• اليونسكو والإسلام، ووحدة الهدف
  • السنة النبوية تؤصل لقيم المواطنة وحقوق الإنسان
  • الإسلام والدعوة إلى التعلُّم والتعليم
  • الاقتصاد الإسلامي ومبدأ التكافل
  • محمد صلى الله عليه وسلم محررُ العبيدِ الأولُ
  • الإسلام وترسيخ مبدأ الاحترام المتبادل
  • تعزيز قيمة الإنسان
  • الإسلام المنادي الأول بحقوق المرأة
  • الأحمدية الانعكاس الأمثل للتعاليم المحمدية
  • حتى الأسرى والسجناء وَضَعَهُم الإسلام على قائمة الرعاية
  • الحرب في شريعة الإسلام
  • عالم اليوم مدين لنهضة الإسلام الفكرية

بسم الله الرحمن الرحيم

الضيوف الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بدايةً، أود أن أغتنم هذه الفرصة لأشكر إدارة «اليونسكو» على إتاحتها الكريمة لنا عقد هذا الحدث اليوم، كما أود أن أعبر عن خالص امتناني لجميع الضيوف الذين قبلوا دعوتنا وجاؤوا للاستماع لرجل ليس سياسيًا ولا قائدًا سياسيًا ولا عالِـمًـا وإنما إمام جماعة دينية، إنها الجماعة الإسلامية الأحمدية.

«اليونسكو» والإسلام، ووحدة الهدف

إن أهداف «اليونسكو» التأسيسية لأهداف محمودة وجديرة بالثناء، فمن بين أهدافها التي أعرفها: تعزيز السلام والاحترام، والعمل على سيادة القانون، وتعزيز حقوق الإنسان وحق التعليم في العالم كله. كما تدافع «اليونسكو» عن حرية الصحافة وتسعى لحماية الثقافات المختلفة والتراث.

ومن أهدافها الأخرى: مكافحة الفقر والعمل على تعزيز التنمية العالمية المستدامة وضمان أن تترك الأجيال المتقدمة خلفها إرثًا نافعًا تستفيد منه الأجيال اللاحقة.

ربما ستندهشون من معرفة أن تعاليم الإسلام تحض المسلمين على العمل من أجل تحقيق نفس هذه الأهداف، وأن يسعوا باستمرار من أجل تقدم البشرية.

وهذه الخدمة نتيجة لما جاء في أول سورة من القرآن الكريم والتي يقول الله تعالى فيها أنه رب العالمين، فهذه الآية هي محور العقيدة الإسلامية حيث عُلّم المسلمون أن الله تعالى ليس ربهم ورازقهم فقط بل رزّاق جميع البشر، وهو الرحمن الرحيم. لذا وبغض النظر عن الطبقة الاجتماعية أو العقيدة أو اللون، فإن الله تعالى يلبي حاجات جميع خلقه.

ونظرًا إلى هذا، فإن المسلمين الحقيقيين يؤمنون إيمانًا راسخًا بأن جميع الناس قد ولدوا متساوين وأنه وبغض النظر عن اختلافاتهم الدينية، فإن قيم الاحترام والتسامح المتبادل يجب أن تترسخ بقوة في المجتمع.

ثمة مبدأ إسلامي جميل ورد في القرآن الكريم يقول:

صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً (البقرة: 139)،

أي أن على المسلمين السعي لاتباع سبل الله تعالى والتخلق بأخلاقه. وكما ذكرت، فإن نعم الله تشمل الجميع وهو رَزااق ومعيل جميع الناس بمن فيهم أولئك الذين ينكرون وجوده. وتتنزل نعمه ورحمته حتى على أولئك الذين يذكرونه بسوء دائمًا أو الذين يقومون بأعمالٍ وحشية في العالم.

ربما ستندهشون من معرفة أن تعاليم الإسلام تحض المسلمين على العمل من أجل تحقيقِ نفس هذه الأهداف، وأن يسعوا باستمرار من أجل تقدم البشرية.

في الإسلام، فلسفة العقوبة التي وضعها الله سبحانه وتعالى تؤجل أكثر إلى الآخرة، بينما في هذه الحياة، يواصل الله عز وجل إسداء نعمه ورحمته للعالم.

ومن خلال توجيه المسلمين لسلوك سبله، أمرهم الله تعالى بإبداء التعاطف والمواساة لإخوانهم البشر. وعلى ضوء ذلك، فإن من واجب المسلمين تلبية احتياجات الآخرين بغض النظر عن دينهم أو ثقافتهم أو عرقهم، وأن يواسوهم ويهتموا بمشاعرهم واحتياجاتهم.

علاوة على ذلك، قد أعلن القرآن الكريم أن الله تعالى قد بعث نبي الإسلام إحسانًا ورحمةً للعالمين، وقد كان مظهرًا عمليًا لتعاليم الإسلام السمحة.

السنة النبوية تؤصل قيم المواطنة وحقوق الإنسان

وبعد أن جاء بالإسلام، تعرض النبي الأكرم محمد وأتباعه لمعاملة همجية ووحشية من قبل غير المسلمين في مكة، وقد تحملوها بصبرٍ وثبات. وفي النهاية، وبعد معاناة سنواتٍ من الاضطهاد المستمر، هاجروا إلى المدينة حيث أبرم الرسول محمد معاهدة سلام بين المسلمين المهاجرين، واليهود وبقية أفراد المجتمع.

وبحسب شروط هذه المعاهدة، تعاهدت الجماعات المختلفة على العيش معًا بسلام وأداء حقوق بعضهم بعضًا وتعزيز روح المواساة والتسامح والتعاون المتبادل.

لقد تم انتخاب الرسول الكريم محمد رئيسا للدولة. وتحت قيادته، أثبتت هذه المعاهدة أنها ميثاقٌ مثالي لحقوق الإنسان وأسلوب الحُكم، كما كفلت السلام بين الجماعات المختلفة.لقد أنشأ نبي الاسلام هيئة قضائية حيادية للنظر في حل النزاعات، وأوضح أنه ليس هناك قانون للأغنياء والأقوياء وآخر للفقراء والضعفاء. بل ستتم معاملة الجميع بالتساوي بموجب قانون الدولة. على سبيل المثال، في إحدى المناسبات، ارتكبت سيدة جريمة، وكانت من عائلة شريفة، فأشار عليه بعض الناس أنه بالنظر إلى مكانتها الرفيعة في المجتمع من الأفضل غض الطرف عن جريمتها، لكن رسول الله محمد رفض نصيحتهم قائلا: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء). فبيَّن أنه حتى لو أن ابنته ارتكبت جريمة، فإنها أيضًا ستخضع للقانون ولن يكون هناك أي انحياز.

الإسلام والدعوة إلى التعلُّم والتعليم

بالإضافة إلى ذلك، أنشأ نبي الإسلام نظامًا تعليميًا ممتازًا تم من خلاله النهوض بالمعايير الفكرية لذلك المجتمع. وأُمر المتعلمون بتعليم الأميين، ووُضعت تدابيرٌ خاصة لتوفير التعليم للأيتام وغيرهم من الضعفاء من أفراد المجتمع. وقد تم كل ذلك حتى يتمكن الضعفاء والعاجزون من الوقوف على أقدامهم والتقدم.

الاقتصاد الإسلامي ومبدأ التكافل

وتم أيضًا إنشاء نظام ضريبـي فُرضت بموجبه الضرائب على الأثرياء من أبناء المجتمع، واستُخدمت عائداته لتوفير المساعدات المالية للمحرومين من أبناء المجتمع. ووفقًا لتعاليم القرآن الكريم، أسس نبي الإسلام قواعد عمل وآداب مالية لضمان أن تكون التجارة عادلة ونزيهة.

محمد محررُ العبيدِ الأولُ

وفي عصرٍ كانت فيه العبودية مستشرية؛ حيث عامل الأسياد عبيدهم بلا أدنى رحمة، سعى نبي الإسلام لإحداث ثورة في المجتمع، وأُمر مالكو العبيد بمعاملة عبيدهم برحمة واحترام، وحضّهم الرسول مرارًا على عِتقهم.

الإسلام والبيئة الصحية

وكذلك، تحت قيادة النبي محمد ، تم تطوير نظام للصرف الصحي العام، وتم تنفيذ برنامج لتنظيف المدينة وتثقيف الناس حول أهمية النظافة الشخصية والصحة البدنية، كما تم توسيع طرق المدينة وتحسينها، وأجريت إحصائية لجمع البيانات وتحديد احتياجات المواطنين.

وهكذا، خلال القرن السابع الميلادي وتحت الحكومة التي قادها نبي الإسلام ، حصل تقدمٌ مذهل في المدينة في مجال الحقوق الفردية والاجتماعية. في الواقع، تأسس لأول مرة بين العرب مجتمعٌ منظم ومتمدن. وقد كان من عدة نواحٍ مجتمعا نموذجيا من حيث البنية التحتية والخدمات، والأهم، من حيث الوحدة والتسامح التي ظهرت في مجتمع متعدد الثقافات.

وهكذا، خلال القرن السابع الميلادي وتحت الحكومة التي قادها نبي الإسلام ، حصل تقدمٌ مذهل في المدينة في مجال الحقوق الفردية والاجتماعية. في الواقع، تأسس لأول مرة بين العرب مجتمعٌ منظم ومتمدن. وقد كان من عدة نواحٍ مجتمعا نموذجيا من حيث البنية التحتية والخدمات، والأهم، من حيث الوحدة والتسامح التي ظهرت في مجتمع متعدد الثقافات.

الإسلام وترسيخ مبدأ الاحترام المتبادل

كان المسلمون مهاجرين، لكنهم اندمجوا بسلاسة في المجتمع المحلي وساهموا في تحقيق النجاح والتقدم.

ثم، من حيث تعاليم الإسلام، فإن مما يسبب الحزن العميق هو أنه في عالم اليوم، يساء إلى شخصية نبي الإسلام الكريم ، فلقد وُصف بأنه زعيمٌ محارب بينما لا يوجد ما هو أبعد عن الحقيقة من ذلك.

الحقيقة هي أن نبي الإسلام قد أمضى كل لحظة من حياته في الدفاع عن حقوق الإنسان. ومن خلال تعاليم الإسلام، وضع ميثاقًا خالدًا منقطع النظير لهذه الحقوق. على سبيل المثال، علمنا أن على الناس احترام معتقدات ومشاعر بعضهم البعض، وأن عليهم عدم انتقاد مقدسات الآخرين.

ذات مرة جاء يهوديٌ إليه واشتكى من سلوك أحد الصحابة، فاستدعاه النبي وسأله عما حدث، فقال أن اليهودي ادّعى أن موسى ( ) أعلى مكانةً من نبي الإسلام فلم أستطع تحمل ذلك وقمت بتفنيده بشدة وقال إن نبي الإسلام أعلى منزلة. وعند سماع ذلك، أعرب النبي عن استيائه من أقرب المقربين إليه، وقال له إنه كان عليه ألا يجادل اليهودي وأن يحترم مشاعره الدينية.

كانت هذه هي تعاليمه المنقطعة النظير، ومن وجهة نظري، من دواعي الأسف أن عالم اليوم قد فرَّط في قيم الاحترام المتبادل -الذي هو وسيلة لإقامة المحبة والوحدة – باسم ما يسمى بالحرية أو حتى باسم التسلية. ولم يسلم حتى مؤسسو الأديان من السخرية والازدراء، على الرغم من أن الاستهزاء بهم يجرح مشاعر الملايين من أتباعهم في جميع أنحاء العالم.ومن ناحية أخرى، ذهب القرآن الكريم إلى حد القول بأنه لا ينبغي للمسلمين أن يتكلموا بسوء حتى على أصنام الآخرين لأن هذا سيوغر صدورهم وقد يسيئون الرد على ذلك بسب الله تعالى، مما سيتسبب في زعزعة السلام والوحدة في المجتمع.

تعزيز قيمة الإنسان

ومن حيث الوفاء بحقوق الضعفاء والفقراء، فقد وضع الرسول الكريم خططا وأنشأ مشاريع مختلفة لرفع مستويات معيشتهم ولضمان حفظ كرامتهم، وقال إنه بينما يعطي معظم الناس مكانة أعلى للأثرياء والأقوياء، فإن الفقير الخلوق والمراعي لمشاعر الآخرين أعلى مقامًا بكثير من الغني الذي لا يهتم بمشاعر الآخرين ولا يبالي إلا بنفسه.

حتى في الأمور الصغيرة، أولى نبي الإسلام اهتمامًا كبيرًا لمراعاة مشاعر المعوزين. على سبيل المثال، قد أمر المسلمين بدعوة الفقراء والمحتاجين دائمًا لمآدب العشاء أو المناسبات الاجتماعية. وإذا وقع ظلم على الفقراء من قبل الأثرياء والأقوياء، كان نبي الإسلام يأمر أتباعه بمساعدة الطرف الأضعف على تحقيق العدالة.

كما سعى النبي الأكرم دائمًا إلى القضاء على العبودية. وفي هذا الصدد، دعا مرارًا إلى عتق الرقاب، وأوعز إلى أتباعه أنه إذا لم يمكن ذلك ممكنا على الفور فيجب على الأقل أن يطعموهم مما يأكلون ويلبسوهم مما يلبسون.

تعزيز قيمة الإنسان، والإسلام المنادي الأول بحقوق المرأة

هناك مسألة أخرى تثار كثيرًا حول حقوق المرأة، وغالبًا ما يُزعم أن الإسلام ينكر حقوق المرأة، لكن لا يوجد قول مجانب للحق والحقيقة أكثر من هذا. فلقد حاز الإسلام قصب السبق في الدعوة لحقوق النساء والفتيات في وقتٍ كانت معاملتهن تتصف بالتمييز المجحف وطالما كان ينظر إليهن بازدراء. لقد قال بوضوح: «مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ وَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (سنن ابن ماجه، كتاب الأدب).

وهكذا أقام الإسلام حقوق النساء والفتيات لأول مرة، في وقتٍ كان يتم فيه التمييز ضد النساء والفتيات وغالبا ما كان ينظر إليهن باحتقار. فأمر نبي الإسلام الكريم أتباعه بتعليم الفتيات وضمان احترامهن.

الأحمدية الانعكاس الأمثل للتعاليم المحمدية

فعلى النقيض مما يدعيه المتطرفون بأن الجهاد العنيف، وقتل غير المسلمين يوجب لصاحبه الجنة، قد علمنا نبي الإسلام أن الطريق إلى الجنة يكون عن طريق تربية البنات وغرس القيم الأخلاقية فيهن.

بناءً على هذه التعاليم، فإن المسلمات الأحمديات في جميع أنحاء العالم متعلمات ومتفوقات في مختلف المجالات. فتراهن طبيبات ومعلمات ومهندسات معماريات وغيرها من المهن الأخرى التي يمكن لهن من خلالها خدمة الإنسانية.

نحن نضمن حصول البنات على التعليم على قدم المساواة مع البنين، وبالتالي فإن نسبة المسلمات الأحمديات المثقفات في البلدان النامية تبلغ 99% على أقل تقدير.وإضافة إلى التعليم، فالإسلام هو أول من منح المرأة الحق في الميراث، والحق في الطلاق والعديد من حقوق الإنسان الأخرى.

اهتمام الإسلام بالأسرى والسجناء

لقد أكد النبي الكريم على حقوق الجيران، وقال: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (صحيح البخاري، كتاب الأدب).

وهكذا، أعلن النبي حقوق الإنسان العالمية، وجعلها حقا متاحا للجميع بغض النظر عن معتقداتهم أو وضعهم الاجتماعي أو عرقهم. لقد تحدثت آنفا عن كيف ركَّز نبي الإسلام كثيرًا على أهمية التعليم، وقد ظهر ذلك عقب أول معركة في تاريخ الإسلام.فعلى الرغم من أن جيش الأعداء كان مجهزًا أحسن تجهيز، إلا أن المسلمين قد تمكنوا من هزيمة ذلك الجيش المكي القوي بعون الله تعالى.

ثم أعلن النبي الكريم مبادرة إطلاق سراح أسرى الحرب الذين كانوا يعرفون القراءة والكتابة، بشرط أن يُعلموا أولاً الأميين في المجتمع القراءة والكتابة.وبهذه الطريقة أنشأ نبي الإسلام ، قبل عدة قرون، نموذجًا ناجحًا جدًّا لتأهيل السجناء ودمجهم في المجتمع، الأمر الذى عاد بالفائدة على المجتمع ككل.

الحرب في شريعة الإسلام

كثيرًا ما يُزعم بأن الإسلام دين العنف والحرب، ولكن الحقيقة المذكورة في القرآن الكريم هي أن الإذن بالقتال قد صدر من أجل تأسيس مبادئ حرية العقيدة وحرية الضمير للإنسانية جمعاء والحفاظ عليها. يقول القرآن:

وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج: 41)،

إذ إنه لو لم يدافع المسلمون عن أنفسهم ضد الجيش المكي، لما بقيت كنيسة، ولا كنيس، ولا معبد، ولا مسجد ولا أي مكان عبادة آخر آمنًا، لأن أعداء الإسلام كانوا عازمين على القضاء على كافة أشكال الدين.

في الواقع، إن جميع الحروب التي شارك فيها المسلمون الأوائل كانت دفاعية دائما وقد خيضت من أجل إقامة سلامٍ طويل الأمد وحماية حق جميع الناس في العيش بحرية. فإذا كان هناك مسلمون اليوم قد تبنوا طرقًا متطرفة أو خطابات الكراهية والعنف، فذلك لأنهم قد تخلوا عن تعاليم الإسلام أو لأنهم يجهلونها تماما.

عندما يقوم أفرادٌ أو جماعات بالأعمال الإرهابية، فهذا ليحصلوا على السلطة أو الثروة. وبالمثل، عندما تتبنى بعض البلدان سياساتٍ غير عادلة ومتطرفة، فإن أهدافها ترتبط دائمًا بالمكاسب الجيوسياسية وتأكيد سيطرتها على الآخرين. ولا علاقة لسلوكها بالإسلام.

ينص القرآن الكريم بوضوح على أنه

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (البقرة: 257)

وينهى الإسلام المسلمين عن العدوان، وبالتالي فإن نبي الإسلام وخلفاءه الأربعة الراشدين لم يسعوا مطلقًا إلى الحرب أو العنف، بل سعوا في جميع الأوقات إلى السلام والمصالحة، وقدموا تضحياتٍ لا حصر لها في سبيل ذلك.

عالَم اليوم مدين لنهضة الإسلام الفكرية

هناك اعتراض آخر يوجه ضد الإسلام من قبل بعض المنتقدين وهو أنه دين متخلف وقديم، أو دين لا يشجع على التقدم الفكري. وهذه الصورة النمطية تستند إلى الخيال لا إلى الواقع، وهو اعتراضٌ لا أساس له، فالقرآن الكريم نفسه قد أكد على أهمية التعلُّم عن طريق تعليمنا دعاء «ربّ زدني علمًا.»

وحيث إن هذا الدعاء مصدر دعم كبير للمسلمين، فإنه يشجعنا أيضًا على التعلُّم وعلى التقدم في المعرفة الإنسانية.الحقيقة هي أن القرآن الكريم وتعاليم النبي الأكرم قد ألهمت أجيالًا من المثقفين المسلمين والفلاسفة والمخترعين في العصور الوسطى. في الواقع، إذا رجعنا بالزمن أكثر من ألف سنة إلى الوراء، سنرى كيف أن العلماء والمخترعين المسلمين قد لعبوا دورا أساسيا في تطوير المعرفة والتقنيات التي غيرت العالم وما زالت تستخدم حتى اليوم.

على سبيل المثال، وضع ابن الهيثم الأساس لأول كاميرا على الإطلاق، واعترفت «اليونسكو» بعمله الثوري عندما أُعلن اسمه على أنه رائد البصريات الحديثة. ومن المثير للاهتمام أيضًا ملاحظة أن كلمة الكاميرا مشتقة من الكلمة العربية «قُمْرة».

في القرن الثاني عشر، أنتج رسام خرائط مسلم الخريطة الأكثر شمولية ودقة للعالم في العصور الوسطى والتي استخدمها المسافرون لقرون.

علاوة على ذلك، ففي مجال الطب، قام العديد من الأطباء والعلماء المسلمين باكتشافات عظيمة وكانوا وراء العديد من الاختراعات التي لا تزال تستخدم حتى اليوم.لقد اخترعت العديد من الأدوات الجراحية من قبل الطبيب المسلم «الزهراوي» في القرن العاشر، وفي القرن السابع عشر، قام الطبيب الإنجليزي وليام هارفي ببحثه الشهير الذي اعتُبر بحثًا رائدًا فيما يتعلق بالدورة الدموية ووظيفة القلب، ولكن اكتُشف لاحقًا أنه قبل أكثر من 400 عام من بحث هارفي، قام ابن النفيس وهو طبيب عربي، بتفصيل أساسيات الدورة الدموية الرئوية في كتابٍ باللغة العربية.

وفي القرن التاسع، أحدث جابر بن حيان ثورة في مجال الكيمياء. فقد ابتكر العديد من العمليات والأجهزة الأساسية التي لا تزال تستخدم حتى اليوم.

وتم ميلاد علم الجبر لأول مرة على يد مسلم، كما قدم ذلك العالم الكثير في مجال علم حساب المثلثات، وتعد الخوارزميات في العالم الحديث، أساسًا لتقنية الحوسبة الحديثة وقد كان المسلمون أيضًا أول من طورها، ولا تزال مساهمات المسلمين في التنوير الفكري معترَفًا بها.

على سبيل المثال، ذكر مقال في صحيفة نيويورك تايمز نشره مراسلهم عن قسم العلوم، دينيس أوبراين، دور العالم المسلم الفذ «الطوسي».

قال الكاتب: «نشر الطوسي العديد من الأعمال العظيمة في علم الفلك والأخلاق والرياضيات والفلسفة، مما يجعله أحد أعظم المفكرين في عصره.» وقال أيضًا: «أنشأ المسلمون في العصور الوسطى مجتمعًا، كان هو عاصمة العالم الثقافية. وكانت العربية لغة التعلم والعلوم لمدة 500 عام. لقد كان عصرًا ذهبيًا تدين به الجامعات الحديثة لجامعات السلف»، وهكذا، منذ البداية، شدد الإسلام على القيمة الهائلة للتعلم وقام بتوسيع حدود المعرفة الإنسانية.

وبفضل الله جل جلاله، كان أول مسلم يحصل على جائزة نوبل مسلمًا أحمديًا، هو الأستاذ الدكتور عبد السلام، وهو عالم فيزيائي بارز فاز بجائزة نوبل في الفيزياء عام 1979. وطوال حياته، تحدث الأستاذ سلام عن كيف أن الإسلام، والقرآن الكريم على وجه الخصوص، كان مصدر إلهام ونور هداية بين يدي عمله.

انظروا صورة الإسلام الحقيقي في مرآة الأحمدية

دأبت الجماعة الإسلامية الأحمدية منذ تأسيسها في عام 1889 على ترويج التعليم بين أبنائها. وبفضل الله جل جلاله، كان أول مسلم يحصل على جائزة نوبل مسلمًا أحمديًا، هو الأستاذ الدكتور عبد السلام، وهو عالم فيزيائي بارز فاز بجائزة نوبل في الفيزياء عام 1979. وطوال حياته، تحدث الأستاذ عبد السلام عن كيف أن الإسلام، والقرآن الكريم على وجه الخصوص، كان مصدر إلهام ونور هداية بين يدي عمله. في الواقع، كثيرًا ما كان يقول إن هناك حوالي 750 آية في القرآن الكريم ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالعلم، وتعزز فهمنا للطبيعة والكون.

إضافة إلى ذلك، كان الخليفة الثالث لجماعتنا يرغب في بزوغ فجرٍ جديد من العلماء الأكاديميين المسلمين ، فبدأ في جماعتنا عادة منح الميداليات الذهبية.

للتميز الأكاديمي. وكل عام يُقلّد المئات من الشابات والشبان الأحمديين المتميزين المتفوقين في الدرااسة ميداليات ذهبية. نحن نؤمن بلا شك بأن الوصول إلى التعليم هو مفتاح كسر حلقة الفقر الذي ابتليت به البلدان الضعيفة اقتصاديا لعدة أجيال، ولقد تعلمنا هذا من نبي الإسلام الكريم الذي حث المسلمين على تمويل تعليم أفراد المجتمع الضعفاء كالأيتام، وعلمنا أن التقدم الروحي مرتبط جوهريًا بخدمة الإنسانية. وهكذا لا يمكن للمسلم أن يحظى بمحبة الله تعالى من خلال العبادة والصلاة فقط، بل يتطلب حب الله سبحانه وتعالى من المسلمين خدمة الإنسانية أيضًا.

وهكذا، فقد جاء في القرآن الكريم:

أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (البلد: 15-17)،

توجيها للمسلمين إلى العمل للقضاء على الجوع والفقر، ولتلبية احتياجات الأيتام وتعليم الأطفال الضعفاء والفقراء حتى تتاح لهم الفرص للترقِّي.في جميع أنحاء العالم، تعمل الجماعة الإسلامية الأحمدية على هذه التعاليم النبيلة بأفضل ما لدينا من قدرات.

نحن نؤمن بأن الإسلام دين المحبة والرحمة، وبالتالي، فإننا نخدم الإنسانية دون النظر إلى دين أو عرق من نقوم بمساعدتهم. لذا أنشأنا في المناطق النائية والفقيرة من إفريقيا المدارس الابتدائية والثانوية وفتحنا أيضا المستشفيات والعيادات. ونحن نوفر الماء المعين النظيف في القرى النائية، مما يعني أن بإمكان الأطفال الذهاب إلى المدرسة بدلاً من قضاء وقتهم في قطع الأميال من أجل التزود بمياه البرك للاستخدام المنزلي لعائلاتهم. وأسسنا أيضا مشروعا لبناء القرى النموذجية التي تشمل القاعات العامة، والوصول إلى المياه النظيفة، والبنية التحتية للطاقة الشمسية وغيرها من المرافق المختلفة. ويتم تقديم كل هذه الخدمات إلى السكان المحليين، بغض النظر عن خلفيتهم أو معتقداتهم، وديننا هو محفزنا الوحيد وراء ذلك.

وحيث نسعى، بدافع المواساة الإنسانية، للقضاء على الفقر والعوز، فإننا نعتبر ذلك أيضا مفتاح تطوير السلام الدائم في العالم.

فإذا كان لدى الناس طعام للأكل، ومياه للشرب، ومأوى، وتعليم لأطفالهم، ورعاية صحية فعندها فقط سيكونون قادرين على العيش بسلام وسينجون من براثن الإحباط والاستياء القاتلة وهما ما يؤديان بالناس إلى التطرف. وهذه جميعها حقوق الإنسان الأساسية. وبالتالي فلن نرى سلامًا حقيقيًا في العالم، حتى نتمكن من مساعدة الناس على القضاء على الفقر والعوز.

في الختام، أدعو الله من كل قلبي أن تهجر البشرية الجشع، وتكف عن السعي وراء المصالح الشخصية الضيقة وأن تركز بدلا من ذلك على تخفيف ألم ومعاناة أولئك الذين يعانون في العالم.

بهذه الكلمات، أود مرة أخرى أن أشكركم على انضمامكم لنا هذا المساء، شكرًا جزيلا.

Share via
تابعونا على الفايس بوك