• استهلت سورة الإسراء بحادث “الإسراء”.
  • ركزت هذه السورة على دمارين حلا باليهود.
  • سيأتي على المسلمين أيضا زمن الفتن مرتين.

سورة بني إسرائيل
مكية، وهي مع البسملة مائة واثنتا عشرة آية واثنا عشر ركوعًا.

سبب تسميتها:
تسمّى هذه السورة «بني إسرائيل»، لأنها تقصّ علينا أحداث الأمة الإسرائيلية منبئةً أنه سيأتي على المسلمين ما أتى على بني إسرائيل. ذلك أن الله تعالى كما اعتبر نبينا مثيلاً لموسى عليهما السلام، فقد اعتبر الأمة الإسلامية مثيلةً للأمة الإسرائيلية، فكان لا بد أن يمر المسلمون بأحداث مماثلة لأحداث اليهود؛ وإلى هذا الأمر تلفت هذه السورة الأنظارَ.
مع الملاحظة أن هذه السورة قد تناولت أحداث الجزء الأول من التاريخ الإسرائيلي فقط؛ أي مِن زمن موسى حتى زمن عيسى عليهما السلام.
ومن أسماء هذه السورة «الإسراء»، لأنها استهلّت بذكر حادث الإسراء، ولأنه موضوعها الأساسي.

ومن أسماء هذه السورة «الإسراء»، لأنها استهلّت بذكر حادث الإسراء، ولأنه موضوعها الأساسي.

زمن نـزولها:
إنها مكية بالإجماع عند البعض، بينما اعتبر الآخرون آياتٍ منها – يتراوح عددها ما بين آيتين إلى ثمان – مَدَنيةً. (البحر المحيط). وروى ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها مكية، وأنها مما نـزل في أوائل الفترة المكية.. أي في السنة الثالثة أو الرابعة. وورد في البخاري عن ابن مسعود أنه قال في السور بني إسرائيل والكهف ومريم: «إنهن مِن العِتاق الأُوَل، وهُنَّ مِن تِلادي» (البخاري: كتاب التفسير).. أي أنها من السور التي نزلت في بداية البعثة، والتي حفظتُها عن ظهر قلب في أوائل أيام إسلامي.
يبدو من قول عبد الله بن مسعود أن هذه السورة مكية كلها أو بعضها، ولكن لا نعرف بالتحديد أيّ سنة يقصدها ابن مسعود من الفترة المكية.
وعندي أن السورة ليست مما نزل في أوائل الفترة المكية، بل يمتد زمن نـزولها من السنة الرابعة إلى الحادية عشرة، شريطة أن لا تكون الذاكرة قد خانت ابن مسعود، وإلا فأرى أن هذه السورة كلها نـزلت ما بين السنة العاشرة إلى الحادية عشرة، بل ربما في السنة الثانية عشرة.
كما أن المستشرقين المسيحيين قد حدّدوا زمن نـزولها ما بين السنة السادسة إلى الثانية عشرة قبل الهجرة (تفسير القرآن لـِ «ويري»). ومن تصرفات القدر أن الله تعالى جعلهم ينطقون بالحق هنا، وإلا فإن ما يكنّونه من نوايا خبيثة ضد القرآن ما كان ليتحقق إلا إذا اعتبروا هذه السورة مدنية.

الترابط:
وتتمثل علاقة هذه السورة بالتي قبلها في أن سورة النحل قد تنبّأت بازدهار المسلمين، مؤكِّدةً أنهم سينالون مُلكًا عظيمًا. كما ذكّرتهم بتنكُّر اليهود لنعم الله تعالى، وتغافُلهم عن عبادته إبان الغلبة، مشيرةً إلى ذلك بكلمة السبت (انظر سورة النحل: 125) – وذلك تحذيرًا للمسلمين كيلا يتغافلوا عن الله تعالى مثل اليهود، بل يجب أن يُكثروا من عبادته في أيام الازدهار.
وهذه السورة سورةُ بني إسرائيل أيضًا أومأت إلى هذا الأمر وأخبرت أن المسلمين سيُمنَحون الحكم على المناطق التي كانت تحت حكم اليهود.
وهناك علاقة أخرى تربط بدايةَ هذه السورة بنهاية سورة النحل، وهي أن الله تعالى قد أخبر المسلمين في أواخر سورة النحل أن المواجهة بينكم وبين أهل الكتاب موشكة، وأنهم سوف يؤذونكم مثل الكافرين المكّيين، فعليكم أن تصبروا على أذاهم إلى أن يحين الوقت الذي تضطرون فيه للدفاع؛ ولئن صبرتم فإن الله سوف ينصركم عليهم في آخر المطاف مثلما وعدكم بالنصر على كفار مكة. والآن في سورة «الإسراء» قد لمّح الله إلى أن المواجهة بينكم وبين أهل الكتاب ستتم في المدينة، وأنكم ستنالون الحكم والسلطان على أماكنهم المقدسة.

ملخص محتواها:
لقد ركّزت هذه السورة بشكل خاص على دمارَين حلاّ باليهود نتيجة عصيانهم لله تعالى مرتين، فأحاطهم في كل مرة عذابٌ مروّع. وقد أشارت بذلك إلى أنه سيأتي على المسلمين أيضًا زمن الفتن المروعة مرتين، ولكن بما أن محمدًا هو خاتم النبيين فلن تهلك أمته من جراء هذه الفتن الهائلة، بل سوف تخرج منها أعظمَ شأنًا وأكثر لمعانًا من ذي قبل.
هناك أمور ذُكرت في سورة النحل إشارةً، بينما تناولتها سورةُ الإسراء تفصيلاً. فقال الله تعالى في سورة النحل عن العسل: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ، مشيرًا إلى أن كلام الله تعالى أيضًا يمثّل شفاء لهم، أما في سورة الإسراء فقد صرح بهذا المعنى فقال: نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (الآية: 83).

إن سورة الإسراء أسبق نـزولاً من سورة النحل، ولكنها، من حيث محتواها، كانت تستحق التأخير، فلذلك وضعها النبي بأمر الله تعالى بعد سورة النحل عند تدوين المصحف. لقد أسلفتُ أن تدوين السور في المصحف مختلف عن ترتيبها النـزولي، لأن الترتيب الحالي كان ضروريًا من أجل تلاوة القرآن ككل، وكذلك بالنظر لحاجات المتأخرين الذين يخاطبهم القرآن. وإنه لمن معجزات القرآن أن كل سورة من سُوَره تتضمن موضوعًا مستقلاً، وفي الوقت نفسه هناك ترابطٌ قوي بين سورة وأخرى. عندما كانت سُوَر القرآن تنـزل منفصلةً وآخذةً في عين الاعتبار حاجةَ المخاطَبين الأولين لم يواجه قارئوها أية مشكلة، لأن موضوع كل سورة كان مكتملاً في حد ذاته، وحين دوّن النبي هذه السورَ بأمر الله بترتيب مغاير لترتيبها النـزولي نشأت سلسلة من المعاني الجديدة بالترتيب الجديد – بالإضافة إلى المفهوم المستقلّ لكل سورة – مما وسّع معارف القرآن ومفاهيمه بشكل محير. فتبارك الله أحسن الخالقين!
ولقد استهل الله هذه السورة بذكر الإسراء إشارةً إلى أن محمدًا قد جاء ليأخذ مكان موسى ، وأن الأماكن التي وعَد بها موسى قومَه ستقع في قبضة محمد ، وأنه سيضطر للهجرة مثل موسى، وأن هذه الهجرة ستكون فاتحة خير وازدهار لأمته .

لقد ركّزت هذه السورة بشكل خاص على دمارَين حلاّ باليهود نتيجة عصيانهم لله تعالى مرتين، فأحاطهم في كل مرة عذابٌ مروّع. وقد أشارت بذلك إلى أنه سيأتي على المسلمين أيضًا زمن الفتن المروعة مرتين، ولكن بما أن محمدًا هو خاتم النبيين فلن تهلك أمته من جراء هذه الفتن الهائلة، بل سوف تخرج منها أعظمَ شأنًا وأكثر لمعانًا من ذي قبل.

ثم تتحدث هذه السورة عن أحداث جرت مع موسى ، وتبين كيف بعثه الله تعالى، وحقَّق الرقي لقومه بواسطته، وكيف حذّرهم من أن ينسوه في أيام الغلبة، ولكنهم لم ينتفعوا بهذا التحذير، فنالوا عقابًا شديدًا.
ثم يؤكد الله أنه قد جعل القرآن أقوى تأثيرًا من التوراة، لذا فإن الانقلاب الذي سيُحدثه القرآنُ سيكون أعظمَ من الذي أحدثتْه التوراة. ولكن القرآن أيضًا مهدَّد بالخطر نفسه الذي هدَّد التوراة، حيث سينغمس أهله أيضًا في الفسق والفجور أيام ثرائهم ورخائهم، لذا نبّهت هذه السورة أن كسب الدنيا ليس أمرًا سيئًا في حد ذاته، ولكن ينبغي للإنسان أن يكسب الدنيا غيرَ مقصِّر في ذكر الله تعالى وفعل الخيرات.
ثم فصّلت السورة مبادئ الخير وأصوله، وأخبرت أن منكري القرآن حين يسمعون هذه المبادئ يعرضون عنها استكبارًا، غافلين عن مصيرهم، بدلاً من أن يتدبروا فيها، وإذا ذُكّروا بالمصير فلا يبالون كذلك، ولذا فإن مناهضي القرآن- سواء أكانوا من الخارج أو الداخل – سوف يلقون عقابًا شديدًا من الله تعالى. سيحلّ بالدنيا عند اقتراب القيامة، أي في زمن المسيح الموعود، عذاب شديد لتكذيب الناس القرآنَ الكريم، وستقع عندئذ حرب أخرى بين الملائكة وإبليس سينتصر فيها أتباعُ آدم.
ثم أوضح الله تعالى لرسوله أن القوم يريدون تدميرك، ولكننا قد قدّرنا لك غاية عظمى: سنذيع صيتك إلى أرجاء العالم حتى آخر الأزمان، وسنكشف كفاءاتك للدنيا قاطبةً.
ثم بيّن أننا قد جعلنا القرآن لينفع إلى أبد الآبدين، وسوف نكشف به الخزائن الروحانية شيئًا فشيئًا، لأن الله تعالى ليس ببخيل.
وفي الختام ذكر الله تعالى علاماتِ الزمن الأخير وفِتنَه، مذكِّرًا أن الدعاء هو الوسيلة للوقاية من تلك الشرور والفتن.

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (بني إسرائيل: 2)

شرح الكلمات:
سبحان: «سبحان الله».. أي أبرّئ اللهَ من السوء براءةً (الأقرب).
أَسْرَى: أسراه وبه: سيّره بالليل. (راجِعْ للمزيد شرح الآية رقم 66 من سورة الحِجر)
عَبْد: العبودية: إظهارُ التذلل، والعبادةُ أبلغُ منها لأنها غاية التذلل ولا يستحقُّها إلا مَن له غايةُ الإفضال وهو اللهُ. والعبادةُ ضربانِ: عبادةٌ بالتسخـير وعبادةٌ بالاختيار. والعبدُ يقال على أربعة أضرُبٍ: الأول عبدٌ بحكم الشرع، وهو الإنسان الذي يصح بيعُه وابتياعه (وجمعُه عبيدٌ)، والثاني عبد بالإيجاد، وذلك ليس إلا للهِ، والثالث عبدٌ بالعبادة والخدمة، والناس في هذا ضربانِ: عبدٌ لله مخلِصًا (أي العابدُ وجمعُه عباد)، وعبدٌ للدنيا وأعراضها (المفردات).
المسجد الحرام: الكعبة (الأقرب).
الأقصى: اسم تفضيل مِن قصا يقصو المكانُ وقَصِيَ يَقصَى: بَعُدَ، فالأقصى هو الأبعد وجمعُه الأقاصي (الأقرب). فالمسجد الأقصى يعني المسجد البعيد.

التفسير:
إن هذه الآية هي من تلك الآيات الهامة التي تضاربت الآراء في تفسيرها تضاربًا كبيرًا، وتقول الأغلبية العظمى من المفسرين والعلماء ، القدامى منهم والمعاصرين، بأنها تتكلم عن حادثة المعراج النبوي، وإن كانت الروايات حول تفاصيل المعراج تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا. وقد بلغت هذه القضية، بسبب تضارُب الأحاديث والروايات، من التعقيد والإشكال بحيث إنني سأضطر لتقسميها إلى عدة أجزاء حتى تتضح الحقيقة.
فأولاً وقبل كل شيء أوضح لكم أن حادث المعراج مذكور في مكان آخر من القرآن الكريم أيضًا، وذلك في سورة النجم حيث قال الله تعالى إنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى* عَلَّمَهُ شَديدُ الْقُوَى* ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى* وهو بالأُفُق الأعلَى* ثُمَّ دَنَا فتَدَلَّى* فكان قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى* فَأَوْحَى إِلَى عبده ما أَوْحَى* مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى* أَفَتُمَارُونَهُ على ما يَرَى* ولقد رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى *عندها جَنَّةُ الْمَأْوَى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى* لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكبرى* (النجم:5 – 19)
تشير هذه الآيات إلى المعراج النبوي الشريف، والدليل على ذلك هو أن كل ما ورد فيها يتعلق بحادث المعراج. ويُستخلص من هذه الآيات ما يلي:
1. وصولُ النبي إلى سدرة المنتهى
2. غشيانُ شيءٍ ما سدرةَ المنتهى أثناء ذلك.
3. رؤيتُه الجنةَ عندها
4. وصولُه إلى حالة وصفها قوله تعالى: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى
5. رؤيتُه البارئ تعالى
6. نـزولُ الوحي عليه .
وكل هذه الأمور مذكورة في الروايات التي تصف حادث المعراج.