• التحذير الإلهي للمعتدين بأن في السماء هلاكهم.
  • العظة الإلهية للناس وتذكيرهم بنعمه عليهم.
  • انتهاء فرص المعاندين بالإبلاغ.
  • نكران الصفة الروحانية في النعم الإلهية.

أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الله إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (80)

شرح الكلمات:
جوّ: الجوُّ: ما بين السماء والأرض. جوُّ البيت: داخله (الأقرب).
يُمسكهن: أمسَكَ الشيءَ بيده: قبَضه. وأمسَكَ اللهُ الغيثَ: حبَسه ومنَع نزولَه. أَمسكَ عن الكلام: سكَت: أَمسكَ عن الأمر: كفَّ عنه وامتنع (الأقرب).
قوم: القوم: الجماعةُ من الرجال خاصةً، وقيل: تدخُله النساءُ على تَبَعِيّةٍ، سُمُّوا بذلك لقيامهم بالعظائم المهمات. يذكَّر ويؤنَّث فيقال: قام القومُ وقامت القومُ (الأقرب).

التفسـير:
قال المفسرون في قوله تعالى ألم يَروا إلى الطير مسخَّرات في جو السماء أن معناه أن الله قد مكّنها من الطيران في الجو بدون سبب ظاهري، وذلك ليبرهن على قدرته (الرازي، والبيضاوي).
غير أني لا أراه معنى صائبًا، وإنما الواقع أن الآية تتحدث عن عقاب الكفار، حيث حذّرهم الله تعالى أنه قد منع هذه الطيور الآن من الانقضاض عليهم، ولكن الأيام موشكة حين تنقضّ عليهم هذه الطيور لتنهش جثثهم نهشًا. وذلك ما حدث بالفعل في عديد من المعارك التي دارت بينهم وبين المسلمين حيث كان الكافرون يفرّون من ساحة القتال تاركين وراءهم جثث قتلاهم التي كانت تصير طعامًا سائغًا للطيور.
وهناك بيت شعر للنابغة الذبياني في هذا المعنى حيث قال:
إذا ما غدَى بالجيش حلَّق فوقـهُ عصائبُ طيرٍ تهتدي بالعصـائبِ، أي أن الممدوح إذا خرج بجيشه حلّقت الطيور فوقهم، لأنها تعرف أن هذا لا بد أن يفتك بأعدائه، مما سيهيئ لها طعامًا شهيًّا.
وورد في التاريخ عن تيمور لنك أنه حيثما توجه بجنوده حلّقت النسور فوقه، لأنه حيثما قاتل تغلب على الأعداء، وكانت الطيور قد أدركت بما أوتيتْ من وجدان فِطري أن طعامها مضمون ما دامت في رفقة هذا الجيش.
فالواقع أن تحليق الطيور في جو السماء تعبير عن هلاك قوم وانتصار قوم آخرين، وقد أُشير هنا إلى هذا المعنى نفسه. وقد استخدم القرآن الكريم هذا التعبير في مكان آخر أيضًا حيث قال الله تعالى ألم تَرَ كيف فعَل ربُّك بأصحاب الفيلِ* ألم يجعَلْ كيدَهم في تضليل * وأرسَلَ عليهم طيرًا أَبابِيلَ * تَرمِيهم بحجارةٍ مِن سِجِّيلٍ * فجعَلهم كَعَصْفٍ مَأْكولٍ (الفيل).. أي ألم تر كيف دمّر ربُّك أبرهةَ وأصحابَه الذين أتوا بجيش من الفيلة مهاجمين مكة، فأصابهم من الدمار والذعر ما أصابهم، ففروا تاركين وراءهم موتاهم في البرية. فاجتمعت حولها الطيور، وأكلت لحومهم تنهشها وتضربها على الصخور. علمًا أن من عادة النسور أنها تأخذ قطعة من لحم الجيفة إلى مكان عال مثل رأس شجرة أو صخرة وتنظفها من التراب وتنهشها بالضرب على الغصن أو الحجر.
وقد تمثل هذه الآية الإشارة إلى حادث أصحاب الفيل حيث يحذر الله الكفار: لقد سبق أن رأيتم كيف أن الطيور أكلت جثث أعدائنا، وما تزال هذه الطيور نفسها تحلق في جو السماء في انتظار أمرنا. وإننا ما زلنا نمنع المسلمين من قتالكم، ولكنهم عندما يخرجون لحربكم فسوف ترون يومًا كيوم أبرهة وجيشه من قبل. وهذا ما حدث بالفعل.
وقال في ختام الآية إن في ذلك لآياتٍ لقوم يؤمنون .. أي أنكم أيها الكفار تقضون العجب من هذا النبأ، ولكن المؤمنين يرون فيه آيات وأي آيات، موقنين تمامًا بتحقُّقه.

وَالله جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (81)

شرح الكلمات:
سَكَنًا: سكَن فلان دارَه: استوطنها وأقام بها. سكَن إليه: ارتاح. السكَن: كلُّ ما يُسكَن إليه وفيه ويُستأنس به؛ الرحمةُ؛ البركةُ (الأقرب).
تستخِفّونها: استخَفَّه: ضدُّ استثقلَه (الأقرب).
ظَعْن: ظعَن يظعَن ظَعْنًا: سارَ، تقول: ظعَنوا عن ديارهم (الأقرب).
أصواف: جمعُ الصوف: وهو للشاء كالشَّعر للمِعْزَى والوبرِ للإبل (الأقرب).
أشعار: جمعُ شَعْر، والشعر: ما ينبُت من مسامّ البدن مما ليس بصوف ولا وبر (الأقرب).
أثاثًا: الأثاث: متاعُ البيت بلا واحد؛ وقيل : هو ما يُتّخذ للاستعمال والمتاع لا للتجارة؛ وقيل: المالُ كله (الأقرب).

التفســير:
يقول الله تعالى: تعيشون أيها الكفار في راحة تامة في مساكنكم الدائمة وكذلك في خيامكم التي تحملونها بسهولة في أسفاركم لتنـزلوا حيث شئتم، كما تنعمون بالحرية في أسفاركم التجارية؛ فلماذا تريدون أن تُنـزَع منكم هذه النعمة جرّاءَ سيئاتكم.
لقد قال الله هنا بيوتًا تستخفّونها يومَ ظعنكم ويوم إقامتكم ، ذلك لأن حمل هذه البيوت الجلدية في الأسفار سهل، كما أن تنصيبها لا يتطلب جهدًا كبيراً، حيث لا تمر دقائق قلائل حتى تتحوّل البادية بفضل هذه الخيام إلى مدينة مأهولة تضج بالحركة والحيوية.
وقد ذكر الله خيام الجلود لأن العرب كانوا يستخدمون هذا النوع من الخيام (الرازي)، كما أنها أفضل من خيام القماش في حمايتها من البرد والمطر.

وَالله جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (82)

شرح الكلمات:
أكنانًا: جمعُ كِنٍّ وهو: وِقاءُ كلّ شيء وسترُه؛ البيتُ (الأقرب).
سَرابيل: جمعُ سِرْبال وهو: القميصُ؛ الدِّرعُ؛ وقيل: كلُّ ما لُبِس (الأقرب).
بأْس: البأس: الشدةُ في الحرب (الأقرب).
تُسلِمون: أسلمَ: انقادَ. أسلمَ فلان: تَديَّنَ بالإسلام. أسلَمَ العدوَّ: خذَله. أسلَمَ أمرَه إلى الله: سلَّمه (الأقرب). فقوله تعالى لعلكم تُسلِمون يعني لكي تنقادوا لله تعالى، أو لكي تفوّضوا أموركم إليه.

التفسيــر:
هذه الآية استمرار للموضوع السابق نفسه حيث يعدّد الله فيها مزيدًا من نعمه على الكفار، ويذكّرهم أنهم ينعَمون أثناء السفر بالراحة تحت ظلال الأشجار، ويتخذون مصايف في الجبال؛ كما هيّأ لهم اللباس الذي يقيهم من لظى الحر، وعلّمهم صنعة الدروع التي تحميهم أثناء الحرب. لقد أوتوا كل هذه النعم لكي ينعموا بالراحة ويكونوا في مأمن من هجمات العدو؛ ولكنهم يدمّرون هذا الأمن بأيديهم إذ يستغلّون النعم ضد المنعم. لقد أعطاهم الله هذه النعم ليكونوا عبادًا مطيعين له شكرًا عليها، ولكن ما حصل منهم هو العكس، إذ بطَرتْهم هذه النعمُ وغرّتهم هذه الحماية، فقاموا لمعارضته عز وجل!
ومن معاني “أسلمَ” حمَى غيرَه من شره، علمًا أن هذا المعنى لا تذكره القواميس المتوفرة حاليًّا، ولكنه جائز بحسب قواعد اللغة العربية حيث يحوّلون الفعل اللازم متعديًا بإضافة الهمزة إليه وجعلِه من باب الإفعال، كما هو ثابت من الحديث الشريف حيث ورد: “المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده” (مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام). وأرى أن هذه الآية تتضمن هذا المفهوم أيضًا أي أننا وهبنا لكم هذه النعم لكي تَسلموا من الآفات وتعيشوا عبادًا شاكرين لله تعالى فتحموا غيرَكم من شروركم، ولكنكم اتخذتم هذه النعم أداة للعدوان على الآخرين.
هذا، ويمكن أن نستنتج من هذه الآية أمرًا آخر يتعلق بالسياسة وهو أنه لا يحق للأكثرية أن تطرد الأقلية من البلد. ولكن هذا لا يمنع من طرد الظالم من البلد، بل مَن يخالف القانون فلا بد من طرده من المجتمع. إنما أقول إن المسلمين الأوائل ما خرجوا على النظام الحاكم بمكة وما أخلّوا بحكم أهلها، وإنما توسلوا إليهم أن لا يمارسوا الإكراه في الدين وأن يسمحوا لهم بأن يقولوا في حرية: ربُّنا اللهُ، ومع ذلك كان هؤلاء الكفار يؤذونهم.

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (83)

التفســير:
يقول الله تعالى إذا لم ينته هؤلاء عن نواياهم الشريرة رغم محاولاتك للصلح واعتدوا على المسلمين دونما جريرة فما كان عليك إلا النصح، وقد قمتَ به، فسوف يتحملون الآن مسئولية ما يفعلونه من خير أو شر.

يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ الله ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (84)

شرح الكلمات:
ينكرون: راجع شرح الآية رقم 23 من هذه السورة وشرح الآية رقم 63 من سورة الحِجر.

التفســير:
لقد نبّه الله بقوله يعرِفون أنه ينبغي للإنسان أن يتّعظ برؤية ما يوجد حوله من نعم الله تعالى، ولكن هؤلاء جدُّ أشقياء لأن نعم الله قد نزلت عليهم، وإنهم يرونها في نفوسهم، ومع ذلك ينكرونها.. أي لا يقدرونها بالعمل حق قدرها؛ وليس المراد أنهم ينكرون بأفواههم وجود هذه النعم، لأن الكافرين كانوا يعترفون بأنها من عند الله تعالى.
وقال الله تعالى في آخر الآية: وأكثرهم الكافرون . واعلم أن الكفر هنا ليس بمعنى الرفض العادي، إذ قد سبق الحديث عن الرفض العادي في قوله تعالى ثم ينكرونها ؛ ثم إن الله سبحانه وتعالى لم يقل هنا: “وأكثرهم كافرون”، بل قال: وأكثرُهم الكافرون ، و(ال) هنا للكمال، مثل قولنا لأحد: أنت الرجلُ.. أي الكامل في الرجولية (انظُر أقرب الموارد تحت “ال”). فالمعنى أنهم ليسوا منكرين عاديين، بل متشددين في الإنكار مصرّين عليه. إذن فقوله تعالى ثم ينكرونها يشمل الكفارَ عامة، أما قوله أكثرهم الكافرون فيتحدث عن الأكثرية منهم، والمعنى أن كل هؤلاء القوم يتنكرون لِنِعم الله عمومًا، ولكن الأكثرية منهم قد تَجاوَزوا كل حدود العناد والجحود لِنعمه .
أما بالنظر إلى ترتيب الموضوع فتعني الآية أنهم يعترفون بنعم الله المادية، ولكنهم يكفرون بوجود نعمه الروحانية؛ وكأن قوله تعالى يعرفون متعلق بالنعم الدنيوية وقوله ينكرونها متعلق بالنعم الروحانية.