• من القائل بالوجود الدوري لبني آدم؟
  • وماذا تعني هذه العبارة؟
  • الأشباه والنظائر أمر واقع في حياتنا
  • المماثلة الروحانية هي الأصل
  • التناظرات كلها من سنن الله تعالى

الوجود الدوري لبني آدم

يقول المسيح الموعود في كتاب شهادة القرآن، أنه (ثابت عند الفلاسفة أن وجود بني آدم وجود دوريّ)، بمعنى أن الحياة الآدمية في الأرض مثل الدائرة التي يتصل أولها بآخرها، فلا يُعرَف من أي نقطة بدايتها، ولا إلى أي نقطة تنتهي، فمحيط الدائرة كله تصلح كل نقطة فيه أن تكون نقطة بداية، كذلك تصلح النقطة نفسها أن تكون نقطة نهاية، وبذلك قال القرآن الكريم في الآية الثالثة من سورة الجمعة

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)

ولا يختلف علماء الأمة اختلافات بينة أن المقصود من الآية، والآخرين المذكورين فيها بعثة الإمام المهديّ الذي هو كأنه محمد ، وخلفاؤه الذين كأنهم صحابته الكرام. وفي حديث للرسول يؤكد فيه أن أمته كالغيث، وأنه لا يُدرَى أيهما خير، أولها أم آخرها، فالآخرون فيها أشبَهُ بالأولين، فلا نستطيع أن نجزم على وجه الدقة أيهما أخير من الآخر.

وهناك مثل دارج على الألسنة يقول «يخلق من الشبه أربعين» وذلك يعني أن الناس متشابهون إلى حد كبير رغم الفروق الدقيقة الجوهرية بينهم والتي لا يعلمها ولا يقدر على الفصل فيها إلا الله، فكل واحد منا هو في الحقيقة مثال لأصل قديم، ونموذج لحقيقة سابقة، وخلف لسلف مضى. وتلك الصورة متحققة في عالم اليوم، حيث تعلن المؤسسات الفنية من وقت لآخر عن حاجتها لشبيه (عبد الحليم حافظ) أو (جمال عبد الناصر) أو (محمد عبد الوهاب) أو غيرهم من الشخصيات العامة، عندما يكونون في حاجة لمن يمثل أدوارهم في أعمال فنية، لتتحقق المصداقية، ويكون للشبيه التأثير المطلوب على المتلقي، ويتقدم لهذه المسابقات القائمة على دقة الشبه مئات من الأشباه.

ساد تقليد تتفق عليه الأمم جميعاً ولا تختلف، وهو أنهم يسمون أبناءهم بأسماء أسلاف لهم ممن سكنوا القبور وواراهم التراب منذ قرون خلت، وهم يعلمون تمام العلم أنهم يقصدون باستعارة أسماء السابقين للاحقين التيمن بهم، ولعل أبناءهم يبلغون مبلغهم، أو يسيرون سيرتهم، أو يحققون بطولاتهم، أو تكون لهم نفس شهرتهم وذيوع صيتهم…

واقعية الأشباه والنظائر

كذلك دار في وقت من الأوقات أن الزعيم الفلانيّ الذي قُتل من قِبَل الأعداء أو أُعدم لم يكن هو الذي رآه الناس، إنما كان شبيهاً له، وأن الشخصية الحقيقية لا تزال حية تُرزق ليس للأعداء إليه من سبيل، وكنا نصدق ذلك ويصدقه الناس من منطلق أن الأشباه والنظائر أمر واقع، وتشهد عليه الحواس، وتصدقه التجارب. وكم منا من يكون شبيهاً لجده لأبيه، أو لجده لأمه، أو لجدٍّ أكبر لا يعرفه إلا الطاعنون في السن، ومنا من يكون شبيه أبيه أو شبيه أمه أو عمه أو خاله أو غيرهم من سائر الناس، ولا يرى أحدٌ غضاضة في إطلاق اسم الشبيه الحاضر على الأصل الماضي، لوجود صفة أو أكثر مشترَكة بينهما، ومن أجل ذلك ساد تقليد تتفق عليه الأمم جميعاً ولا تختلف، وهو أنهم يسمون أبناءهم بأسماء أسلاف لهم ممن سكنوا القبور وواراهم التراب منذ قرون خلت، وهم يعلمون تمام العلم أنهم يقصدون باستعارة أسماء السابقين للاحقين التيمن بهم، ولعل أبناءهم يبلغون مبلغهم، أو يسيرون سيرتهم، أو يحققون بطولاتهم، أو تكون لهم نفس شهرتهم وذيوع صيتهم، وأنهم لم يكن في أذهانهم أبداً أن تعاود أرواح الغابرين وتحل في أجساد أبنائهم، أو يقصدون بذلك عودة أمواتهم إلى الحياة مرةً أخرى. فمن الناس من يسمي من أبنائه آدم، ونوحاً، وإدريس، وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً تيمناً أن يحوز أبناؤهم شيئاً من بركات هؤلاء المقدسين، أو يكون لهم نصيب من فضائل أسمائهم. فتلك قضية لا خلاف عليها، ويعلمها الجميع ويتفقون على أنها واقعية وصحيحة، ذلك لأن الواقع يشهد على صدقها، وما يشهد الواقع على صدقه لا يكذّبه مكذّب.

بقي للناس أن يعلموا أن الله تعالى لم يخلق عالما واحداً فقط وهو العالم الماديّ، رغم أنه أخبر مراراً في القرآن الكريم أنه ليس رباً لعالمٍ واحد فقط، وإنما هو رب العالمين، أي أنه رب العالم المادي، ورب العالم الروحانيّ، ورب عالم الحياة الدنيا، ورب عالم الحياة الآخرة، ورغم ذلك فإنهم يعتبرون أن هذا العالم هو العالم الحقيقيّ وليس من عالم سواه، وأن نجاتهم من المهالك منوطةٌ بنجاتهم من الأحداث اليومية التي يمرون بها من مشكلات العمل وفتن القوم الحاقدين عليهم والكارهين لنجاحهم. كذلك يظنون أن فلاحهم الحقيقيّ منوط بكثرة ما يحوزون من أموال ويملكون من أراضٍ ويبنون من عمارات، وينسون تماماً أن هناك عالماً آخر هو عالم الروح، قد داسوه تماماً وأهملوه في رحلة جنيهم للأرباح وكنز الكنوز وملء الخزائن، وأن عالم المادة هذا الذي أغرقوا أنفسهم فيه وغابوا في أعماقه ليس عالماً حقيقياً، إنما هو عالم مزيّف، جعله الله تعالى علامة – ليس إلا علامةً – على العالم الحقيقيّ وهو العالم الروحانيّ الذي أسقطوه تماماً من حساباتهم.

العالم الروحاني هو الأصل والغاية

ولكي نزيد الأمر وضوحاً فإننا نؤكد أن العالم الحقيقيّ هو عالم الروح، وقد جعل الله تعالى عالم المادة عليه دليلاً، والشمس الحقيقية هي محمد ، وقد جعل الله الشمس (النجم الذي يظهر في السماء نهاراً ويختفي ليلاً) عليه دليلاً، وأن النجوم الحقيقية هي صحابة رسول الله وأصحابه وأحبابه من بعده، وقد جعل الله نجوم السماء عليهم دليلاً، وأن القمر الحقيقيّ هو الذي يكون ملازماً لتلك الشمس يدور في فلكها، ويقتبس من نورها، ثم يعكسه على أرض الناس حينما يحل عليهم ليل الشرك، ويغمرهم ظلام الكفر والإلحاد والوساوس والشكوك، وقد جعل الله القمر (الكوكب) عليه دليلاً، وأن النهار والنور الحقيقيين هما الإيمان وهدْي السماء، وقد جعل الله ضوء الشمس ونور النهار عليهما دليلاً، وأن الكفر هو الظلام المهلك الذي يورث الضلال والتيه والهلاك، وقد جعل الله غياب الشمس وظلام الليل عليه دليلاً، وقد جعل الله أنهار الدنيا وجبال الدنيا وسماوات الدنيا وأرض الدنيا وسائر نعم الدنيا على نعم الآخرة دليلاً ، كما أنه جعل الحرمان والقهر والنار والعذاب والأوجاع والآلام على جهنم دليلاً، وجعل ملوك الدنيا على مالك يوم الدين دليلاً، وجعل الطيبين الطاهرين المواسين لخلق الله على الملائكة دليلاً. والسُّرّاق وقُطاع الطرق والقتلة والسفاحين والبغاة والعصاة على الشياطين والأبالسة دليلاً ، وكل ما في حياة المادة لم تكن الغاية من خلقه أن يكون غايةً في حد ذاته، إنما الغاية منه إلا أن يكون على عالم الروح دليلا، وأن يكون وسيلة ظاهرةً لفهم وإدراك الغاية الباطنة، وأن يكون عكازاً وسنداً للأعرج والكسيح، وأن يكون قائداً للأعشى والأعمى، وأن يكون عوناً ويقيناً للبصير على زيف عالم المادة وحقيقة عالم الروح.

وليس أدل على ذلك من أن الله تعالى خلق الإنسان ذا طبيعتين، مادية وروحية، فله جسد وله روح، وكل منهما يتكامل بالآخر ويؤثر فيه ويتأثر به، يأخذ منه ويعطيه، يضعفه ويقويه، ويمرضه ويشفيه، وليس كل ما للجسد إلا دليلاً على ما للروح، فللجسد عين ولها، وللجسد أذن وقلب وأنف ولها، وللجسد تجليات في محبة وبغضاء، ومدٍّ وجذر وجذبٍ وصدٍ ولها مثل ذلك، حتى الأمراض الباطنة التي تصيب الأجهزة الداخلية للإنسان وليس له سبيل لمعرفتها، جعل الله الأعراض الخارجية عليها دليلاً، كذلك كان للحب الذي يغلف الفؤاد بشاشة في الوجه، وكان للأسى الذي يستبد به تقطيب وعبوس شاهد عليه.

فإذا حصل عندنا يقين أن لنا أشباهاً ونظائر في عالم المادة في الوجوه والألوان والطول والقِصر والصوت والفكر وأسلوب الحياة، حتى في الإنسان الواحد نفسه توجد الطبيعتان، وقد قال تعالى

وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (2)

ألا يكون لنا من الأشباه في عالم السمو الروحانيّ، والتطابق النفسانيّ، ونوال القرب الربانيّ بعد اتباع أسلوب العبادة نفسه الذي اتبعه أحد من الصالحين السابقين؟

ألا يستحق من وصل إلى النقطة النفسية والمكانة الروحانية وأهلك نفسه وذبح الأمّارة من قلبه، فكان الأكثر قرباً من الله، وكان صادقاً معه، ممتثلاً لأمره، متوكلاً غاية التوكل عليه، مضحياً بابنه وحيده الذي أوتيَه على كِبَرٍ تالاًّ رأسه للجبين أن يُسمّى عند الله إبراهيم؟ ومن نال درجة موسى فكان وحيداً طريداً مستعبَداً هو وقومه ومِنْ ورائه جبار يقول للناس أنا ربكم الأعلى، ويقول ما علمت لكم من إلهٍ غيري، ثم يواجهه في تحدٍّ وثقةٍ ويقينٍ في الله بنصرته أن يُسمّى عند الله موسى؟ ومن نال درجة عيسى، فَقَبِلَ الهوان والمذلة، وزَهدَ في دنيا الناس، ولبس الرقاع وساح في الأرض يداوي أمراض الناس، فيهب العميَ بصارة يبصرون بها، والصم آذاناً يسمعون بها، والبكم ألسُناً ينطقون بها، والبُرصَ جلداً نقياً سليماً، وعقيدةً متكاملةً مطهَّرةً أن يُسمّى عند الله عيسى؟

فإذا حصل عندنا يقين أن لنا أشباهاً ونظائر في عالم المادة في الوجوه والألوان والطول والقِصر والصوت والفكر وأسلوب الحياة، حتى في الإنسان الواحد نفسه توجد الطبيعتان، وقد قال تعالى وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (2) ألا يكون لنا من الأشباه في عالم السمو الروحانيّ، والتطابق النفسانيّ، ونوال القرب الربانيّ بعد اتباع أسلوب العبادة نفسه الذي اتبعه أحد من الصالحين السابقين؟

قد لا نختلف على أن نماذج آدمَ وإدريسَ ونوحٍ وإبراهيمَ وموسى وعيسى ومحمدٍ صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين من حيث الشكل والطول والقِصر ولون البشرة ونبرة الصوت ولون العينين قد تكون متكررة في هذه الحياة مرات ومرات، ولم يدرك أحدٌ ذلك لأن أحداً منا لم يرَ هؤلاء القديسين بعينيه، وليس عنده يقين كامل بصورهم وملامحهم الحقيقية، حتى يدرك على وجه اليقين أنه قد رأى لهم أشباهاً أو نظائر، وهذا أمرٌ لا ينكره ألا مناكف يفقد الدليل ويستعذب المعارضة لا لشيء إلا للمعارضة فحسب، فما لنا ننكر تكرار نفس النماذج النبوية والصديقية بين بني البشر ونرفضها تماماً وكأن في تكرار نماذجهم النفسانية تقليلٌ من شأنهم أو حطٌّ من مكانتهم؟ أليس في اعتبارهم نماذج متفردة مستحيلة التكرار، وعديمة المثال، ومنقطعة النظير شبهةُ شركٍ بالله، لأننا أشركناهم في صفات هي من شأن الله وحده؟ أليس في ادعاءاتنا تلك تأليهٌ لهم مع الله، لأنه ما الفرق بين الله وسائر المخلوقات إلا أنه سبحانه عديم المثال، منقطع النظير، واحد أحد فرد صمد متفرد في صفاته التي لا ينبغي أن يشترك معه فيها أحد؟

من سنة الله تعالى

فإذا كان من سُنة الله في الخلق أن يكون للناس أشباهٌ ونظائر في الماديات، ألا يكون ذلك دليلاً على وجود أشباهٍ ونظائرَ لهم في الروحانيات؟ وإذا لم نكن نستبعد وجود أشباه ونظائر للأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين من حيث الخلقة المادية، فهل يجوز لنا أن نستبعد من يقول بوجود أشباهٍ ونظائرَ لهم من حيث النقطة النفسية والعلاقة الروحانية والقرب الإلهيّ؟

وإذا وجدنا القرآن الكريم يسمي قوماً بأسماء قوم سلفوا وقضوا قبل زمانهم بآلاف السنين لوجود تشابه بينهم في أحوالهم ومدى قربهم من الله أو بعدهم عنه، فتراه في آيات عدة من الفرقان العظيم يقول:

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (3)، وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (4)، وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (5)، وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ (6)،

فهل كان بنو إسرائيل الذين أنعم الله عليهم بهذه النعم عندما كانوا رفقاء موسى أحياءً يُرزقون في عهد النبيّ حتى يوجّه إليهم هذا الخطاب؟ أفلا يكون ذلك مجوّزاً لنا أن نصدق اللهَ عندما يسمي أحدَ عباده المخلصين الصادقين الأمناء الطاهرين عيسى بن مريم، ويناديه (يا عيسى) كما نادى الذين يشبهونهم تماماً في عهد خاتم النبيين (يا بني إسرائيل) لأنه وجده حائزاً لصفاته، متمتعاً بكمالاته، متخلقاً بأخلاقه، ظرفُه كظرفه، وأحوالُ أمته كأحوال أمته، وأمراضُهم كأمراضهم، كذلك يعالجان مرضاهم بنفس الأدوية وذات الأسلوب؟ فيناديه قائلاً له: (إنّا جعلناك المسيح بن مريم)؟أليس هو الله تعالى الذي جعل المسيح عيسى بن مريم الناصريّ مسيحاً ، فمسحه من بركته وأيده بروح منه؟ أليس هو من جعله ابن مريم عندما أغلق كل باب للوساوس والشرور والذنوب والآثام عن نفسه وأحصن كل فروجه عن الشيطان فسدَّ عليه كل منفذ ينفذ إليه منه، وأغلق عليه كل باب يصل إليه من خلاله، فأفلح؟

أليس الله من قال لمريم:

إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (7)

ألا تعلن هذه الآية بصراحة ملحة على الأفهام كي تفهم أن الله هو الذي يجعل المسيح مسيحاً، ويسميه مسيحاً، أليس لنا في المسيح الناصريّ دليلاً على أن الله وحده هو الذي يجعل من يشاء مسيحاً، فيخلع عليه خلعته ويسميه باسمه لفرط التشابه والتناظر بينهما؟

لو أن مريم الصديقة رضي الله عنها هي التي سمت وليدها: عيسى بن مريم، ربما كان إطلاق الله تعالى على مرزا غلام أحمد : (عيسى بن مريم) حدثاً فريداً من نوعه، إنما وضع الله تعالى لنا في كتابه العزيز ما يدل أنه هو تعالى من يسمي العيسويين والمسحاء والمريميين، ليشير لنا بإصبع ربانية أنه هو الذي يسمي مسيحه بن مريم بهذا الاسم، ولن يطلقه عليه والداه، ومن هنا يثبت المثال للمسيح الناصريّ من شتى جوانبه، فينكسر ادعاء ألوهيته، ويندحر تفرده بما ليس لغيره، وينكسر الصليب، وتتهاوى النصرانية من حياة الناس وقلوبهم، ويعلو دين الله الإسلام، ويتقلد نبيُّه محمد أوسمته ونياشينه، ويتربع على عرش ختم النبوة بلا منازع ولا شريك، وتكون سُنة الله في الخلق ساريةً لم يخرج عنها أحد، حيث قال سبحانه: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8)، ليس من بني آدم إلا له مثيل يشبهه، ونظير يحتاج إليه لتستقيم حياته، وتتجلى صفاته.

لو أن مريم الصديقة رضي الله عنها هي التي سمت وليدها: عيسى بن مريم، ربما كان إطلاق الله تعالى على مرزا غلام أحمد : (عيسى بن مريم) حدثاً فريداً من نوعه، إنما وضع الله تعالى لنا في كتابه العزيز ما يدل أنه هو تعالى من يسمي العيسويين والمسحاء والمريميين، ليشير لنا بإصبع ربانية أنه هو الذي يسمي مسيحه بن مريم بهذا الاسم… فينكسر ادعاء ألوهيته، ويندحر تفرده بما ليس لغيره، وينكسر الصليب… ويعلو دين الله الإسلام، ويتقلد نبيُّه محمد أوسمته ونياشينه، ويتربع على عرش ختم النبوة بلا منازع ولا شريك….

ولأن الأشياء تتميز بضدها، ومن أجل أن يُظهر الله سبحانه نقْصَ المخلوقات وافتقار مظاهر الطبيعة جميعاً بعضها إلى بعض، وينسف إمكانية حيازتها على أسباب خلق نفسها بنفسها كما يدَّعي الملحدون، فقد جعلها في حالة حاجةٍ ماسّةٍ ودائمةٍ لغيرها ليستقيم وجودها، فقد خص بعض مخلوقاته بما كان قد نزعه من المخلوقات الأخرى، لتتجلى روعة الحكمة من المزاوجة بين المخلوقات، والتكامل فيما بينها، ولا تستقيم الحياة بانفصال كل منها عن غيره، واكتفائه بنفسه، وعدم حاجته إلى ضده، وإنما كان صلاح الحياة ودوامها يتوقف على التكامل والتناغم بين مظاهر الحياة التي تبدو للناظر متنافرة، لكنها في الحقيقة متكاملة متضافرة، كالذكر والأنثى، والسماء والأرض، والليل والنهار، والماء والنار، والحب والبغضاء، والسعادة والتعاسة، وإلا فكيف يعرف الناس للنور فضلاً لو لم يكونوا قد سبق لهم أن تاهوا في مجاهل الظلمات؟ وكيف يحبون الصدق لو لم يكتووا بنار الكذب؟ وكيف يتمسكون بمنهج الله لو لم يجربوا أن يسلكوا مسالك الشياطين ويروا بأعينهم خبثَها ومفاسدها؟ وكيف يعتصمون بالإيمان لو لم يكونوا قد تهاووا في المهالك أيام تعلقهم بحبال الكفر والإلحاد؟

إن لله تعالى أساليب متنوعةً في تفهيم حكمته للناس، فتارةً يفهمهم بأسلوب المزاوجة بين الأشباه والنظائر، وتارةً أخرى يفهمهم بأسلوب التكامل بحاجة كل ضد إلى ضده، فلا تتجلى الصفات غاية التجلي إلا بالمقارنة بين الأبيض الذي يحوي داخله كل الألوان، والأسود الذي ليس فيه أي لون، بل يفتقر إلى الألوان جميعاً. وعلى ذات هذا النسق، فقد فهَّمَنا الله تعالى كيف كان المسيح الأول وكيف كانت آياته وسيرته في قومه بأن أرسل لنا المسيح الثاني ليكون عليه دليلاً، كذلك فهَّمَنا حُسنَ المسيح الموعود،ونقاء فطرته، وإهلاك نفسه ليحقق الإصلاح باذلاً روحَه، وشدةَ حاجتنا إليه وضرورةَ نزوله في هذا الزمان، من قُبح وجه الدجال، وفساد طبعه، وسوء طويته، وإفساده في الأرض الذي لم ينجُ منه دواب الأرض وطيور السماء.

فيا أيها الناس إن الله تعالى يقدم لكم الأدلة والبراهين والتعليم والتفهيم بشتى الطُّرق والأساليب فالتزِموا هديَه، واتبعوا سُننَه، واسلكوا سُبُلَه، ولا تكونوا من الممترين المكذبين الهالكين .

الهوامش:

1. الجمعة 3-4

2. الذاريات 22

3. البقرة 41

4. البقرة 48

5. البقرة 51

6. الأَعراف 142

7. آل عمران 46

8. النبأ 9