الكِبرُ والاستعلاء وقدر السماء

التحرير

  • معيار ترقي الأمم وانهيارها روحانيا
  • ملكوت الله ونزعة الكبر
  • الأمة الإسرائيلية والأمة المحمدية.
  • التفسير الحرفي والخرافي يدعمهما الكبر
  • الإسلام لمن هو أهل له.

لا شك أن أهم محطة نتوقف عندها لدى دراسة تاريخ الديانات هي محطة الكبر والاستعلاء. فغالبا ما ينشأ هذا الشعور بعد أن يصطفي الله أمة ما لحمل رسالته، فبعد أن تجني ثمرات الاتباع من مجد ديني ودنيوي ينشأ فيها بعد مرور حين من الدهر نزعة الكبر والاستعلاء. ولم تخفى خبايا هذا السم القاتل على المولى عز وجل حيث نبَّه أول ممثل لسلطته على الأرض سيدنا آدم أن لا يقرب هو زوجه تلك الشجرة الخبيثة لأنها رمز الخلود إلى الأرض وتدفق نزعة الكبر والاستعلاء.
ولدى تدبرنا في تداعيات هذه النزعة ترتسم في أذهاننا صورة على أنها أول مسمار يُدقُّ في نعش مجد الأمة وبداية نهايتها. ثم تصبح الحائل دون تطورها ودون مواكبتها للظروف والمتغيرات التي لا بد من مواجهتها. وتحديدا هذا ما حدث مع بني إسرائيل الذين رأوا أنفسهم أبناء الله وأحباءه وأنهم أفضل بني الإنسان، وبالتالي فإن باقي خلق الله لا يساوونهم في الاحترام والتبجيل بل خُلقوا لكي يكونوا خداما لهم فحسب. وكانت نتيجتها تمكن هذه النزعة منهم فنُزع ملكوت الله منهم وأُعطى لأمة تعمل أثمارها، وغادرتهم رسالات الله إلى الأبد وأرسل الله عليهم من يذيقهم سوء العذاب نتيجة استكبارهم ومكرهم السيء الذي لا يحيق إلا بأهله. ولقد ثبت تاريخيا أن الاستكبار يعمي الأبصار ولا يدع الناس ينظرون إلى الأمور بمنظور الحق والعدل، فتفوتهم فرص عديدة للتطور واتباع أحسن الأمور، لأنهم يعتقدون أن أحسن القول قولُهم وأحسن الأفعال فعلُهم. فتجدهم ينغلقون على أنفسهم ويعيشون على ذكريات مجدٍ بادَ. ولا شك أن هذا هو حال الأمة الإسلامية بشكل عام والأمة العربية بشكل خاص، وها هي سنة الأولين تمضي فيهم. فالعرب يرون أن الإسلام الذي أكرمهم الله به هو ملك خاص بهم وهم أعلم الناس به. ولسان حالهم يعلن أن النبي عربي والقرآن عربي فمن ذا الذي يعرف الإسلام مثلنا؟! ويرون أن باقي المسلمين مساكين لا يفهمون القرآن ولا الإسلام، فأنَّى لهم أن يُفهموا ويُعلموا العربَ وهم أهله وقومه، وهم من اصطفاهم الله على باقي الشعوب. وهكذا تحقق فيهم وعد المصطفى :

«لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ».

وهكذا نزع الله من أيديهم الريادة في خدمة دينه لتكبرهم واستعلائهم على إخوانهم، ونزل قرار من الحضرة الأحدية ببعث الإسلام من جديد في أقصى أرض الإسلام ليعلم العرب أن هذه الشمس التي قدر الله لها أن تشرق من عندهم ستشرق من عند غيرهم إذا لم يحاولوا من جديد إنارتها بزيت دماء قلوبهم التي علاها صدأ الاستكبار والزهو المبني على أسس أمجاد أجدادهم الذين كانوا يحملون الدين الحق الذي لم يبق منه عندهم سوى اسمه.
أما باقي المسلمين فلا يختلفون كثيرا عن إخوانهم العرب حيث إنهم يعتقدون أن هداية باقي شعوب العالم واجب مقدس لأنهم بالمفاسد يجاهرون ويعبدون من دون الله آلهة عديدة وبالتالي فإن واجبنا المقدس يحتم علينا إدخالهم في الإسلام طوعا أو كرها حيث سيكون لنا جيش عظيم سيرغم من يرفض قبول الإسلام على دفع الجزية.

ولا شك أن كلا التصورين نابع من تأويل حرفي لنبوءات عديدة ومن نظرة استعلائية سخيفة ساهم الاستكبار والانغلاق الفكري في تعميقها. ولقد أدى هذا الوضع المتدني إلى تحرك قدر السماء في أجواء فساد التربية الفكرية والعقدية لدى المسلمين فتدخلت سنة الله الأبدية لإنقاذ الإنسانية…

ولا تتوقف قائمة الحالمين إلى هذا الحد بل إن هنالك شريحة كبيرة من المسلمين يعتقدون بنزول المسيح بن مريم ليكسر الصلبان ويطارد الخنازير ويقتلها وبالتالي يظهر الإسلام على سائر الأديان. ولا شك أن كلا التصورين نابع من تأويل حرفي لنبوءات عديدة ومن نظرة استعلائية سخيفة ساهم الاستكبار والانغلاق الفكري في تعميقها. ولقد أدى هذا الوضع المتدني إلى تحرك قدر السماء في أجواء فساد التربية الفكرية والعقدية لدى المسلمين فتدخلت سنة الله الأبدية لإنقاذ الإنسانية وذلك بأن تظهر شمس الإسلام من جديد عند أقوام لطالما حاربوا الإسلام عندما كانوا يحملون عقلية المسلمين الحالية. وها هم اليوم بعد أن ذاقوا الأمرَّين من أعمال قساوستهم الشنيعة البعيدة كل البعد عن روح الدين قد أصبحوا ملاحدة كارهين له. وكما لا يخفى على اللبيب المطلع فإن الأرضية الفكرية والعقدية في بلاد المسلمين اليوم تشبه الأرض التي مُلئت بالنباتات الطفيلية والأشواك الخطيرة من جراء تبنّي فكر إرهابي دموي فتاك. أما التربة الفكرية والعقدية للملاحدة الغربيين فإنها تنعم بالحرية الفكرية والعقدية وتتواجد في أجواء الديمقراطية وبالتالي فإنها تُوفر الإطار المثالي لظهور شمس الإسلام ثانية. ولا شك أن ما يحدث بهذا الصدد ما هو إلا تحقق لنبوءة المصطفى حول ظهور الشمس من المغرب لدى قيام الساعة أي ساعة ظهور دين المصطفى على سائر الأديان.
فما على المسلمين إن أرادوا الحصول على شرف خدمة الدين أن يسارعوا وينخرطوا في هذه الجماعة الناجية كي يكون لهم حظ في إشراقة الإسلام الثانية. وأما المعارضون مثل أعوان قريش وساداتها فليعلموا أنهم لن يستطيعوا إطفاء نور الله بأفواههم، وهم إذا أزالوا غطاء الاستعلاء والجهل عن عقولهم وعيونهم سيبصرون هذا النور وستنار بصيرتهم، فطوبى لمن أدركه ونال منه.
جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد المصطفى وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.

Share via