• الخليفة هو ظل الله على الأرض.
  • الخلافة ليستْ ثمرة سعي أحدٍ وإنما هي هبة ربانية.
  • الله متِمُّ نورِهِ ولَوْ كره الكافرون.
  • بدأت الخلافات عن أداء الزكاة وأمور أخرى في بداية خلافة حضرة أبي بكر ولكنه واجهها وأزالها بالصبر والحكمة ونجح عند كل تحدٍ ومشكلة لأنه كان فيه روح الرسول ونوره.

لم يخلق الله تعالى الإنسانَ إلا ليستخلفَه، فكل إنسان يحوي بذرة الخلافة، وهو قادر عليها، مصبوغ بها، لكن من الأرض ما هو قيعان، ومنها ما هو أجارد، ومنها ما هي طيبة تحفظ الماء وتنبت العشب والمرعَى، وتلك هي الأرض التي يختارها سبحانه إذا أراد أن يستودع ماء وحيه وشريعتَه في خلقه، فالخليفة في جماعته ظلُّ الله في خلقه، والسلطان في سلطنته، والمرشد في جوقته ومريديه، والشيخ في طلاب علمه هو رمانة الميزان التي لا يستقيم بدونه وزن، ولا ينبت من غيره نبْتٌ، ولا يُقبَل من دونه حُكمٌ، ولا يُهدَى من دونه ضالٌّ، ولا يُعلَّم من دونه درس، وعلامة صدقه فلاح مسعاه، ونجاح مبتغاه، وتحقق وعوده، وتبعيةُ نواميس الكون لأدعيته وانشغالُها جميعا في اتساق وتناغم من أجل إنجاح خططه وتصديق نبوءاته، وإعلاء كلمته كأنها جميعا تنطق بلسان تصديقه وتأييده كأنها جوارحه.
والخلافة ليست ثمرة سعْي ساعٍ، ولا نتيجة اجتهاد مجتهد، وإنما هي هِبةٌ ربانية تشهد للمولى سبحانه بصدق الوعد، لأنه هو الذي وعد بالاستخلاف والله إذا وعد وفى، وهو القائل في كتابه العزيز:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (1)،

فلم تكن خلافة آدم من ثمرات مساعيه ونتائج حِيَلِه، كذلك قال تعالى لنبيه داود :

يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ (2)،

كذلك وعد كل من كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يجعلهم خلفاء الأرض، وأن يجعلهم أئمةً ويجعلهم الوارثين لأنهم تنوَّروا بنوره واهتدوا بهديه، فقال تعالى:

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (3)،

فهو الذي يستخلف ويصطفي ويجتبي ويختار، اصطفى الأنبياء لأنهم أقرب البشر إلى مثاله وأسمائه وصفاته، واجتبى الخلفاء لأنهم أقربهم إلى مثال الأنبياء، واختار الأولياء لقربهم إلى الخلفاء، ثم إذا شاء صيَّر الوليَّ خليفة، وإذا شاء صيَّر الخليفة نبيا، وإذا شاء صيَّر النبيَّ خاتما للنبيين بما حاز جميع كمالاتهم، وبما صار للمؤمنين أبا وأزواجه أمهاتهم ، وصاروا هم له جميعا أبناءً .

لا تموت الخلافة وإن ماتت أجساد النبيين، ولا تموت وإن فارق الحياةَ الخلفاءُ، ولا تموت وإن خفيَ على الناس الأولياء، فالأولياء كامنون في الخلق كمون النار في الزند، لا يعرِّفهم الله إلا لمن يشاء، ذرية أرواحٍ بعضها من بعض والله سميع عليم.

منذ أن كلَّم الله تعالى الإنسان الأول وهو يأبى إلا أن يتم نوره، وتمام نوره في استمرار وحيه ونبواته وخلافته.
بقاء الخلافة في الأرض دوام وجوده ودوام التعلق به ومحبته، ودوام الاستمساك بشرعه، ودوام عبادته وقبول نقشه والتشبه بصفاته وديمومة أسمائه.
كلما هبت رياح الجهل على سراج خلافة الله تريد أن تطفئ نوره أراد الله نفاذ مشيئته، فيرسل عساكره الروحانية لتحول دون ذلك الفساد، ويمدها سبحانه بمدد من زيت شجرته المباركة، حتى تضيء ذبالته ويسطع نوره فيرتعب الضواري المجرمون، ويفر من الميدان كل جبان أثيم، وينقلب السحر على الساحر، فلا يفلح حيث أتى، ويكيدون كيدا، ويكيد كيدا، وهذا أوان ينتهي إليه إمهال الكافرين، وتشتعل جذوة سراج الله فيسُر الناظرين، ويضيء طريق السالكين، ويهدي به الضالين.
لا تموت الخلافة وإن ماتت أجساد النبيين، ولا تموت وإن فارق الحياةَ الخلفاءُ، ولا تموت وإن خفيَ على الناس الأولياء، فالأولياء كامنون في الخلق كمون النار في الزند، لا يعرِّفهم الله إلا لمن يشاء، ذرية أرواحٍ بعضها من بعض والله سميع عليم.
مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ، وأبا الصالحين، ومرشد الأولياء النورانيين، فلما استرشدوا برشده، وتحسسوا سبيله وأسوته، وأوقدوا مصابيحهم من سراجه، صار ابنُ أبي قحافة أبا بكر، وصار رُوَيع مكة عُمراً، وصار رعاة الشاء أمراء العالمين.
عندما فارق رسول الله الدنيا لم يفارقها إلا وقد استودع أبا بكر روحه الطاهرة فحلت فيه طهارتُه، واستولت على كيانه كله، وجردته من كل كدورة بقيت، وكل ذرة في ركن ركين كانت قد انزوت، فصار طهراً كلُّه، واستخلفه على صلاة الناس، فاستخلفه على روح دينهم، واستخلفه عن نفسه لما أدرك أنه صار كأنه هو، وأدرك أبو بكر ذلك ووعاه.
ولما تقدم الناسَ في الصلاة قد أدركها، ولما أصرَّ رسولُ الله على ألا يصلي بهم غيره أدركَها، وقد أدركها عمر عندما قال له لما استعرَ الخلاف في السقيفة: «امدد يدك أبايعْك». وقد أدركها هو عندما أعلن على الناس وفاة الرسول ولا محالة، وقد أدركها عندما اعتلى منبر رسول الله، الذي لم يعْتلِه أحد قبله خطيبا في الناس، وقد أدركها أكثر عندما حاولت القبائل اختبار مدى إدراكه لها فامتنعوا عن أداء الزكاة له، ولأنه كان يدركها ويدرك أن رسول الله لم يفارق أمته ما دام هو فيها، ولم يفارق منبره ما دام هو يعتليه، وما زال يقيم شرع الله ما دام هو قائما عليه، أدركها فقال قولته الشهيرة التي تنبئ عن عمق إدراكه لها: «والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه». لنا أن ننظر إصراره على تحقيق إرادة نبيه . لم يكن مصراً على مقاتلتهم إلا لأنهم خالفوا أمر محمد الذي كان مُصراً على أن يُشعرهم حقيقة حياتِه، ويؤكد لهم أنه ما زال حيًّا، لم يقل قولته إلا من فَرْط إدراك استمرار نبوة محمدٍ في خلافته، وحياة محمد في حياته، ولما قرر مقاتلتهم كان قراره نابعا من روحٍ محمديةٍ تحيا بها روحُه، لم يكن حريصا على المال بقدر حرصه على الاستماتة في سبيل إثبات حياة محمدٍ، ونفيِ أي خاطرة تخطر في قلبٍ توسوس بتمام انقطاعه، ولسانُ حاله يقول: إنَّ محمدًا لم يمت ما دمتُ حيا لم أمُت، فمحمدٌ حيٌّ بحياتي، فمن أراد أن يميته أَمَتُّه.
لم يكن عمر يدركها كما كان يدركها هو، لكنه هو عمر الذي قال: «ما سابقت إلى مكرمةٍ إلا سبقني إليها أبو بكر»، لذلك استحق إمامة الناس في الصلاة، واستحق أن يقف حيث يقف رسول الله ، واستحق ألا يسبقه أحد إلى اعتلاء منبره، واستحق أن يكون هو خليفتَه من بعده.

إنه أبو بكر الذي بكَّر بالإيمان إذ علم، وبكَّر بالصحبة إذ عزم الرسول الهجرة، وبكَّر بإعلان وفاته إذ ذهل الآخرون، وبكَّر بخلافته عندما أدرك عمر مقامه، ومد يده لمبايعته ومن ثَمَّ بايعه الناس، إنه أبو بكر الذي بكَّر بإعلان أن نور الاستخلاف باقٍ بقاء السماوات والأرض.

أصر على حرب المتمردين على غير رغبة من أكابر الصحابة، وقد نجح، وأصر على حرب مانعي الزكاة على غير رغبة من الصحابة، وقد نجح، وأثبت انضمام مانعي الزكاة إلى من يخططون لمهاجمة المدينة صدقَ حدسِ أبي بكر، ولو كانت كل مشكلتهم مع الخليفة تتمثل في الاختلاف على من يجب أداء الزكاة له، ففيمَ كانت حاجتهم إلى خوض حرب في سبيل ذلك؟! وأصر على حرب مسيلمة الكذاب والخروج إليه بجيشه بعدما كان قد عزم على محاصرة المدينة وشنِّ الحرب عليها وإسقاط الخلافة والقضاء على الإسلام، وقد نجح الصديق في ذلك ونصره الله نصرا مؤزَّرا.
ولما وقع الاختلاف حول إرسال جيش أسامة الذي كان الرسول قد أمر بإرساله قبل وفاته، لكنَّ قدَرَ الله لم يمهله لإمضاء قراره بنفسه، أمضاه أبوبكر الذي أصرَّ ألا يكون إلا ما أراد محمد أن يكون، ذلك لأنه أدرك أنه كأنه هو، كان ينتهز كل فرصة ليقول للناس أن الخلافة قبس من نور النبوة، وأنها حضور للنبيّ بقدَر، وأنها اكتمال حروف كلمته، وتعهُّد زيت سراجه، ومحاربة آفات زرعه، وموالاته بالعناية حتى يغلظ ويستوي على سوقه.
إنه قد أصر على إرسال جيش أسامة إنفاذاً لأمر رسول الله الذي رآه واجب النفاذ، كان يدرك أن الرسول كان يرى بعينيه نجاح خطة جيش أسامة فأصر على إنفاذها، وقد نجح، كانت نجاحاته تؤكد كل يوم أنه مؤيَّد من الله، ينال ما نال الأنبياء من وعد الاستخلاف والنصرة وإبدال الخوف أمنا، ولو لم يكن من الله ـ كما يزعم الشيعة ـ ما أنجح الله مساعيه، ولما كتب له النصر والمجد والعلاء.
كانت نجاحاته نجاحا لرسول الله ، وإنجاحاً لخططه وتأكيداً على صدق نبوءاته، كانت إصرارات أبي بكر المتتابعة المستميتة كلها تؤكد كمال محمد ليس إلا.
إن أبا بكر الذي تشجع على أن يعلن في الناس بقوله أن محمداً قد مات، هو ذاته الذي أعلن بأفعاله أن محمداً لم يمت، وما كان ينبغي له أن يموت ما دام قد ترك من بعده أمثاله وأشباهه ونُظراءه. وإذا كان الكتاب لا ينزل إلا على الأنبياء، لكنه ربما أسند أمر جمعه وحفاظته بإذن الله للخلفاء..
إنه أبو بكر الذي بكَّر بالإيمان إذ علم، وبكَّر بالصحبة إذ عزم الرسول الهجرة، وبكَّر بإعلان وفاته إذ ذهل الآخرون، وبكَّر بخلافته عندما أدرك عمر مقامه، ومد يده لمبايعته ومن ثَمَّ بايعه الناس، إنه أبو بكر الذي بكَّر بإعلان أن نور الاستخلاف باقٍ بقاء السماوات والأرض.
ولما انتقل أبوبكر إلى ربه وجوار حبيبه ورفيق درب ، أدرك عمر ما لم يكن يدرك، ووعى ما لم يكن يعي، وعمل جاهداً أن يكون أبا بكر، ومن ثم يكون محمدا، فاستحال ليِّنا بعد شدة، رفيقا بعد جفوة، وسهلا بعد حُزونة، فانتهج نهجَه وتلمَّس سبيلَه واقتفى أثره، موقنا أنه بذلك يقتفي آثار الله ورسوله، لأن أبا بكر لم يكن إلا حيث كان الله ورسوله.
تلك هي خلافة الله في الأرض، التي شاء لها أن تستمر وتقوى كلما اعتصم أهلها بحبلها، وتنضو وتنحل كلما ردم التراب عيون مائهم، أو فقدوا حِبالهم ودِلاءهم، ولم يعد فيهم مائح ولا ماتح.
لكن الله كان قد وعد أن يستخلف في الأرض الذين آمنوا وعملوا الصالحات كما استخلف الذين من قبلهم، إذا صدق إيمانهم، وصلحت أعمالهم، وكانوا أمثالَهم، وإن الله لا يخلف وعده، فأرسل مسيحه الموعود يتلو آياته، ويزكي عباده، ويعلمهم الكتاب والحكمة، فجدد الله وعده، وبعث عبده، وأحيا خلافته ، وأنار سبيله للسالكين، فالحمد لله رب العالمين.

1. (البقرة 31)
2. (ص 27)
3. (النور 56)