أَكَانَ الذِّئْبُ بَرِيْئًا حَقًّا ؟!

سامح مصطفى

كاتب وشاعر
  • أيمكن القول بأن حضرة يعقوب قد كذب، والعياذ بالله، على أبنائه بادعائه الخوف على يوسف من الذئب؟!
  • هل كان يعقوب على علم مسبق بنبوة ابنه يوسف؟! كيف ذلك؟!
  • كيف كان يعقوب صادقا في مشاعر خوفه على يوسف من الذئب مع علمه بأن الوحش لا يمكنه افتراس نبي؟!
  • أي ذئب هذا الذي خاف يعقوب على يوسف منه؟!
  • كيف يمكننا النجاة من ذلك الذئب يا ترى؟!

تُعزى كثير من البركات المُنَزَّلة في هذه الأجواء الرمضانية إلى كبح جماح الأهواء والغرائز الطبعية، وترويض الأمارة، الموصوفة تارة بالغلام الحدث، وتارة بالبقرة التي تخور، وتارة أخرى بالسبع الضاري، هي منشأ أغلب أنواع الشرور في هذه الدنيا، والمعركة ناشبة معها منذ بدء العالم، ولكن هذه المعركة يشتد سعيرها في رمضان، حيث تُحرم تلك النفس الأمارة من غذائها وسبل بقائها قسرا. وما الدعوى إلى قتل النفس ابتغاء التوبة إلى الله عز وجل إلا كبح جماح تلك الأمارة، لا القضاء على بنية الجسد كما يظن البعض.
وفي هذا المقال نرى كيف أن الله تعالى بين لنا ما يمكن لتلك الأمارة أن تبلغه من تجبُّر لو لم يكبح جماحها.

المتهم بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب..
عبارة طالما نسمعها، إذ يرددها المحامون عن متهمين في قضايا جنائية غالبا، وفيها تصوير للمتهم بالذئب، والمتهم ظلما، بحسب الفهم التقليدي لقصة نبي الله حضرة يوسف بن يعقوب عليهما السلام، تلك القصة التي جاء ذكرها تفصيلا في القرآن المجيد، ومع هذا فقد أسيء فهمها من جوانب شتى.
وتركيزا على كنه ذئب يوسف، نطرح التساؤل الكبير: «أكان ذلك الذئب بريئا حقا من دم يوسف الصدِّيق؟!».. ربما يتلقى البعض هذا التساؤل بشيء من الامتعاض، أو فلنقل السخرية من المتسائل، لا سيما وأن القصة القرآنية فضحت كذب الأسباط في أولها، حيث يقول جل في علاه:

قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (1).

كما أسفرت نفس القصة عن النهاية السعيدة في آخرها، حيث يقول جل في علاه:

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2)

من هنا حتما سينشأ لدى القارئ سؤال، وهو: أنَّى للذئب أن يأكل يوسف؟! وفي أي موضع من القصة القرآنية ذُكر افتراسه له ؟!
بالعودة إلى السيناريو القرآني للقصة، وباستحضار مشهد الصبي بين يدي أبيه النبي، نرى يوسف يقص رؤياه على أبيه حضرة يعقوب ، ويبدو من خلال الآيات أن الأب أدرك تأويل الرؤيا، وكان متأكدا من أن تأويلها ذاك سيكون مدعاة لحنق الإخوة وحسدهم، حتى لقد حذر الوالد ولده من أن يقص رؤياه الصادقة على إخوته الحاسدين، يقول عز وجل:

قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (3).

حتما قد فهم الأب شيئا. ترى، ماذا فهم حضرة يعقوب من رؤيا ابنه؟! على أية حال تستطرد آيات الذكر الحكيم فتقول:

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (4) ..

ويذكر المصلح الموعود في معرض تفسيره لهذه الآية ما يدعم هذه الفكرة، حيث قال : «يتضح من هذه الآية أن يعقوب أيقن أن ما رآه ابنه كان رؤيا رحمانية وآمن بها واعتبرها شرفًا ومكرمة لشعبه»(5)
إذًا فقد فهم حضرة يعقوب من رؤيا ابنه أنه سيكون نبيا، ويفهم هذا الاستنتاج من أكثر من موضع في هذه الآية فقط، وذلك كما يلي:
أولا: ما جاء في التنزيل الحكيم حكاية عن قول يعقوب: «يجتبيك ربك» نفهم منه أن الله يصطفيك. والله يجتبي النبيين ويصطفيهم.
ثانيا: قوله: «يتم نعمته عليك»، فإتمام النعمة ورد في أكثر من موضع في القرآن المجيد بمعنى استمرار النبوة في الذرية الواحدة، أو في الأمة الواحدة.
وثالثا: قوله تعالى على لسان يعقوب:

كما أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ

يوضح قاسما مشتركا بين إبراهيم وإسحاق، ذلك أنهما كانا نبيين، وكان ثانيهما متمما للأول بنبوته، أي أن نبوته كانت استمرارا لنبوة سلفه، فكذلك أنبئ يعقوب أن نبوة يوسف ستكون متممة لنبوته واستمرارا لها.
فنخلص إلى نتيجة أولى هامة، ومفادها أن حضرة يعقوب كان موقنا بأن ابنه سيكون نبيا في المستقبل.
وإذا كان الله يعصم أنبياءه من الناس، أفلا يعصمهم من وحوش الفلوات؟! وهذا شيء معلوم بداهة، حتى أن حضرة يعقوب كان يدركه تمام الإدراك كونه نبيا، ويعلم أنه لا يمكن لوحش افتراس نبي، إذ ما كان الله تعالى ليبعث نبيا ثم يذره نهبة لوحش ضال، فحاشاه تعالى!

كلام حضرة يعقوب في الميزان
إذا نظرنا في قول حضرة يعقوب لبنيه:

وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (6)..

وإذا وضعنا هذا القول في ميزان الخُلُق النبوي القويم، وتأسيسا على النتيجة السابقة التي أفادت علم يعقوب بنبوة ولده، وبالأخذ في الحسبان أن الوحش لا يفترس النبيين، لوجدنا أنفسنا أمام احتمالين:
الاحتمال الأول: وهو احتمال مستبعد كل الاستبعاد، نظرا إلى كمال الأخلاق النبوية وعصمة النبوة، فمفاد هذا الاحتمال أنه ، والعياذ بالله، كذب في ادعائه الخوف على ابنه من الذئب، وهذا الاحتمال مرفوض بداهة، قياسا على أخلاق النبوة بوجه عام.
الاحتمال الثاني: وهو الأجدر بالقبول، أنه خاف حقا أن يفترس ابنَه الذئبُ، ذلك السبع المعروف، وهذا لا يستقيم مع الاستنتاجات السابقة والمدعومة بالآيات الجلية، فلا مناص لمن يوقر النبيين من الإقرار بصدق حضرة يعقوب في الخوف من افتراس الذئب لابنه يوسف، مع تأويل معنى الذئب بما يتسق مع الأخلاق النبوية والثوابت الكونية. أي ذئب ذاك الذي افترس يوسف إذا كان اخوته قد كذبوا أصلا؟!

فالحال الوحيدة التي يصول فيها ذئب النفس الأمارة هي حال الغفلة والبعد عن الله، تماما كما أن الفرصة التي يمكن لذئب فيها أن يفترس شاة من القطيع حين «يغفل» الراعي.

لسبر غموض هذا اللغز يحالفنا مدد من الله ووحي مبارك يجلو به الحق وتتجلى به الحقيقة، ومن يقرأ كتاب «فلسفة تعاليم الإسلام» للمسيح الموعود يدرك يقينا أن ذئب يوسف ليس إلا ذئب النفس الأمارة، التي سولت لإخوة يوسف قتل أخيهم، والتي سولت لابن آدم قتل أخيه من قبل، إنها النفس السبعية التي تهبط بالخَلْق إلى قعر الوادي العميق من سوء الخُلُق.
وغني عن الذكر أن ما اقترفه إخوة يوسف بحق أخيهم لهو جريمة يشيب لها الولدان، ومدعاة لسخط الله جل في علاه، إذ لا يقتصر الأمر على مجرد شروع رجل في قتل رجل ناهيك عن أن المتآمِر تربطه صلة رحم من الدرجة الأولى بالمتآمَر عليه، إن هذه الفعلة الشنيعة تمثل انتكاسة للإنسانية وتقهقر لها إلى الوراء وهبوط بها في قعر الجحيم، إذ ترجع بنا إلى يوم كيد ابن آدم لأخيه:

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (7)،

فليس من قبيل المبالغة إذًا القول بأن ابن آدم طوعت له نفسه السبعية قتل أخيه، كذلك طوع لإخوة يوسف ذئب نفوسهم قتل أخيهم فأصبحوا من الخاسرين.
العجيب في الأمر أننا لو رتلنا آي الذكر الحكيم بحسب موضوعاتها فسنجد علاقة لطيفة بين حادث ابني آدم، وحادث أبناء يعقوب، ففي الحادث الأول يقول الله تعالى:

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (8)..

وفي الحادث الثاني يقول رب العزة على لسان إخوة يوسف:

قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (9)..

وباستخراج القواسم المشتركة بين الحادثتين، نجد أن كلتا الحادثتين قتل لأخ، أو على الأقل كيد له. وكلتاهما كانتا بتطويع النفس القتل. وكلتاهما أيضا كان عاقبتهما الخسران.
ويذكر سيدنا المسيح الموعود القوى السبعية (ذئب النفس الأمارة) في سياق بيانه للمغضوب عليهم، فيقول حضرته: «والمراد من « الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ « أولئك الذين يستعملون قوة غضبهم بما يخالف مرضاةَ الله، وهكذا ينقادون للقُوى السبُعِية فيهم»(10).
وتلك القوى السبعية هي ما يجعلهم متشبهين بالسباع الضارية، حتى أنهم ليفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، لا لشيء إلا انقيادا لسطوة نفوسهم الأمارة، والتي وصفها الخالق جل شأنه:

إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (11).

ملابسات ودوافع
ثمة أمر لا يخفى على الحقوقيين وأرباب القوانين الوضعية، وهو أن لكل جريمة ملابساتها ودوافعها، فالملابسات هي مجموعة الظروف المحيطة بالحدث والتي قد تساعد على حدوثه، بينما الدوافع هي السبب والمحرك الأول وراء الجريمة. وهذا قانون عام تتساوى بإزائه جميع الجرائم المقترفة منذ القدم إلى الآن.
فإذا ما بحثنا في قضية قتل يوسف دوافعها وملابساتها وجدنا أن الدافع الأول هو الميل الطبعي للنفس الأمارة إلى السوء والإفساد، تحت تأثير قواها السبعية، وسيطرة النهمة والشراهة، فلا تتورع عن سفك الدماء، ولا ترى في سفكها جرما يذكر، فهي مجبولة على خلقتها هذه.

الذئب الذي افترس يوسف، والذي هو في الواقع ذئب النفس الأمارة التي طوعت للأسباط قتل أخيهم، والتي طوعت لابن آدم الأول قتل أخيه من قبل. إلا أن الالتباس الحاصل الذي جعل الناس ممن يطالعون القصة القرآنية يفهمون الذئب على أنه مجرد دابة تمشي على أربع

أما الملابسات فوضحها القرآن المجيد على لسان حضرة يعقوب :

وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (12)،

فالحال الوحيدة التي يصول فيها ذئب النفس الأمارة هي حال الغفلة والبعد عن الله، تماما كما أن الفرصة التي يمكن لذئب فيها أن يفترس شاة من القطيع حين «يغفل» الراعي.

إشارات يعقوب، وفهم الأسباط
يبدو الأمر الآن أكثر وضوحا بخصوص ماهية ذلك الذئب الذي افترس يوسف، والذي هو في الواقع ذئب النفس الأمارة التي طوعت للأسباط قتل أخيهم، والتي طوعت لابن آدم الأول قتل أخيه من قبل. إلا أن الالتباس الحاصل الذي جعل الناس ممن يطالعون القصة القرآنية يفهمون الذئب على أنه مجرد دابة تمشي على أربع، فسببه (أي الالتباس) أن القصة القرآنية تتحدث في الواقع عن ذئبين اثنين: الذئب الأول ما عناه يعقوب، وهو ذئب نفوس أبنائه وقواهم الطبعية الغضبية، بينما الذئب الثاني ما فهمه بنو يعقوب بسطحية على أنه مجرد سبع من سباع البراري.

الخلاصة
القرآن المجيد كلام الله الكامل، والمنزل على قلب الإنسان الكامل، لتنتفع به الإنسانية فتبلغ الكمال، الأمر الذي يدعونا إلى أن نفهم ذلك الكلام الموصل إلى الكمال على أفضل الصور الممكنة، فلا نتناوله بسطحية تحرمنا الاستمتاع بلبه اللذيذ. تلك السطحية جعلت أصحابها لا يدركون المدلول الحقيقي للفظ القرآني الموزون بأكثر الموازين حساسية، إنه في سورة يوسف لفظ «الذئب» ، فهل آن لنا أن نقرأ سورة يوسف من جديد في حالة يقظة تامة ومراقبة لذئب نفوسنا الأمارة، لنكون من الفائزين؟!

الهوامش:1. يوسف 18-19
2. يوسف 101
3. يوسف 6
4. يوسف 7
5. حضرة مرزا بشير الدين محمود أحمد – التفسير الكبير – تفسير سورة يوسف
6. يوسف 14
7. المائدة 31
8. المائدة 31
9. يوسف 15
10. حضرة مرزا غلام أحمد القادياني – فلسفة تعاليم الإسلام – طبعة حديثة مترجمة – ص 58
11. يوسف 54
12. يوسف 14