إطفاء فتيل الإرهاب الإسلامي المزعوم

التحرير

  • مصطلح السلام.
  • الديانات السماوية ودعوة السلام.
  • الإنحراف عن العدالة في الساحة العالمية.
  • ما هو المرجو منا ليتحقق السلام العالمي؟

السلام مصطلح سلس لطالما سعى العظماء على مر العصور لإقامته وذلك لتمتين علاقة الإنسان بأخيه الإنسان على المستوى الفردي، وتمتين علاقات الأفراد والدول والشعوب على المستوى الجماعي. إلا أن مجريات التاريخ همشته عمدا وتلاعبت بدلالاته ومفهومه وأضفت عليه صفة المزايدات السياسية وتفاسير دينية مشوهة. فاستغله الجبابرة لتحقيق مطامعهم ومصالحهم بحجج واهية مثل إقامة الإمبراطوريات أو تحضر الإنسانية.
ولقد دعت الديانات السماوية للسلام وجعلت منه القاعدة الأساسية لعقائدها وعظّمت من شأنه وأكدت على الأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الظلم والعدوان. إلا أن مساعي تمكين السلام غالبا ما تبوء بالفشل وذلك لأسباب عديدة حيث اقتصرت مفاهيم السلام على ممارسته في إطار فردي ولم تلمس حياة المجتمعات بجدية كافية. ولا شك أن هنالك أشخاصا في هذا البلد وذاك يرغبون في تحقيق السلام العالمي حقيقة وتجدهم يتحلون بالتسامح والمحبة واحترام الآخرين رأيا وكيانا، ولكن هذه النخبة لم تفلح في تكوين تيار له سلطة ونفوذ في المحافل الدولية.
ولا شك أن مفاهيم السلام المطروحة على الساحة العالمية اليوم لا تتمتع بأسس سليمة حيث تُعرض كسلع استهلاكية تخدم طرفا واحدا فحسب، وبعبارة أخرى يتم الحصول على السلام من طرف واحد. وهكذا يُدعى الطرف المستضعف إلى التسامح وإظهار الاحترام.. إنها فعلا قسمة ضيزى لأن السلام الحقيقي يفرض على الطرفين الاحترام المتبادل بكل ثقة وإخلاص ويكون خاليا من المطامع والمصالح. هذا الدافع الذي يبعث الطمأنينة في كلا الطرفين حيث يمحو ازدواجية المعايير التي تُعتبر عائقا فتاكا في معادلة تحقيق السلام. ففي الغياب التام للإرادة الصادقة لدى متخذي القرارات الحاسمة على الصعيد العالمي يبقى السلام محصورا في إطار أقليات واعية وطيبة ولا ينتشر في أنحاء المعمورة.
كما أن مفاهيم السلام من محبة وتسامح واحترام الآخر وقبوله تتوقف عند مرحلة نظرية على المستوى الفردي لدى بعض الساسة الذين لا حول لهم ولا قوة حيث غالبا ما يتم التعتيم على أفكارهم في اللوبيات الشرسة. لذلك ما أحوجنا أن يتم توظيف هذه الطاقات الصادقة في منظومة فكرية تخدم كل الناس ولا تقتصر على نخبة فقط. وهكذا تستدعى الضرورة الماسة اليوم الخروج من المرحلة النظرية الخطابية العاطفية إلى مرحلة أشد صلابة وعرض فكر يلامس المشاعر الإنسانية عاطفيا وعقلانيا وروحيا.
وبغض النظر عن الحلول المقترحة لحل تداعيات الأزمة التي يعيشها العالم اليوم في خضم غياب السلام، يبقى مفهومه غنيا بدلالاته وأبعاده التي تكفل تحقيق البعد الحضاري الإنساني المنشود وذلك بالعودة إلى مبادئ الدين والأخلاق السامية في إطار ثقافي يمحق الأنانية الفتاكة لصالح الإنسانية، وذلك بإحياء المشاعر الفطرية وإنكار الذات ومصالحها والتعامل بكل نزاهة وشفافية مع بني نوع الإنسان أفرادا وجماعات ودول.

وللحصول على مآربهم حركوا عملائهم وأمروهم بتصدير صورة مشوهة للدين الحنيف وصنعوا منه مجرما في حق الإنسانية والذي هو في حقيقة الأمر منقذا ومنجيا لها. ولا شك أن هذه المسرحية الإجرامية ستنتهي يوما ما وسيطفئ الله بنوره فتيل الإرهاب الإسلامي المزعوم.

ويبقى تحقيق السلام الكوني حلما مستحيل المنال ما لم يتم تأهيل الإنسان الحالي الظالم المستبد ليكون إنسانا مدنيا يتحلى بالقيم الروحانية. فسلطة القوانين المدنية تجعل الرادع خارج الإنسان، وبالتالي لدى ضعف أو غياب هذه السلطة تظهر وحشية الإنسان وهمجيته. أما القوانين المصاغة بناء على عقيدة دينية فيستجيب لها رادع داخلي نابع من فطرة الإنسان. تلك الفطرة التي تحقق رادعا مزدوجا داخليًا وخارجيًا، وهذا هو المطلوب والمرجو لتأهيل الإنسان الحالي.
وإذا ما أمعنا التفكير في الآليات التي يحويها الدين الحنيف لتحيقيق السلام العالمي نجد أنه يمتاز أو بالأحرى ينفرد عن سائر الأديان في هذا المضمار. فاسمه مشتق من السلام وتعاليمه مبنية عليه كما أنه يحمل رسالة عالمية لجميع بني الإنسان وبالتالي فإنه الأمثل لتقريب المسافات بين الشعوب وزرع المحبة والألفة بينهم.. ذلك الوازع المشترك لتحقيق السلام.
ولخبث وإجرام عصبة قليلة تتحكم في مجريات الأحداث في العالم وتخطط لها، فقد شوهت سمعة ومعالم الدين الحنيف ونُسب له الإرهاب ووُضعت في قفص الاتهام. وذلك لأنها توقن في قرارة نفسها أنه يستحيل عليها أن تتواجد جنبًا لجنب معه حيث ستسحقها تعاليمه سحقا. وتفاصيل هذه الجريمة تتلخص في إفلاس هذه العصبة من جراء الديون المتراكمة عبر عقود حيث ضخموا قيمة ممتلكاتهم الوطنية لحد غير معقول لا يساوي الموارد المالية المخزنة في بنوكهم. ونتيجة هذا التضخيم الدجلي تسبب في وضع اقتصادهم على جُرُف هار. فتاجروا بالسلام العالمي وغزوا البلدان الآمنة بحجة تحريرها من المستبدين بالسلطة تارة ومن قبضة الإرهابيين تارة أخرى. وقد أصبح واضحا أن هدفهم الوحيد هو ابتزاز ممتلكات وموارد هذه الدول. ولتحقيق مآربهم حركوا عملاءهم وأمروهم بتصدير صورة مشوهة للدين الحنيف وصنعوا منه مجرما في حق الإنسانية والذي هو في حقيقة الأمر منقذ ومنج لها. ولا شك أن هذه المسرحية الإجرامية ستنتهي يوما ما وسيطفئ الله بنوره فتيل الإرهاب الإسلامي المزعوم.
عزيزي القارئ نكتفي بهذا القدر وندعوك للمزيد من التحليل المستنير من خلال خطاب حضرة أمير المؤمنين –أيده الله- الذي ألقاه في السابع عشر من أكتوبر 2016 بالبرلمان الكندي، والذي ستلامس من خلاله قدرة الإسلام وفعاليته في تمكين السلام العالمي وذلك من خلال تمكين القيم الإنسانية التي ستكون أساس عالم يسوده السلام.
هدانا الله وإياكم للسير على درب تحقيق هذا المرام وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.