أَفْرِيقْيَا.. قَلْبُ العَالَمِ يَنْبِضُ مِنْ جَدِيدٍ

التحرير

  • بعث الأنبياء كثر في قارة أفريقيا
  • بدأت علاقة الخلافة بأفريقيا في عام 19243.
  • وفق الله تعالى خليفة مسيحه لإنتاج القمح

لا يتوقف الأمر بالنسبة إلى بعض البقاع على كونها مستودعا لكنوز الأرض، بل يتعداه إلى أن تكون تلك البقاع كذلك مستودعا لكنوز الأصالة والتاريخ، وهكذا القارة السمراء، أفريقيا، فطالما كانت تلك القارة هدفا للمنقبين عن كنوز الأرض، والآن تتجه صوبها الأنظار المنقبة عن الكنوز الحضارية.
التاريخ المدون للقارة السمراء منذ قرون عديدة لا يقص على مستقرئه غير سوء الحال، والمشكلات العضال، من فقر وجهل ومرض وحروب أهلية طاحنة، وصولا إلى استعمار سياسي واقتصادي يبدو كما لو أنه لا فكاك منه. ولكن، كل ما مضى ذكره من سلبيات لا يعني مطلقا أن هذا كان واقع الحال الأفريقي منذ البدء، بل إن الباحث الدؤوب سرعان ما يعثر على ممالك أفريقية عديدة أذهلت العالم بما توصلت إليه من علوم إنسانية وتطبيقية، وهناك توجهات معاصرة إلى الاعتقاد بأن مبادئ الكثير من الاكتشافات مرجعها أرض أفريقيا وممالكها المنسية، كاكتشاف كثير من المعادن والتعامل معها بالصهر والتشكيل وخلاف ذلك، ويدعم هذا الرأي كون أفريقيا مستودعا لكثير من كنوز الأرض، من معادن ثقيلة ونفيسة، وبشكل يندر أن تجد مثيله كما ونوعا في أية قارة أخرى. لقد كان سبب سعد تلك القارة هو نفسه سبب وبالها، إذ كان ثراء أرضها بالكنوز جاذبا أكبر للاستعمار الغربي. وبحيث لا يجد المنصف وصفا للظلم الذي وقعت أفريقيا تحت وطأته سوى أنه صورة من صور الجحود، فحتى صاحب المعروف، قد يُبتلى بالجحود أحيانا،
وقد انطبق هذا القول بحذافيره على تلك القارة وما عليها من البشر وغيره، فعلى الرغم مما قدمته تلك الأرض الطيبة من خير إلى العالم خلال مدة مديدة، إلا أن المرء يؤسفه ما بلغته وأهلوها من تهميش مارسته قوى الاستعمار الغربي طمعا في الموارد الهائلة التي تمتعت ولا زالت تتمتع بها تلك الأرض الغنية.
وكانت أفريقا عبر تاريخها المجيد مزارا وممرا ومستقرّا لأعلام الإنسانية منذ بواكيرها الأولى، ففيها عاش نبي الله إدريس، وبها نزل إبراهيم ويعقوب ويوسف، وفيها نشأ موسى وهارون، وأقام بها عيسى في طفولته حينا، أولئك النبيون المذكورون -عليهم السلام – ليسوا إلا غيض من فيض، فكثيرون آخرون من عمق تلك الرقعة الشاسعة لم يقصصهم الله تعالى علينا بشكل صريح، ولكن الذاكرة الثقافية لشعوب القارة احتفظت بذكرى أناس مقدسين عاشوا وبلَّغوا رسالة ربهم هناك.
وإضافة إلى ذلك، لعبت أفريقيا الدور البارز كذلك على مسرح التاريخ الحضاري في كثير من حلقات الرقي الروحي الإنساني، منها ما كان حين لجأت جماعة المؤمنين الأولى منذ 14 قرنا فارَّة بدينها من بطش القوى الوثنية، إذ يحفظ التاريخ للنجاشي ملك الحبشة احتضانه ذلك الرعيل الأول من المؤمنين، ذلك لأنه كان ملكا لا يُظلم عنده أحد، ويكاد المرء يجزم أن النجاشي لم يكن فريدا في هذا الموقف، فالرعية على دين ملوكهم، فلا شك أن الطبيعة الأفريقية بشكل عام كانت متطبعة بهذا الطبع الخلوق، مما أهلها لاحتضان جماعة المؤمنين الأولى المهاجرة إلى الحبشة.. ينبغي ألا نمر على هذا المشهد التاريخي العظيم مرور الكرام، لا سيما وأنه مشهد يقدم صورة تقبُّل الآخر المختلف، وهو ما تحاول الإنسانية الآن استحضاره، ولكنها سرعان ما تبوء بالفشل كل مرة، وما الحروب الطاحنة والإرهاب البغيض الذي يعانيه العالم الآن إلا مظهر من مظاهر غياب قيمة تقبُّل الآخر المختلف تلك، علما بأن الأفارقة أثبتوا تلك القيمة ومارسوها منذ أكثر من أربعة عشر قرنا.
ولأن الوفاء من شيم الكرام، فجماعة المؤمنين الثانية مطالبة الآن برد الجميل المصنوع في حق سلفها الأول، بحيث جعلت أرض أفريقيا الطيبة منذ عقود وإلى هذه الآونة مسرحا لأعمالها التبشيرية والتنموية على شتى الأصعدة، التعليمية والطبية والدينية والفكرية.
ولا غضاضة في أن يروج كلٌّ لبضاعته، شريطة أن يسلك السبيل الحسن. وقد كانت أرض أفريقيا معرضا روَّج فيه أتباع شتى الأديان لأديانهم منذ وقت بعيد، فقامت البعثات التنصيرية بهذا الدور خدمة لأهداف استعمارية واضحة، حتى أن مقولة الزعيم الأفريقي «جومو كينياتا» مؤسس كينيا الحديثة تعبر أبلغ تعبير عن ذلك الواقع، حيث قال: «حين جاء المبشرّون إلى أرضنا، كانوا يحملون بأيديهم الكتاب المقدس، ونحن كنا نملك الأرض، مرت سنوات، علمونا خلالها كيف نصلي بأعين مغلقة، وعندما فتحنا أعيننا، كنا نحمل الكتاب المقدس، بينما استولوا هم على الأرض».
ولكننا حين ننظر إلى الواقع الأفريقي بأعين إسلامية نرى العكس تماما، فقد تقبَّل الأفارقة منذ قرون القيم الإسلامية وتصبغوا بها، وفي المقابل، لم يمح الإسلام الهوية الأفريقية، بل حافظ عليها وأظهر أجمل ما فيها، فبينما دأب المنصرون على محو الطابع والهوية الأفريقية، منح الإسلام أفريقيا طابعها الخاص، تماما كما فعل في كل البلدان المفتوحة، فعرفنا سلطنات إسلامية ذات نمط أفريقي فريد في تمبكتو، وفي نيجيريا، وفي زنجبار، وفي كينيا، وفي تنزانيا، وغيرها.
الآن بدأ العملاق الأفريقي الأسمر ينهض من غفلته ويُبعث من مرقده، وأصبحت معالم النهضة على مرأى ومسمع من الراصدين على كافة الأصعدة، التنموية والروحية وغيرها، وكما احتضنت أفريقيا جماعة المؤمنين الأولى، ها هي تفتح ذراعيها كذلك لجماعة المؤمنين الثانية، فتشهد تلك الأرض الطيبة أوسع حركة لبناء المساجد التي يُذكر فيها الله وحده، مساجد بسيطة البناء، عظيمة القيمة والأثر، على غرار المسجد النبوي في المدينة المنورة، وفي مجاهل الغابات والأدغال الأفريقية.
ومما يجدر ذكره أن علاقة خلفاء المسيح الموعود بأفريقيا بدأت منذ عام 1924م، حين وطأت قدما الخليفة الثاني أرض أفريقيا للمرة الأولى في طريق رحلته عن طريق أرض مصر للمشاركة في مؤتمر الأديان العالمي في لندن، ثم حظيت هذه الأرض بِبِرِّ الخليفة الثالث (رحمه الله) حين أطلق حضرته مشروع «نصرت جيهان»، أي نصرة العالم، لمساعدة البلاد الأفريقية في مجال التعليم والخدمات الصحية. وفي عهد الخليفة الرابع حضرة مرزا طاهر أحمد (رحمه الله) استمرت حركة التنمية في أفريقيا بالتوازي مع حركة التبليغ والتبشير برسالة الإسلام الحقيقي، وتنعم القارة السمراء الآن بالعهد المبارك للخليفة الخامس حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله تعالى بنصره العزيز) وقد كُتب لشعوب تلك الأرض إثبات الجدارة والقدرة على تحدي الصعاب حين وَفَّق الله تعالى خليفة مسيحه لإنتاج القمح لأول مرة في غانا، على الرغم من استحالة نجاح هذا المشروع فيما مضى، فاستحسنت دولة غانا هذه الخطوة المباركة أيما استحسان.
في هذا العدد لا يحسن بنا تفويت فرصة الاطلاع على نماذج للصحابة الكرام، فمن موطن سيدنا بلال سنقرأ قصة هداية واحد من أحفاده الذين أحيوا سيرته. ولا عجب أن يكون سيدنا بلال مؤذن الرسول ، فيا لها من إشارة توحي بأن صوت الإسلام سيدوي من هذه الأرض السمراء ليبلغ شتى أنحاء المعمورة، ليكون صوتا يصدر من قلب العالم، ليصل إلى قلوب العالمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة ,والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد المصطفى خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.