثروة والسلطة، تُدمر بلا هوادة آفاق شباب اليوم من خلال تيار لا ينتهي من الظلم الدائم والقسوة الوحشية.ما نشهده اليوم هو حالة من الشعور بالخطر المُكتنفة باليأس، وهذا الخطر بات ملموسا جدًا وهو ما يهدد في أي لحظة بالتحول إلى كارثة عالمية حقيقية تفوق عواقبها الوخيمة تصوراتنا بكثير. باختصار، من الصعب تحديد أي بقعة من العالم يمكن تصنيفها على أنها آمنة وبمنأى عن الشقاق والخلاف. في كثير من الأحيان، تستخدم بعض القوى الكبرى قوتها وثروتها لإجبار الدول الأضعف على الامتثال لإرادتها. حتى إن بعض الدول الأقل قوة، تقوم مدعومة من حلفاءٍ أقوياء، باستخدام وسائل مجحفة ضد البلدان المجاورة لها من أجل تأكيد هيمنتها الإقليمية.بالإضافة إلى ذلك، تواصل الجماعات الإرهابية ممارسة العنف وسفك الدماء من أجل تحقيق مصالحها الخاصة. كما تستخدم بعض المنظمات «الدينية» زورًا اسم الدين لتبرير تطرفها، بينما يكون هدفها الحقيقي حيازة الثروة والسلطة.

شيطان العنصرية ما زال يسكن بيننا

وعلى نحوٍ مطَّرِد، يشكل اليمين المتطرف تهديدًا خطيرًا وشنيعًا لسلام ورفاهية أوروبا وبقاع أخرى من العالم. تنادي أحزاب اليمين المتطرف، باسم القومية، بوضع حدٍ لمجتمعات التعددية الثقافية المعاصرة، وتسعى بدلاً من ذلك إلى فرض أيديولوجياتها العنصرية والمتحيزة على المجتمع. ومن أجل حماية ما يعتبرونه نقاءَ عرقهم، يستهدف المتعصبون بشراسة ووحشية المهاجرين الذين عاش الكثيرون منهم بسلام في بلدانهم الجديدة لعقود، وساهموا في نجاحها كمواطنين مثاليين.بالإضافة إلى ذلك، وبغض النظر عن المبادئ الأساسية للأخلاق والعدالة، لا تدخر بعض الدول أو المجموعات جهدًا في سعيها للسيطرة على الأسواق المالية والمصالح التجارية في العالم من أجل ثرائها الشخصي على حساب الآخرين. باختصار، كما قلت آنفًا، فإن الصراع متفشٍ في جميع أنحاء العالم، وهو ظاهرٌ للعيان في كل مستوى من مستويات المجتمع. وبالتالي، وعلى الرغم من رغبتنا الفطرية في أن يسود السلام، إلا أننا نرى عكس ذلك.

وشهد شاهد من أهلها

لقد أعربت عن قلقي بشأن الحالة المتدهورة في العالم منذ عدة سنوات، والآن، يرفع آخرون على نحو مُتَنَامٍ أصواتهم معبرين عن مخاوفهم بشأن افتقار العالم إلى السلام والأمن. وسأذكر الآن تصريحاتٍ حديثة أدلى بها بعض الخبراء السياسيين والساسة والمحللين الذين يؤكدون علنًا مخاوفهم ويدعون إلى ضبط النفس واتخاذ التدابير الإصلاحية العاجلة من أجل حماية السلام والأمن في العالم.

على سبيل المثال، في مقال نشرته حديثًا صحيفة نيويورك تايمز، كتب السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة، فرانسوا ديلاتر، ما يلي:

«قادتني تجربتي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خلال السنوات الخمس الماضية إلى رؤية حقيقة مُرّة مفادها أن العالم بات في وضع أكثر خطورة ويصعب مع مرور الوقت التنبؤ بما سيجري فيه، وفي حين أن الأرض تتزلزل تحت أقدامنا، مدفوعة بتأثير كل من الثورة التقنية ونهوض الصين، فإننا نشهد أيضًا عودة التسابق اللاهث بين القوى الكبرى، نحن الآن في اضطراب عالمي جديد».

تدعي القوى الكبرى أنها تُحسن التصرف من أجل الحفاظ على الوضع الراهن أو إقامة نظام عالمي جديد ومحسّن، ولكن هنا يشهد دبلوماسي غربي كبير كشاهد من أهلها، يشهد على الأعمال الداخلية للعلاقات والسياسة الدولية، ويعترف علانية بما يناقض ما يظهرونه، وأن كل ما يقومون به هو قيادة العالم نحو «اضطراب عالمي جديد».وقال السفير الفرنسي أيضًا:

«يمكن لكل أزمة دولية حادة أن تخرج عن نطاق السيطرة، وهذا ما رأيناه يحدث في سوريا وما نريد الحيلولة دون حدوثه في إيران وكوريا الشمالية، وبحر الصين الجنوبي».

بينما صحيح أن سوريا وإيران دولتان مسلمتان، فليس لكوريا الشمالية ولا البلدان المتورطة في نزاع بحر الصين الجنوبي أية صلة بالإسلام، وبالتالي لا يمكن القول بأن اضطراب العالم قائم فقط حول المسلمين أو الدول الإسلامية، كما يُنظر إلى الأمر غالبا.

الدور الأوروبي في حفظ السلام في عالم متعدد الأقطاب

في المقال المذكور، تحدث السفير الفرنسي أيضًا عن دور أوروبا الحاسم في الحفاظ على سلام العالم، وقال أيضًا:

«قناعتي هي أن أوروبا تتحمل المسؤولية التاريخية والوسائل اللازمة لتصبح واحدة من مراكز العمل والتأثير الرئيسية في عالم متعدد الأقطاب، من واجب أوروبا أن تعمل كحلقة وصل، وكقوة موازنة للعالم»

التقيت قبل فترة بسياسي ألماني يعمل في منظمة أنشأتها الحكومة الألمانية لمدّ الجسور بين المهاجرين الوافدين والشعب الألماني المحلي، ونصحته بأن حل القضايا المطروحة ليس مسؤولية ألمانيا وحدها أو أية دولة أخرى وحدها، بل يتعين على جميع الدول الأوروبية العمل معًا وبروح الوحدة إذا أرادوا تحقيق السلام الدائم.

وفي مقالٍ كتبه مؤخرًا الأستاذ نورييل روبيني، الذي كان كبير خبراء الاقتصاد في الشؤون الدولية في البيت الأبيض أثناء إدارة كلينتون، عن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. قال البروفيسور روبيني:

«إن العواقب العالمية للحرب الباردة الصينية الأمريكية ستكون أشد من عواقب الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي».

ويقول الأستاذ روبيني كذلك:

«وبالتالي، يمكن أن تؤدي الحرب الباردة الواسعة النطاق إلى مرحلة جديدة من مناهضة العولمة والوافدين المهاجرين، أو على الأقل إلى تقسيم الاقتصاد العالمي إلى كتلتين اقتصاديتين غير متوافقتين. وفي كلتا الحالتين، ستُمنى عملية تجارة السلع والخدمات وتداول رأس المال والعمالة والتكنولوجيا والبيانات بقيود صارمة»

يقدم هذا المقال نظرة فاحصة على بعض الآثار غير المرغوب فيها للحرب التجارية والاقتصادية بين القوى العظمى في العالم. وعلى الرغم من أن اتفاقًا تم التوصل إليه مؤخرًا بين الصين والولايات المتحدة، لكن دعونا نرى إلى أي مدى يكون ذلك مثمرًا!

أيهما أدعى للقلق أكثر، الحرب النووية، أم التغير المناخي؟! وفي حين أن مثل هذه الحروب التجارية متهورة وغير عقلانية، فإن قلقي الأكبر هو من أن احتمال اندلاع حرب نووية يظل احتمالا قائما. إن العواقب الوخيمة والموجعة لهذه الحرب لا يمكن تصورها وستمتد بالتأكيد إلى الأجيال القادمة. يسلط الآخرون أيضا الآن الضوء أكثر فأكثر على هذا الخطر. ففي مقال في بلومبيرغ، كتب البروفيسور تايلر كاوين، أستاذ الاقتصاد بجامعة جورج ميسون:

«واحدة من أكثر الحقائق إثارة للدهشة في عالم اليوم هي أن الشباب لا يَبْدُون قلقين كثيراً بشأن الحرب النووية. وشاغلهم الأكبر هو تغير المناخ، في حين يُنظر إلى الحرب النووية على أنها تهديدٌ من الماضي… وعلى النقيض من ذلك، أنا أميل إلى الاعتقاد بأن خطر الحرب النووية ما زال يمثل المشكلة الأولى في العالم، حتى لو لم يبدُ هذا الخطر وشيكًا في يوم معين»

ثم مضى إلى القول بأن بعض الدول الأصغر قد حازت أسلحة نووية، بينما تسعى دول أخرى لحيازتها وبالتالي فإن خطر الحرب النووية في تصاعد مستمر. وذكر بجدية أن الأمر يتطلب فقط أن تطلق دولة أو مجموعة واحدة صاروخًا نوويًا ليتغير العالم إلى الأبد.

توصلت دراسة استقصائية حديثة نشرتها دويتشه فيله إلى أن القضية التي يهتم بها الألمان أكثر من غيرها هي تغير المناخ، لكنني شخصيًا أتفق مع رأي الأكاديمي المذكور آنفًا بأن خطر الحرب، وخاصة الحرب النووية، هو القضية الأكثر إلحاحًا في عصرنا.

وفي وقت سابق من هذا العام، أعرب وزير الخارجية الألماني السابق، سيغمار غابرييل، عن قلقه من انتشار الأسلحة النووية، وذكر أن كلا من الولايات المتحدة وروسيا والصين متورطة الآن في سباق تسلح نووي محموم جديد وأن من المحتمل أن تتمركز الصواريخ النووية في أوروبا من قبل الولايات المتحدة وروسيا وأنه في مثل هذا السيناريو، سيُنظر إلى الضرر الذي يلحق بالدول الأوروبية على أنه مجرد «أضرار جانبية» في سعي حثيث لتحقيق التفوق النووي. علاوة على ذلك، تتصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وهناك تكهنات قوية باحتمالية نشوب حرب بينهما. لا أحد يستطيع الادعاء بجدية ما إن كانت الحرب المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران هي حرب دينية. على النقيض تماما، إنها نموذج واضح للتلويح بالقوة غير المسؤولة والعداء غير المبرر، والذي يعرّض حياة ملايين البشر للخطر.

لاحظ المحللون السياسيون أنه إذا نشبت حرب بين الولايات المتحدة وإيران، فلن يقتصر تأثيرها على البلدين، بل سيمتد ذلك التأثير ليطال بقاعًا أبعد من ذلك بكثير. بالتأكيد، سوف تتأثر ألمانيا ودول أوروبية أخرى بالتداعيات المدمرة لهذه الحرب. وبالتالي، يجب على حكومة ألمانيا والدول الأوروبية الأخرى أن تأخذ بزمام المبادرة في الحث على ضبط النفس ووقف التصعيد.

علاوة على ذلك، وبعد عقدٍ من الأزمة المالية العالمية، ينبغي على الدول الأوروبية ألا تعتقد أن اقتصاداتها الوطنية آمنة أو أن النظام الرأسمالي يزدهر، فحتى الخبراء والاقتصاديون الغربيون يقرُّون بأوجه القصور في نظامهم المالي.على سبيل المثال، كتب الخبير الاقتصادي الشهير بول كيرنز في مقال نُشر مؤخرًا في مجلة «إيكونوميا»، ما يلي:

«لقد استفدنا جميعًا من الرأسمالية، لكنه نظام يجب إعادة تصميمه الآن لشفاء نفسه. يجب أن يكون مدفوعًا بشكل صريح بالقيم المجتمعية وليس بالربح»

وبالتالي فالنظام الرأسمالي آخذٌ في فقدان مكانته ببطء، ويدرك الناس أن هناك مخاطر وظلمًا متأصلاً فيه. يجب ألا تفترض الدول الأوروبية والقوى الكبرى الأخرى أن نظامها الاقتصادي سيظل محتلًا مكانة بارزة إلى الأبد، بل عليها العمل على دعم العدالة والمساواة النظام المالي العالمي.

لا أحد يستطيع الادعاء بجدية ما إن كانت الحرب المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران هي حرب دينية. على النقيض تماما، إنها نموذج واضح للتلويح بالقوة غير المسؤولة والعداء غير المبرر، والذي يعرّض حياة ملايين البشر للخطر.

البريكسيت على قائمة الأزمات

وهناك أمر آخر يُسهِم في جو الارتياب الذي يسود أوروبا، وهو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وما قد يترتب على ذلك الخروج من تداعيات محتملة. في الآونة الأخيرة، استشهدت «دويتشه فيله» بدراسة توضح ما قد يعانيه الاتحاد الأوروبي كله من آثار ضارة تنجم عن أزمة البريكسيت. ذكر التقرير أن ألمانيا سوف تتأثر بشكل خاص جراء «خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي المستقر» ويمكن أن يتسبب هذا ببساطة في أضرار واسعة النطاق تطال صناعات السيارات والتكنولوجيا في ألمانيا وأنه في ألمانيا وحدها، من المحتمل فقدان 100000 وظيفة.

قضية الهجرة والتوصيف المناسب

هناك مشكلة أخرى كانت سبب الإحباط وتم استخدامها مرارًا وتكرارًا للتحريض على الفتنة في العديد من أنحاء العالم، بما في ذلك هنا في ألمانيا، وهي الهجرة. على الرغم من كونها قضية خلافية، فإن الحقيقة هي أن الهجرة في الواقع ضرورة لا غنى عنها للاقتصادات المزدهرة.

على سبيل المثال، وجدت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة برتلسمان أنه من أجل تلبية الطلب الأساسي على العمالة في ألمانيا، كان هناك حاجة إلى 260000 مهاجر سنويًا للانتقال إلى هذا البلد للحيلولة دون تقلُّص حجم العمالة.ويستطرد التقرير بالقول إنه بسبب بلوغ شريحة كبيرة من السكان سن الشيخوخة، من المرجح أن تتقلص قوة العمل في ألمانيا بمقدار الثلث، أو 16 مليون شخص، وذلك بحلول عام 2060، هذا في حال تبني الموقف الحالي المناهض للهجرة. وبالتالي، فإن إلقاء اللوم في جميع مشاكل البلد على المهاجرين أمرٌ مجافٍ للإنصاف تماما، والحقيقة هي أن العديد من الدول الغربية الغنية ستتعرض لأزمة كبيرة دون الهجرة. والحقيقة هي أن جميع الدول تعتمد على بعضها البعض وأننا نعيش الآن في عالم تزداد عرى الترابط فيه وثوقا بفضل العولمة. فبدلاً من السعي لبناء الحواجز أو عزل أنفسنا، من الضروري أن تتعاون الشعوب والدول من شتى الخلفيات وأن يعملوا من أجل الصالح العام، وينبغي للحكومات أن تضع خططًا مناسبة لضمان العمل المتناغم للدول مع بعضها البعض، وأن يتم على المستوى المحلي مساعدة المهاجرين على الاندماج.

النظام الرأسمالي آخذٌ في فقدان مكانته ببطء، ويدرك الناس أن هناك مخاطر وظلم متأصل فيه. يجب ألا تفترض الدول الأوروبية والقوى الكبرى الأخرى أن نظامها الاقتصادي سيظل محتلًا مكانة بارزة إلى الأبد، بل عليها العمل على ضمان أن تدعم العدالة والمساواة النظام المالي العالمي.

صفقة القرن، أهي صفقة حقا؟!

على مدى عقود، كان الوضع في الشرق الأوسط متقلبًا ومهيجًا. لقد باءت بالفشل خطط السلام التي لا حصر لها والتي تسعى إلى تسوية تفاوضية بين إسرائيل وفلسطين. في الآونة الأخيرة، كانت هناك تكهنات عديدة بخطة سلام جديدة يقال إنها وُضعت من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. ومع ذلك، وحتى قبل الكشف عنها رسميًا، يقول السياسيون والخبراء إن الخطة الجديدة متجذرة في الظلم وبالتالي لن تحقق أية نتائج إيجابية. في الواقع، قبل تقاعده الأخير كسفير فرنسي لدى الولايات المتحدة، صرح جيرارد آراور أن الخطة «محكومٌ عليها بالفشل».

وبالتالي، فإن صرح السلام العالمي يتم تقويضه بتأثير عوامل شتى، كالسياسات العوراء للساسة والحكومات التي تعطي الأولوية لمصالحها الشخصية والقومية، وتقدمها على العدالة والإنصاف. مثل هذا الظلم لا يمكن أن يؤدي بحال إلى السلام والازدهار. إن الدراسات والمقالات المختلفة التي نقلتُ عنها توضح أن أصابع اللوم على افتقار العالم إلى السلام والأمن لا يمكن رفعها في وجه أي دين، سواء كان الإسلام أو غيره، بل هناك عدد لا يحصى من القضايا الاقتصادية والجغرافية والسياسية والاجتماعية والتي تُسهم جميعها في تقويض سلام العالم.

سبيلُ الخلاصِ الوحيدُ

في هذه اللحظة الحرجة من التاريخ، أؤمن إيمانا راسخا بطريق واحد فقط لوضع حدٍ للتحديات الكبرى في عصرنا. هذا الطريق الوحيد يقودنا إلى الخلاص وينجينا من عالم الحرب والصراع، إنه طريق الله تعالى. لا يكمن السلام في السلطة أو الثروة، بل في التعلُّق بأهداب الله عز وجل، وبالتالي فإن ضرورة الوقت تكمن في تعلُّق الإنسان بربه عز وجل، إن الله تعالى يريد من عباده، الذين هم أفضل خلقه، أن يعيشوا بسلام ويؤدوا حقوق بعضهم البعض. إن القرآن الكريم، الذي هو كتاب المسلمين المقدس والمصدر الأول للشريعة الإسلامية، الذي أنزله الله تعالى، حسب معتقداتنا، على النبي محمد ، ونحن نعتبره الشريعة الأخيرة التي ستدوم حتى يوم القيامة. فيه يقول الله عز وجل إنه عندما يعم الانقسام والاضطراب جميع أنحاء العالم، فإن السبب الجذري هو البعد المتزايد بين البشر وخالقهم. في مثل هذه الأوقات، عندما يتجه العالم نحو حافة الهاوية، فإن الله بفضله ورحمته، يرسل مرسليه ومأموريه لإعادة البشرية إلى الدين.في العصور القديمة، بُعث الأنبياء في بقاع مختلفة من العالم لتوجيه وهداية أقوامهم. ثم أرسل الله سبحانه وتعالى، وفقًا لإيماننا، النبي محمد بتعليمٍ شاملٍ ودائم من أجل الإصلاح الروحي والأخلاقي للبشرية جمعاء.

كما ذكرت في البداية، نحن المسلمين الأحمديين نؤمن أنه في هذه الحقبة، أرسل الله سبحانه وتعالى مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية كمصلح لتوجيه البشرية ولإلقاء الضوء على تعاليم الإسلام الحقيقية التي تم تحريفها وإغفالها مدة طويلة. لقد أُرسل ليُظهر للمسلمين وغير المسلمين على حد سواء أن الإسلام دين السلام والمصالحة والإخاء والصداقة وأن الله عز وجل يحب أن يعيش الناس في سلام وأن يفوا بحق خالقهم وحقوقهم تجاه بعضهم لبعض.

شدد المسيح الموعود مرارًا وتكرارًا، على أنه لا يمكن أداء حق الله دون أداء حقوق خلقه. في الواقع، فإن القرآن الكريم يذهب إلى حد القول إن صلوات وعبادة أولئك الذين لا يوفون بحقوق خلق الله لا قيمة لها وسوف يردها الله تعالى. دعا المسيح الموعود البشر إلى البحث عن ملجأ في ظل الله تعالى، لكي ينجو من كافة أشكال الحرب والخطر. ولكنه حذر أيضًا من أنه إذا فشلت البشرية في أداء واجباتها في معرفة خالقها، فإنها ستكون في خطر كبير. وقال: لن تكون أوروبا وأمريكا في مأمن من الدمار، وكذلك آسيا أو أستراليا أو الجزر أو أي جزء آخر من العالم، مهما بلغت من القوة والثروة.

في ضوء ذلك، فإن أدعيتي القلبية هي أن تعرف البشرية خالقها وتتجه نحوه، بدلاً من تحديق النظر إلى هذا العالم المادي وملذاته ووسائل الراحة على أنها الغاية من الوجود. فإنني آمل وأدعو الله أن تتفهم شعوب العالم واجباتها تجاه خالقها ونحو إخوانها من البشر حتى يصبح العالم ملاذًا للسلام الذي نتوق إليه جميعًا ونرغب فيه بفطرتنا.أدعو الله أن نكون أسوة حسنة لأولئك الذين سيأتون بعدنا، حتى تسعى الأجيال القادمة للعيش بسلام، بدلاً من العمل على إشعال المزيد من فتيل الصراع والانقسام الذي أُغلقت بوجهه جميع الطرق المؤدية إلى الرخاء والنجاح.أدعو الله أن تنقشع غيوم الحرب والعداوة السوداء المظلمة التي تخيم فوق رؤوسنا وأن يتم استبدالها بسماء زرقاء أبدية من السلام والازدهار في جميع أنحاء العالم.

أدعو الله أن يوفق البشرية لإنقاذ نفسها من الكارثة الوشيكة بالإنابة إلى الله تعالى قبل فوات الأوان، آمين.

في الختام، أود أن أشكركم مرة أخرى على انضمامكم إلينا هذا المساء، شكرًا جزيلًا لكم.