• الفرق بين قوم موسى أنهم تنكرو لنعم الله وقوم الرسول ص ضربوا مثالا رائعا في الشكر لله.
  • يحذر الله تعالى بأن رسولكم مثيل لموسى عليه السلام.
  • فحذار أن يحصل معكم فيما بعد ما حصل بقوم موسى بني إسرائيل.

وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي ‎وَكِيلًا (3)

شرح الكلمات:

هُدًى: هداه الطريقَ وإليه وله: بيّنه له وعرّفه به. هَدَى فلانًا: تَقدَّمَه، تقول: جاءت الخيلُ يهديها فرسٌ أشقر.. أي يتقدمها. هداه الله إلى الإيمان أي أرشده إليه. (الأقرب)
بني إسرائيل: إسرائيلُ لقبٌ ليعقوب (تكوين 32: 28). وبنو إسرائيل هم نسلُه.
وكيلاً: الوكيل: فعيلٌ بمعنى مفعول لأنه موكول إليه، وقد يكون للجمع والأنثى؛ ويكون بمعنى فاعل إذا كان بمعنى الحافظ، ووُصف به اللهُ تعالى، وقيل: الكافي الرازق (الأقرب).

التفسير:

تبدأ هذه الآية بذكر موسى وقومه . وهناك أكثر من رابط يربط هذه الآية بما قبلها، وإليكم بيان ذلك:
1- في الآية السابقة وعد اللهُ نبيَّه وأمته بأنه سيعطيهم القدس. وقد سبق أن منح الله موسى وقومه هذه البلدةَ وما حولها تحقيقًا لوعد منه ، ولكن قوم موسى خالفوا وصايا الله تعالى، فحُرموا من الأرض المقدسة. فالله تعالى يحذّر هنا المسلمين بذكر الأمة الموسوية بأننا سنعطيكم الخيرَ من ميراث أمة موسى، فحَذارِ أن ترِثوا منها شرَّ الميراث أيضًا، فتهلكوا.
2- كان في ختام سورة النحل نبأ المواجهة بين المسلمين واليهود حيث نصحهم الله تعالى أن يجادِلوا اليهود بالتي هي أحسن لأنهم أهلُ كتاب.. أي أن يناقِشوهم على ضوء مبادئهم ومعتقداتهم وبناءً على الأدلة المستقاة من كتبهم، وأما هنا في سورة الإسراء فقد وضح للمسلمين أسلوبَ النقاش مع أهل الكتاب بذكر مثال عملي، حيث عرض على اليهود أنباءً من كتابهم تحذرهم بأنهم سيفسدون فيتعرضون للعذاب. كما حذّر اليهود هنا أنه ليس أمامهم الآن إلا سبيل وحيد للازدهار مرة أخرى وهو أن يدخلوا مع الله في هذا الميثاق الجديد ليرفع عنهم العذاب. فإذا كانت الأرض المقدسة قد ضاعت من أيديهم بصفتهم أمةً يهودية فبإمكانهم أن يدخلوها مرة أخرى بصفتهم مسلمين.

والفرق بين الأمتين أن قوم موسى تَنكّروا لنعم الله تعالى، ولكن أصحاب الرسول ضربوا مثالاً رائعًا عديم النظير في الشكر لله تعالى، وإن كان المسلمون الذين أتوا فيما بعد أيضًا تنكروا لنعم الله تعالى، وفي واقع الأمر قد جاءت هذه الآية تحذيرًا لهؤلاء المسلمين.

ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (4)

شرح الكلمات:

ذرية: الذرية أصلُها الصغار من الأولاد، وإن كان قد يقع على الصغار والكبار معًا في التعارف، ويُستعمل للواحد والجمع وأصلُه للجمع (المفردات).
شَكورًا: صيغة المبالغة من الشكر. شكَره وشكَر له: أثنى عليه بما أولاه من المعروف (الأقرب).

التفسير:

أي بعد أن أنـزلنا لهم الكتاب على موسى قلنا لهم: يا أولاد أصحاب نوح، كان جدُّكم نوحٌ عبدًا جِدَّ شاكر لربه، فكونوا كجَدِّكم شاكرين لله تعالى.
لقد قال بعض المفسرين أن الخطاب هنا يتعلق بعصر النبي أي موجَّهٌ إلى قومه (فتح البيان)، ولكني أراه متعلقًا بزمن موسى وموجَّهًا إلى قومه؛ لأن الآية التالية أيضًا تتحدث عن هؤلاء، حيث نبّه الله تعالى بني إسرائيل أننا كما نجّينا نوحًا من الطوفان فقد أنجيناكم من البحر، فكونوا عبادًا شاكرين لنا كما كان نوح وأصحابه.
كما أن هذه الآية تحذير من الله للمسلمين بأننا سننجيكم من طوفان المعارضة والعداء الذي سيحاصركم عما قريب، فعليكم أن تشكرونا ولا تتنكّروا لنا.
والفرق بين الأمتين أن قوم موسى تَنكّروا لنعم الله تعالى، ولكن أصحاب الرسول ضربوا مثالاً رائعًا عديم النظير في الشكر لله تعالى، وإن كان المسلمون الذين أتوا فيما بعد أيضًا تنكروا لنعم الله تعالى، وفي واقع الأمر قد جاءت هذه الآية تحذيرًا لهؤلاء المسلمين.

وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (5)

شرح الكلمات:

قضينا: قضى الشيءَ: أعلمَه وبيّنه (الأقرب). راجع لمزيد التفصيل شرح الآية رقم 66 من سورة الحِجر.
لَتَعْلُنَّ: علا الشيءُ: ارتفع. علا فلان في الأرض: تكبَّرَ وتجبَّرَ. علا فلانًا: غلبَه وقهَره. علا فلانًا بالسيف: ضرَبه. علا المكانَ: صعِده: علا في المكارم: شرُف (الأقرب). فالمراد من قولـه تعالى ولتعلُنَّ أنكم ستتكبرون وتتجبرون حتمًا.

التفسير:

يحذر الله تعالى هنا المسلمين بأن رسولكم مثيلٌ لموسى، وتحقيقًا لهذه المماثلة سوف نعطيه القدس وما حولها؛ فحذارِ أن يحصل معكم فيما بعد ما حصل بقوم موسى بني إسرائيل. لقد حذّرناهم سلفًا أنهم سيعيثون في الأرض فسادًا، ويرتكبون ضد الناس مظالم بشعة مرتين، وعقابًا على جرائمهم سوف ندمّرهم أيضًا مرتين. مع العلم أن عقابهم لم يُذكَر هنا صراحة، ولكنه مذكور في الآية التالية بكل وضوح.
أما قوله تعالى وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَاب فيؤكد أمرين: الأول أن الكتاب هنا هو كتاب موسى ، والثاني أن كتابه سبق أن أنبأ عن طغيان بني إسرائيل مرتين، ثم تعرُّضِهم لعذاب الله.
لقد وقع المفسرون القدامى والمعاصرون في خطأين لدى تفسير هذه الآية حيث اكتفت جماعة منهم بذكر بعض الأحداث التاريخية عن هلاك بني إسرائيل (القرطبي، والقاسمي)، دون أية إشارة إلى ما يوجد في أسفار أهل الكتاب من الأنباء عن فسادهم وهلاكهم التي أشار إليها القرآن الكريم هنا، مما حال دون انكشاف صدق الوحي القرآني كما ينبغي. أما المفسرون الذين حاولوا ذكر تلك الأنباء من أسفار أهل الكتاب (فتح البيان، والبحر المحيط).. فلم ينتبهوا إلى أن الكتاب المشار إليه في قوله تعالى في الكتاب هو كتاب موسى دون الأسفار الأخرى. أما أنا فقد راعيتُ في تفسيري الأمرين كليهما، فنقلتُ هذه الأنباء من كتاب موسى ، مع تسجيل الأحداث التاريخية التي تحققت بها هذه الأنباء.
وإليكم ما ورد في كتاب موسى من نبأ عن فساد بني إسرائيل وبغيهم على الناس: «ولكن إن لم تسمع لصوت الرب إلهِك لِتَحرِصَ أن تعمل بجميع وصاياه وفرائضه التي أنا أوصيك بها اليوم.. تأتي عليك جميعُ هذه اللعنات وتُدركك». (تثنية 28: 15)
ثم أسهب في تفصيل هذه اللعنات وقال: «يَذهب بكِ الربُّ وبمَلِكِك الذي تقيمه عليك إلى أُمة لم تعرفها أنت ولا آباؤك». (المرجع السابق الفقرة 36).
ويضيف: «يجلب الربُّ عليك أُمةً من بعيد مِن أقصاء الأرض كما يطير النسرُ.. أمةً لا تفهم لسانها.. أُمةً جافيةَ الوجه لا تهاب الشيخَ ولا تحنّ إلى الولد؛ فتأكلُ ثمرةَ بهائمك وثمرةَ أرضك حتى تَهلك، ولا تُبقي لك قمحًا ولا خمرًا ولا زيتًا ولا نتاجَ بقرك ولا إناثَ غنمك، حتى تُفنيك. وتحاصرك في جميع أبوابك حتى تهبط أسوارُك الشامخة الحصينة التي أنت تثق بها في كل أرضك. تحاصرك في جميع أبوابك في كل أرضك التي يعطيك الربُّ إلهُك. فتأكلُ ثمرةَ بطنك، لحمَ بنيك وبناتِك الذين أعطاك الرب إلهك في الحصار والضيقة التي يضايقك بها عدوُّك. الرجل المتنعم فيك والمترفِّهُ جدًّا تبخل عينُه على أخيه وامرأةِ حِضْنِه وبقيةِ أولاده الذين يُبقيهم.. بأن يعطي أحدَهم من لحم بنيه الذي يأكله، لأنه لم يبق لـه شيء في الحصار والضيقة التي يضايقك بها عدوُّك في جميع أبوابك. والمرأةُ المتنعمة فيك والمترفِّهةُ التي لم تجرّب أن تضع أسفلَ قدمها على الأرض للتنعم والترفُّه تبخل عينُها على رجُلِ حِضْنِها وعلى ابنها وبنتها». (المرجع السابق الفقرات 49 – 56)
ثم يقول: «وكما فرح الربُّ لكم ليحسن إليكم ويكثّركم كذلك يفرح الرب لكم ليُفنيكم ويُهلككم، فتُستأصَلون من الأرض التي أنت داخلٌ إليها لتمتلكها. ويبدّدك الربُّ في جميع الشعوب من أقصاء الأرض إلى أقصائها، وتعبد هناك آلهةً أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك من خشب وحجر». (المرجع السابق الفقرات 63 و64)
مع العلم أن هذا النبأ يتعلق بفساد اليهود ودمارهم في أُولى المرتين المذكورتين في قوله تعالى لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرّتينِ .
وأما قوله تعالى وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ… فيعني أن الله تعالى كان حذّرهم في وحيه من المصيبة التي كانت تنتظرهم، ولكنهم لم يأخذوا حذرهم منها.
واعلم أن التحذير يهدف إلى أمرين؛ الأول: أن يحاول الإنسان التجنبَ من الخطر الذي يحدق به، والثاني: أن تقام عليه الحجة إذا لم يسع للنجاة. ولقد حذّر النبي أيضًا أمته قائلاً: «لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ مَن كان قبلكم» (البخاري: كتاب الاعتصام، باب قول النبي لتتبعن سنن من قبلكم)، وفي رواية: لتتبعن اليهودَ والنصارى؛ ولكن المؤسف أن المسلمين أيضًا استهانوا بهذا الإنذار النبوي فوقعوا فرسى لهذه الآفة.

يحذر الله تعالى هنا المسلمين بأن رسولكم مثيلٌ لموسى، وتحقيقًا لهذه المماثلة سوف نعطيه القدس وما حولها؛ فحذارِ أن يحصل معكم فيما بعد ما حصل بقوم موسى بني إسرائيل. لقد حذّرناهم سلفًا أنهم سيعيثون في الأرض فسادًا، ويرتكبون ضد الناس مظالم بشعة مرتين، وعقابًا على جرائمهم سوف ندمّرهم أيضًا مرتين. مع العلم أن عقابهم لم يُذكَر هنا صراحة، ولكنه مذكور في الآية التالية بكل وضوح.

فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (6)

شرح الكلمات:

أُولِي بأسٍ: أُولو هو جمعٌ بمعنى ذوو، لا واحدَ لـه، وقيل: اسمُ جمعٍ واحدُه ذو كالغنم واحدُه شاةٌ (الأقرب). والبأس: العذابُ؛ الشدةُ في الحرب (الأقرب).
جاسُوا: جاسَ الشيءَ يجوس جوسًا: طلَبه بالاستقصاء، فَجـَاسُوا خِلالَ الدِّيَار : دارُوا فيها بالعيث والفساد. وفسّره الجوهري بقوله: أي تخللوا فطلبوا ما فيه كما يجوس الرجلُ الأخبارَ أي يطلبها (الأقرب).
الديار: جمعُ الدار، وهو: المحلُ؛ العَرْصةُ؛ البلدُ. وخلال الديار أي ما حوالي حدودها وما بين بيوتها (الأقرب).

التفسير:

يفصّل الله هنا كيفيةَ تحقُّق النبأ المتعلق بالدمار الأول ويقول: لما حان هذا الدمار سلّطنا عليكم، يا بني إسرائيل، قومًا محاربين، فاقتحموا عليكم بيوتكم ودمّروكم.
والخرابان المشار إليهما في هذه الآية وما بعدها قد ذكرهما القرآن الكريم في موضع آخر حيث قال لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وعيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (المائدة: 79). فتوضح هذه الآية أن العذاب حل بهم مرتين: مرةً بعد عهدِ داود، ومرةً أخرى بعد زمن عيسى عليهما السلام.
وما ورد في التوراة عن هذا الدمار الأول هو أن اليهود ما زالوا بعد موسى في الرقي والازدهار حتى قويت شوكتُهم، وقامت لهم دولة قوية في زمن داود استمرت بعده لمدة من الزمان. ثم دبّ فيها الفساد فأخذت في الاضمحلال شيئًا فشيئًا، حتى قضى عليها الأشوريون الذين كانت عاصمتهم نينوى. فصار اليهود يؤدون لهم الخراج. ثم هزم الأشوريين أميرٌ مصري اسمه «نيكو» (NECHO)، وانتزع منهم الحكم، فصار اليهود يعيشون تحت حكم المصريين. ثم قبل المسيح بحوالي 600 عام وبعد داود بحوالي 400 عام حذر الله اليهودَ على مفاسدهم بواسطة إرميا الذي نبّههم أنهم لو تابوا الآن فسوف يُلغي الله وعيد الجلاء، ولكنهم لم يرتدعوا (انظُر إرميا 7: 2-7)
وأخيرًا سلّط الله عليهم البابليين، وقد ورد ذكر هذا العذاب في سفر الملوك الثاني كالآتي: جاء نَبُوخَذْناصَّرُ ملِكُ بابلَ هو وكلُّ جيشِه على أورشليم وحاصَرَها، وطال الحصار؛ وكان ذلك في عهد الملِك صِدْقِيَّا. ولما اشتدّ الجوع في المدينة ثُغرتْ، وهرَب جميعُ رجال القتال ليلاً من أحد الأبواب. وهرب الملِك ولكنه أُسر، فقتَلوا أبناءه أمامه، ثم قلعوا عينيْه هو، وذهبوا به إلى بابل مقيَّدًا بالأصفاد. ثم أرسل الملِك البابلي أحدَ قواده نبوزَرَادانَ إلى أورشليم، فأحرق بيتَ الرب وبيتَ الملِك وكلَّ بيوت أورشليم وكلَّ بيوت العظماء.. أحرقَها بالنار. وجميعُ أسوار أورشليم مستديرًا هدَمها كلُّ جيوش الكلدانيين الذين مع رئيس الشُرَطِ. وبقيةُ الشعب الذين بقُوا في المدينة الهاربون الذين هربوا إلى ملِك بابل وبقيةُ الجمهور سباهم نبوزرادانُ رئيسُ الشرط. (انظُر الملوك الثاني 25: 1-11)
ويتضح من سِفر نحميا أن من أكبر أسباب هذا الدمار انتهاكَ اليهود حرمةَ السبت حيث جاء: «فخاصمتُ عظماءَ يهوذا وقلتُ لهم: ما هذا الأمر القبيح الذي تعملونه وتدنّسون يوم السبت؟ ألم يفعل آباؤكم هكذا، فجلَب إلـهُنا علينا كلَّ هذا الشرّ وعلى هذه المدينة؟ وأنتم تزيدون غضبًا على إسرائيل إذ تدنّسون السبتَ.» (نحميا 13: 17 و18)
كذلك حذّر النبي حزقيال اليهودَ حينها، فقال لهم وهو يعدّد عليهم معاصيهم: «ازدَرَيتِ أقداسي ونجّستِ سُبوتي» (حزقيال 22: 8). وورد فيه أيضًا: «نَجَّسَتا مَقْدِسي في ذلك اليوم ودَنَّسَتا سُبوتي.» (حزقيال 23: 38)
لقد ركّزتُ هنا خاصة على ذكر ما يتعلق بمخالفة اليهود السبتَ لأن هذه الآية التي تتحدث عن عذاب شديد إنما تشير إلى قول الله تعالى في سورة النحل إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيه (الآية: 125).. أي أن عذاب السبت إنما نـزل على الذين اختلفوا في كلام الله تعالى وأساءوا إلى دينه.
ولا شك أن هذه الآية تشكّل برهانًا ساطعًا على وجود ترتيب رائع في مواضيع القرآن الكريم، فبالرغم من أن سورة الإسراء أسبقُ نزولاً من سورة النحل وأن مكانها في المصحف جاء بعد سورة النحل، إلا أن مواضيعها تتلاءم مع مواضيع سورة النحل بحيث يبدو وكأن سورة الإسراء قد نزلت بعد سورة النحل، وأنها تكملة لها، وتردّ على الأسئلة التي نشأت فيها.
ويقول التاريخ إنه في زمن ضعف دولة اليهود هجم عليهم الأشوريون وانتزعوا منهم الحكم وأخضعوهم لسلطانهم. ولكن بعد فترة جاء أحد الملوك المصريين وهو فرعون نيكو (Pharaoh Necho)، فقضى على حكم الأشوريين، ووقعت فلسطين في أيدي المصريين، وجعل الملكُ المصري على أرض فلسطين الياقيمَ Eliakim (ابن يُوشِيّا)، الذي حَرّفوا اسمه إلى «يهويقيم». ولما رأى الملك البابلي دمار المملكة الأشورية المجاورة لـه بعث ابنه نبوخذنصر (Nebuchadnezzar) لمحاربة الملك المصري نيكو، فقام بغزو مصر، وهكذا خضعت فلسطين لسلطان البابليين. ولكن المَلِك الفلسطيني «يهويقيم» كان يكنّ الولاء لمصر، فأرسل نبوخذنصر قائدَه نبوزرآدم لمعاقبة «يهويقيم» في 587 قبل الميلاد، ولكن «يهويقيم» مات قبل وصول الجيش البابلي إليه. وأما ابنه «يهويكين» (Jehoichin) فلم يستطع الصمود أمام البابليين، وطلب منهم العفو عنه. فأخذوه إلى بابل، وجعل الملكُ البابلي على فلسطين صِدْقِيّا (Zed chiah) – واسمه الحقيقي متنياه (Mattaniah) وهو أخو يهويقيم – ولكنه أيضًا انحاز إلى الملك المصري حوفرا (Hophra). فقام البابليون بمحاصرة العاصمة الفلسطينية سنة 588 قبل الميلاد، وتَمكنوا من صدع سورها بعد سنتين، فلاذ صدقيا بالفرار، ولكنه أُسر وأُخذ إلى بابل بأمر الملك البابلي. وقام البابليون بحرق الأماكن المقدسة اليهودية، وهدموا سور العاصمة، ودمّروها تدميرًا.