• تاريخ العلوم يشهد بأن المسلمين رواد العلاج النفسي
  • الدين والحلقة الغائبة في العلاج النفسي
  • حالات النفس الثلاث
  • نماذج قرآنية للعناية بالصحة النفسية

بالنظر في تاريخ الإسلام العلمي العريق نجد الكثير من الإنجازات المجيدة التي أسهمت في تطور شتى الحقول العلمية، ومنها علوم الفيزياء والكيمياء والطب. ولكن يخفى عن الناس ذكر إنجازات المسلمين الواسعة في مسائل الصحة النفسية والذهنية وعلاجاتها.
وإلى يومنا هذا مازالت الحالات النفسية تشكل منطقة مسكوتا عنها لدى عامة الناس، بحيث يعتريهم الخوف أو الخجل عند الحديث عنها، ويؤدي ذلك إلى أن العوارض الخفية التي تنتاب المصاب والتي عادة لا تبدو لأعين الناس، تسبب للمريض ألما حادا في داخله. أما الحالات النفسية الشديدة كالاكتئاب مثلا، فتشكل خطرا على حياة الإنسان وقد تقود به إلى الانتحار. قد طرحت منظمة الصحة العالمية دراسات تظهر كيف في العام 2030 سيكون عارض الإكتئاب أكبر عبء على المنظمات الصحية من بين جميع الأمراض الصحية. وسيكون بين كل 6 مرضى واحد على الأقل يعاني من الاكتئاب في المملكة المتحدة.
كانت دراسة الطب النفسي وتطبيقه على العوارض النفسية معروفة في حقول الطب الإسلامي منذ القرن الحادي عشر. فقد تم بناء أول مستشفيات عرفها العالم مختصة بطب النفس في مدن عربية، ومنها: في بغداد عام 705م، القاهرة 800م، ودمشق 1270م. وفي تركيا أضيفت عيادة صحية خاصة لمستشفى عام سنة 1555م، وتم لاحقا بناء مستشفى خاص بالطب النفسي عام 1583م.
ومن أشهر أطباء المسلمين العلامة أبو بكر الرازي (الذي توفي عام 925م) والذي كتب في حياته زهاء 24 موسوعة طبية ظلت من بعده مرجعا رئيسا في الطب لمدة أربعة قرون وسجل فيها مداواته لأمراض نفسية. كذلك ابن سينا (توفي 1037 م) الذي كتب الموسوعة الشهيرة «القانون في الطب» المتألفة من 14 مجلدا، وظلت مرجعا معتبرا في الطب لـ 700 سنة في أوروبا والعالم. وكان في جامعة نيشابور يدرس علم النفس في القرن الرابع عشر، وتم تدريس طب النفس العيادي والصحي في القرن الخامس عشر.

الدين والحلقة الغائبة في العلاج النفسي
يتعامل النموذج الغربي للصحة مع ثنائية العقل والجسد. فينظر النموذج الطبي للمرض في الأعضاء المتعطلة في جسم الإنسان لكي يشخص نوع المرض. فعلى سبيل المثال تظهر أمراض القلب نتيجة وجود خلل في القلب أو تصلب في الأوعية الدموية التي تعطل وتيرة عمل القلب الطبيعي. وحتى وقت قريب تعامل الخبراء النفسانيون مع مرضاهم على نفس نموذج العلاج الذي يتعاملون به مع الأمراض العضوية. وإلى يومنا هذا، يوجد أطباء نفسانيون يشخصون الحالة النفسية بناء على الفحوص المختبرية للجينات أو فحوص الكيمياء الحيوية للمريض.
بينما على النقيض من ذلك، ينبغي على نموذج الطب النفسي أن ينظر إلى حالة العالم الداخلي للمريض، كما يجب أن ينظر إلى الوضع الاجتماعي الذي يعيشه المريض كي يفسر الاضطرابات النفسية والعقلية. أما بالنسبة للمعتقدات الدينيةـ التي تُكَوِّن دورا أساسيا للكثير من الناس في فهمهم لأنفسهم ومكانتهم في العالم وعلاقتهم بالناس من حولهم- لم يرُق للمحللين النفسانيين التطرق إليها للكشف عن حالة المريض المتدين، على الرغم من أن العقائد الدينية قد تشكل دورا محوريا في حياته، بل للأسف صرفوها على أنها فقط رياضات روحية خفيفة لا تقدم ولا تؤخر. ومن المثير أيضا، أنه مؤخرا، قد بدأت بعض عيادات الطب النفسي السريري بدمج بعض ممارسات الديانة البوذية التي تتمحور حول الانفتاح والتعاطف لتحسين حالة المريض، ولكن من دون الإشارة إلى وجود الله عز وجل.
وبما أننا نؤمن أن القرآن الكريم هو مبدأ لكل العلوم، فنتساءل عن ماهية التعليم الذي أعطانا الله إياه لاتخاذ سبل السلامة في هذا المجال..

فوفقا للقرآن الكريم هناك علاقة وثيقة بين حالات الإنسان الطبيعية والأخلاقية والروحية، حتى أن طريقة تناول الإنسان للطعام والشراب تترك أثرا في أخلاقه وروحه.

حالات النفس الثلاث
يشير المسيح الموعود عليه السلام في كتاب «فلسفة تعاليم الإسلام» إلى حقيقة أن القرآن الكريم يبرز مراحل ثلاثا للنفس، أولاها هي مرحلة «النفس الأمارة»، وتحرض النفس فيها صاحبها على الإقدام على كل ما يرضي الرغبات البهيمية، وما ينطوي عليه ذلك من اقتراف للشرور في كثير من الأحيان، فتشكل النفس الأمارة حائلا بين الإنسان وسعيه للوصول إلى الكمال الروحي وتحسين حالته الخلقية، كما أنها تسوقه نحو إشباع غرائزه بأساليب غير مقبولة. من هنا يتولد الجنوح نحو الشر وتحقيق الملذات في حالة الإنسان البدائي. فهذه الحالة البدائية هي طبيعة الإنسان الذي يفتقر إلى الإرشاد العقلي والمنطقي ويتبع غرائزه في الأكل والشرب والنوم والعيش، كما أنه يغضب ويهتاج كالحيوان. وعندما يتلقى الإنسان البدائي نعمة الإرشاد والفهم، فإنه يكون قد تحصل على أدوات تمكنه من السيطرة على حالته البدائية فيضعها تحت تحكمه، وتختفي رويدا النزعة البدائية في كيانه ويحل محلها طابع خلقي يكون بمقتضاه إنسانا ذا طبيعة أخلاقية. وهذه هي المرحلة الثانية من مراحل النفس والتي عبر عنها القرآن بـ «النفس اللوامة» التي تؤنب صاحبها وتوبخه عند اقتراف الآثام. والنفس اللوامة نعبر عنها اليوم بالضمير الذي يؤنب صاحبه عند إرتكاب الخطأ ويرغبه في الأخلاق الحميدة. كما أن في هذه الحالة تنظم العواطف والرغبات الطبيعية من قبل العقل والمنطق.
ومع ذلك، لا نستطيع أن نعتبر النفس اللوامة كاملة في ممارسة الفضيلة، بل هذه النفس عرضة للوقوع تحت ضغوط العواطف والغرائز الطبيعية. وفقط عندما يصل الإنسان إلى أعلى مراتب التطور الإنساني الروحاني يحظى بمرتبة جديدة اسمها “النفس المطمئنة” التي هي محصنة من الوقوع تحت سيطرة الغرائز والاغراءات. يقول المسيح الموعود عليه السلام:

“هذا هو المقام الروحاني الذي تتخلص فيه النفس من كل ضعف، وتمتلئ من القوى الروحانية، وتتصل بربها اتصالا لا تكاد تحيا بدونه. وكما أن السيل ينحدر متدفقا في جريانه تدفقا شديدا بسبب غزارة مياهه وانعدام العوائق، فكذلك النفس المطمئنة تنطلق مندفعة إلى الله.” (من كتاب فلسفة تعاليم الإسلام ص15)

فوفقا للقرآن الكريم هناك علاقة وثيقة بين حالات الإنسان الطبيعية والأخلاقية والروحية، حتى أن طريقة تناول الإنسان للطعام والشراب تترك أثرا في أخلاقه وروحه. فلو كانت حالة الإنسان الطبيعية خاضعة لقانون التوجيه الرباني لترك ذلك أثرا عميقا في نفسه وأخلاقه. ولهذا السبب يركز القرآن الكريم على نظافة الجسم الخارجية، وعلاقتها بالعبادات، من أجل الحصول على النقاء الداخلي الكامل والتواضع الروحي.
بالنسبة للمسلمين الهدف من الحياة هو نيل القربى من الله تعالى وإقامة مظاهر الصلاح والتقوى في حياتنا اليومية. وترشدنا تعاليم القرآن الكريم إلى كيفية كسب طرق السلامة والصحة النفسية منذ أولى لحظات الحياة. وسوف نلتمس بعضًا من الأمثلة هنا.

نماذج قرآنية للعناية بالصحة النفسية
تشير دراسات الطب النفسي إلى أن أهم فترة لنمو الإنسان هي في أعوامه الأولى، بحيث تؤثر طفولة المرء والتربية التي يتلقاها على تكوين شخصيته التي ستصاحبه باقي حياته وعلى نمو حواس إدراكه. وقد ركز القرآن الكريم على هذه النقطة كونه كتاب الله الكامل الفريد بتعليمه، ومنها أنه شدد على إكمال رضاعة الأطفال إلى سن العامين. وقد أثبتت البحوث الجديدة أهمية سن الرضاعة بتشكيل نمو عواطف الإنسان وحواسه بشكلها الطبيعي. وكما تشير الدراسات إلى أن معدل تعرض الأطفال للاستغلال هو أقل في الأطفال الذين نالوا رضاعة طبيعية. ويذكرنا الحديث الشهير الوارد في مسند أحمد بن حنبل: “الجنة تحت أقدام الأمهات” كيف أن الإسلام رفع من قدر الأمومة، ولفت الأنظار إلى الأهمية التي يجب أن نعلقها عليها في سِنيّ المهد. ومن خلال رفع مكانة الأمومة، قد ضمن القرآن الكريم أهمية هذا الدور الذي تلعبه المرأة وحفظ لها حقوقها، ومن ثم حقوق الأجيال المقبلة على الحياة.
ونجد مثالا آخر يوضح كيف أن القرآن الكريم زودنا بالأدوات للسلامة الصحية في الصلاة حيث يأمرنا بإقامة الصلاة خمس مرات يوميا. ومن خلال حركات الصلاة المختلفة يحصل المرء على استرخاء كاف لجسده. ونجد بعض التمارين التي يصفها الأخصائيون للآلام المزمنة لأسفل الظهر تشبه حركات الصلاة أثناء الركوع والسجود.
ولكن تختلف الصلاة عن التمارين والتأملات في أنها ليست مجرد وضعيات مختلفة لزيادة التركيز أو استرخاء العقل، بل تكون الصلاة مجردة من المعنى من دون إيمان راسخ بوجود رب خالق.
فإيمان المسلم أن لديه خالقا قادرا مجيب الدعوات يرى صلاته ويسمع دعاءه يبعث في قلبه الأمل، ويكون في الصلاة ترياق لقلب المريض الثقيل المكتئب والفاقد للأمل. وبالفعل نرى أن فقدان الأمل وترك الحياة واللجوء إلى الانتحار فكرة محرمة في الإسلام، وذلك لأن المسلم يسلم أمور دنياه إلى الله تعالى ويتوكل عليه في كل شيء. يقول الله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (البقرة 154)

كما تظهر لنا الدراسات أن الذين يعانون من أمراض ومشاكل نفسية وعقلية غالبا ما يلجؤون إلى العزلة والانطواء. كما أن فرص إيجاد العمل لديهم أقل بكثير وكما تتكون صعوبة لديهم في تكوين صداقات جديدة. كما أن مستوى الصحة النفسية له علاقة عكسية مع البطالة، إذ بتدني مستوى الصحة النفسية ترتفع معدلات البطالة في المجتمع، حيث تنخفض بدورها أيضا فرص التفاعل الاجتماعي للمريض أكثر. وقد أثبت العلاج النفسي أن التفاعل الاجتماعي وتكوين الصداقات يلعب دورا هاما في تحسين الحالات الشائعة عند المرضى مثل مرض الاكتئاب.
وللإسلام هنا دور هام آخر في حياة المسلم، حيث يحث الدين على الانخراط في العلاقات الاجتماعية وتقوية صلة الأرحام، وبأداء الصلاة جماعة وأداء حقوق الجيران، كما يأمر الإسلام بالعناية بالمرضى والمحتاجين. وكوننا مسلمين أحمديين نجد أن فرص مساعدة الخلق متاحة أكثر لنا وسهلة من خلال فروع الجماعة الخمسة: أنصار الله، وخدام الأحمدية، وأطفال الأحمدية، وأيضا لجنة إماء الله وناصرات الأحمدية. بحيث يخدم كل من الذكور والإناث بأعمارهم المختلفة في فروعهم ضمن ذويهم.
مما سبق نرى أن الإسلام دين جميل وكامل بحيث إن تفاصيل عباداته وأوامره ونواهيه تشمل الرعاية الصحية النفسية الإيجابية. ومن خلال آيات القرآن الكريم نجد جوانب الأفكار الرئيسية لمعظم مدارس الطب النفسي. ولذلك هناك ضرورة للمسلم إلى التمسك بكتاب الله واللجوء إليه وقت المحن. يقول القرآن الكريم:

الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد 29)