• تلعب قوى الإنسان دوارا هاما في استعاب كلام الله.
  • ينظر الله إلى نية الإنسان ثم إلى عمله وبعدها يتخذ القرار.
  • ماهية الروح في القرآن الكريم

وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (الإسراء 83)

شرح الكلمات:

خسارًا: خسِر الرجلُ في بيعه: ضدُّ ربِح؛ وخسِر الرجلُ: هلَك (الأقرب).

التفسير:

وهذا يعني أن الشيء الواحد يمكن أن يُرى بصور مختلفة من زوايا مختلفة، ويُرى بحسب فطرة الإنسان الناظر إليه. ومهما بلغ كلام ما من السمو والرفعة فإن صاحب القلب النجس سوف يراه كلامًا نجسًا. وإنني أُصاب بالدهشة حين أرى أن الباندت ديانند لا يجد في القرآن الكريم إلا العيوبَ والمثالب فقط، ولا يجد فيه أي مزايا ومحاسن (ستهيارت بركاش طبعة أردية باب 14). وهذا ما يؤكده الله هنا بأن الظالمين يعيبون القرآن الكريم، فيزدادون إثمًا على آثامهم السابقة. وهناك مفهوم آخر لهذه الآية في رأيي، وهو أن المراد من «القرآن» هنا ذلك الجزء الخاص منه الذي فيه أنباء عن نجاح المؤمنين وهلاك الكافرين. فالله تعالى يخبر هنا أنه قد آن الأوان لتحقيق هذه الأخبار، لتندملَ جروح المؤمنين وتُشفَى قلوبهم الدامية، وتتيسر لهم أسباب الرقي، وليزداد الكافرون خسارًا ودمارًا.

وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (الإسراء 84)

شرح الكلمات:

نَأَى: بَعُدَ (الأقرب). فالمراد من قوله تعالى نَأَى بجانبه أنه أبعدَ جانبَه.يَؤُوسًا: اليؤوسُ: القَنِطُ (الأقرب).

التفسير:

يقول الله تعالى: هناك بون شاسع بين المؤمن والكافر. لقد تعرض المسلمون لأنواع المحن والشدائد ثلاث عشرة سنة على التوالي. لقد ضُربوا وعُذِّبوا، ومع ذلك لم يتأفَّفوا. وأما الكافرون فلن يلبثوا أن يستسلموا وييأسوا حين يحيطهم العذاب وتتيسر للمؤمنين أسباب الغلبة والازدهار. ذلك أن الكافر لا يؤمن بالله تعالى، فيستولي عليه الذعر لدى أدنى ضرر يصيبه، ولكن المؤمن يتحمل كل أذًى بشجاعة وبسالة ابتغاءَ مرضاة الله تعالى.

قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (الإسراء 85)

شرح الكلمات:

شاكِلته: الشاكلة: الشكلُ؛ الناحيةُ؛ النيةُ؛ الطريقةُ؛ المذهبُ؛ الحاجةُ (الأقرب).

التفسير:

يقول الله تعالى هنا لنبيه : قل للمنكرين إن كل امرئ يعمل بأسلوبه وكفاءته ودينه ونيته. ولما كانت نية المؤمن الفوز بالله تعالى فلا يحزن على ضياع دنياه، وإنما يصمد في وجه المحن والاختبارات بصبر وجلد. أما الكافر فلأنه عابدٌ لِدُنياه، وعاملٌ للمنفعة المادية فحسب، لذلك يصاب بالذعر والهلع وينهار حين يرى دنياه تنفلت من يده. فالله تعالى ينبه هنا أن ربكم أدرى بمن هو عامل بما يؤدي إلى الهدى، بمعنى أنه يعامل الإنسان حسب نيته، فلسوف ينظر إلى العمل وكذلك إلى النية، ثم يجزيه بحسبهما. فمن ابتغى رضوان الله تعالى، وضحّى في سبيل دينه، لقي نصرًا وتأييدًا منه .لقد فسّرتُ الآيات السالفة على أن الخطاب فيها موجه إلى مشركي مكة، ولكن الواقع أنها تنطبق على المشركين واليهود في آن واحد. فاليهود أيضًا ناصبوا النبي العداء وقاوموه بعد هجرته إلى المدينة، فهلكوا في آخر المطاف، حتى صفت الجزيرة العربية أخيرًا من وجودهم بعد وقعة خيبر. لقد ادّعوا ادعاءات واسعة بكل زهو وكبرياء، ولكن لما هبّ المسلمون للدفاع مضطرين ألقى اليهود السلاح في منتهى الجبن بحيث سيَظلّ التاريخُ يضرب المثلَ بالجبن اليهودي على مرَّ الأجيال. (تاريخ الخميس الجزء الثاني ص 52)

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء 86)

التفسير:

ما هي هذه الروح التي أثير حولها السؤال هنا؟ لقد قال المفسرون في شأنها أقوالاً شتى منها: المراد منها جبريل، أو القرآن الكريم، لأن الحديث قبل هذه الآية وبعدها يدور حول القرآن (البحر المحيط). وقال بعضهم أن المراد من الروح هنا الملَك الذي وُكّل إليه خلق الدنيا؛ أو أي ملَكٍ لأن كل ملَك رُوحٌ. وقال الآخرون أنه ملَك خاص قد خلقه الله تعالى للتسبيح فقط، حتى نسب بعضهم هذه الرواية إلى الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين – وقالوا أن لهذا الملَك مائةَ رأس، وفي كل رأس مائة فم، وفي كل فم مائة لسان، ويسبّح كلُّ لسان بمائة لغة. (الطبري). وربما ظن من نقل هذه الرواية الأخيرة أن هذه هي الطريقة المثلى لأداء حق التسبيح! ولكن الحق أن أمة النبي تقوم بتسبيح أكثر من هذا. إن المسلمين موجودون في كل قطر من أقطار العالم، ويتكلمون آلافًا من اللغات، ويقومون بالتسبيح في كل لغة!وكان أستاذي المحترم حضرة المولوي نور الدين يرى أن المراد من الروح هنا الوحي الإلهي (تصديق البراهين الأحمدية ج 2 ص 331-332). وهذا المعنى أصح وأفضل بكثير من المعاني المذكورة أعلاه، لأن الحديث من قبل ومن بعد يدور حول القرآن الكريم.أما مؤسس الأحمدية سيدنا المسيح الموعود فقد تناول هذه الآية بالبحث المستفيض، موضحًا أن الروح المذكورة هنا هي الروح الإنسانية، وقد ذكر بهذا الصدد معارف عظيمة (جشمه معرفت – أي ينبوع المعرفة – الخزائن الروحانية، ج 23، 159).وقد تضاربت الآراء عمن سأل النبيَّ عن الروح؟ فقال قوم: هم يهود المدينة (الترمذي: أبواب التفسير). فقيل: ولكن هذه السورة مكية؟ فأجابوا: إن بعضًا من آياتها مَدَنية.ولكن هذا غير صحيح كما بيّنتُ من قبل.وقال الآخرون: لقد وُجِّه هذا السؤال أولاً بمكة ثم بالمدينة (مسند أحمد ج 1 ص255). ففي رواية عبد الله بن عباس أن النبي سئل عن الروح في المدينة (الترمذي: التفسير). ولكن الغريب أن ابن عباس نفسه يقول إن هذه السورة مكية! (القرطبي). ولقد أجاب عليه العلماء أن السؤال قد أُعيد في المدينة.فأما الذين يرون أن النبي سئل عن الروح في مكة فيزعمون أن بعض المكيين ذهبوا إلى المدينة، وقالوا لليهود: إن شخصًا عندنا قد ادّعى النبوة، أعطُونا شيئًا نسأله عنه حتى ينكشف على الناس كذبه؟ فقالوا: سَلُوه عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين. فرجعوا، وسألوا النبي ، فنـزلت الآية. (روح المعاني، ودلائل النبوة للبيهقي: باب ذكر أَسْوِلَتِهم رسولَ الله بمكة)

فاليهود أيضًا ناصبوا النبي العداء وقاوموه بعد هجرته إلى المدينة، فهلكوا في آخر المطاف، حتى صفت الجزيرة العربية أخيرًا من وجودهم بعد وقعة خيبر. لقد ادّعوا ادعاءات واسعة بكل زهو وكبرياء، ولكن لما هبّ المسلمون للدفاع مضطرين ألقى اليهود السلاح في منتهى الجبن بحيث سيَظلّ التاريخُ يضرب المثلَ بالجبن اليهودي على مرَّ الأجيال.

وعندي أن السؤال طرح بمكة أول الأمر، وأجيب عليه هناك. وربما سأله يهود المدينة أيضًا السؤال نفسه، بل هذا هو الأغلب، لأنهم الذين حرّضوا المكيين على أن يسألوا النبي هذا السؤال فلا بد أن يوجّهوه إليه بأنفسهم. ولكني لا أرى أن هذه الآية نزلت مرة ثانية عند سؤال اليهود بالمدينة، بل يكون النبي قد قرأ عليهم هذه الآية التي سبق نزولها بمكة ردًّا على سؤالهم. فربما الراوي الأول نقل هذا الحادث هكذا، ولكن أحدًا من الرواة اللاحقين ظن أن الآية نزلت بالمدينة ردًّا على اليهود.بعد بيان حقيقة السؤال أتحدث الآن عما أجاب به القرآن. يقول المفسرون أن الله تعالى أسهب في الجواب عن أصحاب الكهف وذي القرنين، ولكنه تعالى أوجز في الإجابة عن الروح مكتفيًا بقوله: إن الروح من أمر الله تعالى، ولم تُؤتَوا عنها إلا علمًا ناقصًا، فلا تستطيعون إدراك حقيقتها، ولذلك لا نجيب عليكم بالتفصيل؛ ولدى سماع هذا الجواب سُقِط في يد اليهود وصمتوا. (روح المعاني) لقد أثار الكتّاب الآريون الهندوس كثيرًا من الاعتراضات على جواب القرآن هذا، وقالوا: ليس في هذا الجواب ما يجعل اليهود يخجلون، إذ لم يكن جوابًا معقولا مفحمًا (كليات آريا مسافر – تكذيب البراهين الأحمدية – ج 1 ص 331).