الفتنة أشد من القتل (الحلقة الرابعة)

__

الإسلام دين السلام والحرية الدينية واحترام حرية الفرد

(الحلقة الرابعة والأخيرة)

مشابهة اليهود بالقردة والخنازير

لقد ورد وصف القردة والخنازير في القرآن الكريم فقط بحق فئة معينة من اليهود أو بني إسرائيل،كانت قبل ظهور الإسلام، وهم بالأخص الذين لم يمتثلوا للعهد الذي أخذه الله معهم في تقديس يوم السبت، أي أولئك الذين آثروا المتع الدنيوية على حرمة يوم السبت، وهم  المنافقون والفاسقون من اليهود وليس جميعهم كما يبينه سياق الآيات التالية:

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ( البقرة 66)

وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ  كَذَ‌لِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (الأعراف 164-167)

وقد ورد هذا الوصف في موضع آخر في القرآن الكريم في الآيات التالية :

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَ‌لِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ (المائدة  61)

والتي تصف بنفس الوصف فرقة أخرى من اليهود زمن سيدنا محمد ، والذين ناصبوه وأتباعه العداء والإيذاء، ليدل على حالتهم الروحانية وطبيعة شخصيتهم، فخلاصة القول أن هذا الوصف لم يكن لليهود بمجملهم بل لفرقة خاصة فيهم.

غير أن استعمال هذا الوصف لم يكن من أجل الإهانة والسب، والذي هو أسلوب بعيد كل البعد عن القرآن الكريم، إنما يعود القصد من وراء استعمال هذا التشبيه للدلالة على الحالة الروحانية التي وصلت إليها هذه الفرقة من اليهود، ولإبراز بعض الصفات التي اتصفت بها. ولما كانت هذه الصفات تشابه بعض الصفات البارزة في القردة والخنازير، جاء هذا التشبيه وهو أسلوب دارج في اللغة العربية.

إن من أبرز الصفات عند القردة  الزنا بلا حياء، حيث جاء في المثل العربي “أزنى من قرد”، ومن هذه الصفات أيضا التقليد، وأما الخنازير فتتصف بالحماقة والقذارة، ولكي يدلل القرآن الكريم على ظهور هذه الصفات عند هذه الفرقة من اليهود وصفهم بالحيوانات التي تبـرز عندها هذه الصفات. ونكرر، فالحديث عن فرقة محدودة من اليهود وليس اليهود كلهم، والتعليم القرآني كما بينّا سابقا مبني على احترام غير المسلمين وليس احتقارهم سواء كانوا يهودا أم غير يهود.

والأهم من هذا كله، أن ذكر هذه الفرقة من اليهود وما وصلت إليه من انحطاط روحاني، ووصفها بهذا الوصف، لم يرد في القرآن الكريم كقصة عابرة لا فائدة تُرتجى منها، أو بهدف الإساءة إلى هذه الفرقة من بني إسرائيل؛ بل  إن لها هدفا في غاية الأهمية، وهو تحذير المسلمين من الوقوع بنفس المعاصي التي وقعت بها هذه الفئة من اليهود،  مما قد يترتب عليه انحطاطهم إلى نفس الدرجة الروحانية بحيث تنطبق عليهم حينها هذه الأوصاف نفسها. وبالأخذ بعين الاعتبار ما تنبأ به سيدنا محمد عما سوف تؤول له حالة المسلمين من انحطاط ديني وأخلاقي، ومقارنة هذه الحال بما وصل إليه بنو إسرائيل في الماضي، حيث جاء في العديد من الأحاديث المتعلقة بهذا الموضوع على لسانه : “لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ” (الترمذي) ، وكما جاء في حديث آخر على لسانه : ” تكون في أمتي فزعة، فيصير الناس إلى علمائهم، فإذا هم قردة وخنازير”(كنـز العمال، 38727)؛ فبهذا يكون الوصف القرآني بحق الفاسقين من اليهود مؤكِدا على هذه النبوءة، بأن جزءا من المسلمين وبالأخص من المشايخ سيصلون حتما إلى هذا الحضيض الروحاني، حيث تنطبق عليهم نفس الأوصاف التي وردت بحق جزء من اليهود والتي تصفهم بالقردة والخنازير؛ وبما أننا نرى تحقق هذه النبوءات في هذا العصر الذي نعيشه، إذ نرى الكثير من المسلمين قد وصلوا إلى الدرك الأسفل من الانحطاط الديني والروحي والأخلاقي، وأصبح الدين عند الكثير من المشايخ تجارة يمتهنونها ويغلب عليها التقليد الأعمى دون تعقل وتدبر، لا يسعنا إلا أن نقر بأن هذه الأوصاف لم تعد تنطبق  على بعض اليهود فقط، بل إنها تشمل جزءا من المسلمين أيضا، نظرا لعدم انتباههم لهذا التحذير القرآني، فزاغوا عن الصراط المستقيم وتمسكوا بقشور الدين بدلا من لبه واتخذوا القرآن مهجورا. ومن هنا نخلص إلى أن هذا الوصف القرآني لم يكن لوصف اليهود فقط، بل المسلمين أيضا حين يصلون إلى ما وصل إليه اليهود من تدهور وانحطاط، فلا يمكن بعد هذا التوضيح القول بأن القرآن الكريم يظهر عداء خاصا لليهود، إنما هو أسلوب لغوي يقتضي غرضا هاما من التنبيه والتحذير لليهود والمسلمين على حد سواء.

ونذكر فلدرز وأعوانه، أن هذا الوصف في حق الفسّاق من اليهود، قد استعمله المسيح عيسى ابن مريم أيضا، حين قال للصالحين من اليهود الذين اتبعوه:

“لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب، وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ، لِئَلاَّ تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ”.(مَتَّى 7: 6).

وهنا يصف المسيح أولئك المنافقين والفاسقين من اليهود بأنهم كالكلاب والخنازير، وهذا أسلوب متبع لوصف الحالة الروحية المتدنية التي وصلت إليها هذه الفرقة من اليهود الذين كانوا يتصفون بالصفات البارزة عند هذه الحيوانات. وإذا كان فيلدرز وأمثاله يعترضون  على القرآن الكريم  بسبب هذا الوصف، فعليهم أن يثيروا نفس الضجة بالنسبة للعهد الجديد الذي يحوي نفس هذا الوصف أيضا ليعلم الجميع أن القرآن لا ينفرد في هذه المسألة. أما إذا كانوا يتقبلون وجوده في العهد الجديد، فعليهم تقبله أيضا في القرآن الكريم بناء على نفس التوجه.

إقامة الدولة الإسلامية وفرض الشريعة في جميع أنحاء العالم

كما قد أسلفنا من قبل فإن بعض الحركات الإسلامية تتبنى فكرة وجوب إقامة الدولة الإسلامية في كل مكان في العالم وفرض الشريعة الإسلامية فيها بالقوة، غير أن هذا الفكر لا أساس له في القرآن الكريم ولا في تعاليم وسيرة سيدنا محمد . ولن يجد فيلدرز وأعوانه أي آية أو أمر في القرآن الكريم، ولا في تعاليم سيدنا محمد ، تحتم على المسلمين إقامة الدولة الإسلامية بالقوة في جميع أنحاء العالم. بل يمكن للمسلمين أن يعيشوا تحت أي نظام. وهذا لا ينفي أن يكون هناك نبوءات عن انتصار الإسلام واندحار الشرك والمشركين، سواء في زمن البعثة الأولى للرسول أو في الزمن الأخير، لكن هذا الانتصار مبني على الحجج والبراهين وغزو القلوب، وليس فيه رائحة من الإكراه.

لقد حدد القرآن الكريم القواعد العامة لنظام الحكم  وفق أربعة مبادئ عامة تتضمنها الآيات التالية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لله وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَالله أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (النساء 136) إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا  (النساء 59) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ  فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  ذَ‌لِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا  ( النساء 60) لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ  قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا  وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة 257)

وهذه المبادئ تتلخص بمنح الحرية الدينية للجميع والحكم على أساس العدل المطلق، كما أن هذه الآيات تحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، إذ تأمر الأفراد بمنح المسؤوليات لمن يُعتبرون ثقة وأكفاء للقيام بمهامهم، وبعدها تحتم عليهم إطاعة هؤلاء المسؤولين، في نفس الوقت الذي تأمر به المسؤولين بتحري العدل في حكمهم بين الناس.

وبناء على هذه القواعد العامة فإن القرآن الكريم يأمر المسلمين في أي بلد يوجدون فيه، وتحت أي نظام سياسي أن يمتثلوا لقوانين هذا النظام ويطيعوا حكومته، حتى لو كانت هذه الحكومة حكومة علمانية لا دينية، بمعنى أن من واجب المسلمين إطاعة هذا النظام السياسي أيا كان إسلاميا أو غير إسلامي في كل أمر، عدا تلك الأوامر التي تؤدي بهم إلى معصية الله عز وجل،كأن يُمنع المسلمون من الصلاة مثلا، هذا انطلاقا من الآية القرآنية الكريمة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ … (النساء 60)

حيث إن القصد من أولي الأمر في هذه الآية أولو الأمر الدينيون والدنيويون. ووفق هذا التعليم فإن الحاكم السياسي الذي لا يتدخل في شؤون المسلمين الدينية، يعتبر مساهما في أمر دينهم بصورة من الصور ويجب إطاعته، وكم بالحري ذلك الحاكم السياسي الذي يكفل ويضمن الحرية الدينية للمسلمين ويدافع عنها؟!

وبناء على هذه القاعدة، فإن الإسلام لا يعارض العلمانية –والتي تعني حياد الدولة تجاه الأديان وعدلها بين الجميع-كما يدعي بعض المتعصبين من المسلمين، كما لا يعارض أي نظام سياسي طالما كفل هذا النظام الحريات الدينية والعدالة بين الناس، بل إن أي نظام يبنى على هذه الأسس من العدالة والحرية الدينية من الممكن اعتباره جزءا من الدين ويجب إطاعته والإخلاص  له  وعدم الخروج عنه. ثم إن العلاقة بين النظام الديني الإسلامي والنظام السياسي أيا كان يجب أن تتسم بالتعاون المتبادل من أجل النهوض بالمجتمع وتحقيق رقيه وليس التصادم والتنافس على السلطة فيه، ولذا ففي أمور التشريع ليس من الضرورة أن تسيطر الشرائع الدينية على دستور وقوانين الدولة بالقوة، وإنما يكون من واجب الدين إرشاد المشرّعين إلى الأمور الأخلاقية، وهو يدعوهم أيضا إلى الأخذ بأحكامه في مختلف الأمور، لكن من دون إكراه. لذا فالإسلام لا يعارض الحكومة العلمانية المحايدة تجاه الأديان والتي لا تفرق بين المواطنين على أساس ديني، بل تعتبر هذا العدل من أهم الواجبات.

لقد وقعت الجماعات الإسلامية في فخ التاريخ وهي لا تستطيع أن تحرر نفسها منه، نظرا لقيام الدولة الإسلامية زمن سيدنا محمد وخلفائه من بعده، فظنت هذه الجماعات أن هذا النظام السياسي لا بد من إيجاده في كل وقت وفي كل مكان وبالقوة، إلا إنهم لا يتنبهون إلى أمرين  في غاية الأهمية:

أولا : لم يأمر القرآن الكريم ولا سيدنا محمد ، في أي من تعاليمه بوجوب إقامة دولة إسلامية، وامتلاك السلطة السياسية في كل  زمان ومكان، ولو كان أمر إقامة دولة إسلامية يعتبر من لب الدين لما سكت عنه القرآن الكريم وسيدنا محمد . وهذا ما يؤكده القرآن الكريم في الآيات التالية :

  فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (الغاشية 22-23) … وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ( النور 55)

حيث تبين هذه الآيات أن المهمة الأساسية التي من أجلها بعث النبي محمد ، هي مهمة دينية بحتة وليس من أجل السيطرة والسلطة، وتأكيدا على هذا الأمر نجد أن القرآن الكريم قد وصف النبي محمد بعدة صفات، وأوكل إليه عدة مهام إلا أنه لم يمنحه صفة زعيم سياسي ولم يوكل إليه هذه المهمة، حسب ما جاء في الآية الكريمة التالية :

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (الأحزاب 47-48)

هذا شأنه ، كشأن جميع الأنبياء الذين سبقوه، إذ لم يحظ منهم بالزعامة السياسية سوى اثنين وهما داود وسليمان عليهما السلام، وهذا بدوره يدل على أن المهمة الأساسية التي يُبعث من أجلها الأنبياء هي المهمة الدينية وتبليغ الدعوة وامتلاك قلوب الناس وليس الزعامة السياسية والسيطرة على العباد بالقوة. وبالإضافة إلى ذلك نرى أن القرآن الكريم لا يستثني إمكانية وجود نبي في نفس الوقت الذي يحكم به حاكم سياسي مستقل، يعمل جنبا إلى جنب مع النبي الذي توكل له المهمة الدينية الأخلاقية، وهذا ما تؤكده الآيات التالية:

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا  قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ  قَالَ إِنَّ االله اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ   (البقرة 248)

وفي هذا السياق لا يمكننا أن ننسى أن سيدنا يوسف ، نبي من أنبياء الله عمل وزيرا تحت حكم فرعون الكافر، مما يؤكد إمكانية فصل السلطة الدينية عن السياسة دون تضارب بينها إذا ما حافظت في علاقتها على الحرية الدينية والعدل.

ثانيا : إن الدولة الإسلامية التي أقامها النبي محمد ، ما كانت إلا وليدة ظروف  أوجدت المسلمين تحت إطار سياسي وديني واحد، جمع فيه النبي محمد بين السلطة الدينية والسياسية في آن واحد، رغم أن الإطار  السياسي (الدولة) لم يكن هدفا سعى إليه المسلمون والنبي محمد . فلولا اضطهاد قريش للمسلمين  وعدم توفير الحرية الدينية لهم في مكة لما هاجروا إلى المدينة التي فيها قامت الدولة الإسلامية. ثم إن  النبي محمد لم يسع إلى الزعامة السياسية وإلى السلطة، ولم يكن هذا هدفه حتى في مكة نفسها قبل الهجرة إلى المدينة، إذ لم يأمر المسلمين طوال ثلاث عشرة سنة من الاضطهاد في مكة، بالخروج عن سلطة قريش ومقاومتها والثورة عليها، بل تحمل المسلمون شتى صنوف العذاب دون أن يرفعوا سيفا أو يعلنوا ثورة علنا أو سرا على حكومة قريش، وما يؤكد ذلك أن القريشيين قد اقترحوا على النبي محمد   تنصيبه ملكا عليهم، شريطة أن يكف عن دعوته، إلا أنه أبى ذلك  وكان جوابه : “والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته”؛ وما هذا إلا دليل قاطع على أنه لم يسع للسلطة السياسية أبدا، وإلا لو كان يسعى بالفعل للسلطة لقبل اقتراحهم وانتهت المشكلة بينه وبين قريش.

وأما في المدينة المنورة التي كانت تفتقر إلى الزعامة السياسية نظرا للخلاف المستمر بين قبيلتي الأوس والخزرج،  اللتين أسلمتا وقبلتا بالنبي محمد زعيما، فلكون هاتان القبيلتان تشكّلان الأغلبية الساحقة من سكان المدينة، أصبح النبي بشكل مباشر زعيما على المدينة كلها، ولو كانت المدينة تحظى بزعامة متفق عليها قبل دخول النبي محمد إليها وقبلت منح المسلمين الحماية والحرية الدينية، لقبل بذلك المسلمون والنبي محمد ، تماما كما فعل المسلمون بالحبشة تحت حماية النجاشي النصراني، وكما ظلّ يوسف تحت زعامة الملك المصري.

فبغياب أمر قرآني صريح لإقامة دولة إسلامية، وباستقراء صحيح للظروف التي أوجدت الدولة الإسلامية في الماضي، يتضح لنا أن القرآن الكريم والدين الإسلامي، لا يأمر بالسيطرة على كافة بلاد الأرض وإقامة الشريعة الإسلامية فيها بالقوة؛ ولا هدف للإسلام في السيطرة على أوروبا ومن ضمنها هولندا لإقرار الشريعة الإسلامية فيها، إذ لا مانع وفق وجهة النظر القرآنية أن يسيطر على البلاد -أيًّا كانت هذه البلاد- قوى وتيارات سياسية غير إسلامية، طالما اتخذت هذه القوى الحرية الدينية والعدل منهاجا لحكمها.

وفي النهاية نقول تلخيصا لكل ما تقدم، إن هدفنا من هذا الكتيب أن نثبت أن كل الاتهامات التي يعرضها فيلدرز في فيلم الفتنة، تعتمد على آراء بعض المشايخ  المخالفة للقرآن الكريم وللرسول ؛ وفي مثل هذه الحال لا يستطيع فيلدرز وغيره اتهام القرآن والنبي محمد ، والتعرض للإسلام والمسلمين برمتهم، بل لا بد من تشخيص المشكلة بشكل دقيق، وتوجيه الاتهام فقط لمن يتبنى هذه الأفكار. وأما نحن فعلينا العمل على دحض هذه الآراء بالحكمة والموعظة الحسنة.المصـادر:
  1. 1. التفسير الكبير، حضرة ميرزا بشير الدين محمود أحمد رضي الله عنه
  2. The holy Qura’n with English translation and commentary, Hazrat Mirza Bashir-uddin Mahmood Ahmad
  3. 3. الخلافة الراشدة ( باللغة الإنجليزية)، حضرة ميرزا بشير الدين محمود أحمد .
  4. الإسلام والتحديات المعاصرة، حضرة الميرزا طاهر أحمد (رحمه الله).
  5. الفرقان في إبطال مقولة “السنة قاضية على القرآن”، الأستاذ هاني طاهر.
  6. الحرية الدينية وعقوبة المرتد في الإسلام، الأستاذ هاني طاهر.
Share via
تابعونا على الفايس بوك