• لماذا الدعاء رغم القدر؟!
  • ما هية الدعاء
  • الدعاء فطرة والواب في المصلحة

“سألتَ عن الدعاء، وقلتَ: لِمَ ندعو لما هو مقدَّر من قبل؟ فاعلم أن قانون الله القديم في كل مقدّر هو أنه تعالى قد جعل طرقًا معيَّنة لنيل الإنسان ما هو مقسوم له، وإنْ كان من المقدَّر أن يناله. وهذا القانون الإلهي جارٍ وسارٍ في كل شيء، فمثلاً مَن أراد إزالة عطشه لزمه شرب الماء، ومَن بحث عن النور لزمه أن لا يبقى قابعًا في غرفة مظلمة، بل عليه أن يخرج إلى الشمس. وبالمثل قد جعل الله الدعاء والصدقة والحسنات وكل الأعمال الصالحة الأخرى شرطًا لحصول الإنسان على بغيته. فكما كان من المقدر سلفًا أن ينال شيئًا معينا، كذلك كان من المقدر أيضًا أن يناله بقيامه بالدعاء أو إخراج الصدقة وغيرهما. فإذا كان من القدر المبرم أن ينال بغيته، فهناك قدر مبرم آخر بأن يدعو لذلك أيضًا، ومن المحال أن يمتنع عن الدعاء، بل سيتحقق هذا القدر الثاني بالتأكيد ولا مفر له من الدعاء أيضًا.

ولا يلزم في الدعاء أن يدعو بلسانه فقط، بل الدعاء اسم لطلب ينبع من قلب العبد المتواضع عند توجهه إلى الله القوي القادر في قلق واضطراب، راجيًا منه رفع البلاء الذي عجز عن رفعه. فالدعاء في الحقيقة أمر طبيعي أُودِع في فطرة الإنسان. والحق أن حالة الطفل الرضيع الذي يبكي من شدة الجوع تُدعى دعاء.

باختصار، إن الاستعانة بالله الكريم بالدعاء ليست أمرًا غير طبيعي، بل إنه داخل في الفطرة ومن القوانين المحددة المقررة. ومن يُوفَّق للدعاء تكون الاستجابة والقبولية مقدرتين له. بيد أنه ليس ضروريًا أن يُستجاب دعاؤه كما دعا، إذ من الممكن أن يخطئ الإنسان في طلبه كالطفل الذي يريد أن يمسك بحيّة، فتعطيه أمه الحنون عوضًا عنها، لعبة جميلة لعِلمها أن في إمساكه بالحيّة هلاكه.

خلاصة القول، إن الدعاء ليس ضد المقدّرات الأزلية، بل هو ضمنها، ولذلك يميل الإنسان إلى الدعاء عند حلول المصائب. ولدى العارفين تجربة شخصية أن من يسأل يُعطى. لقد أزال الله تعالى في كل عصر وزمان مشاكل المقربين ومتّعهم بأفضاله بطرق عجيبة نتيجة الدعاء”. (مكتوبات أحمدية، مجلد 1، الرسالة رقم 34)