- فما هي الباقيات الصالحات تحديدا؟
- وما علاقتها بالثروة الاقتصادية للشعوب والأقوام؟
- وكيف لتلك الباقيات الصالحات أن تضمن البقاء مقارنة بالأموال المادية؟
___
التفسير:
لقد بين الله تعالى هنا أنه كلما تغيرت الظروف ازداد المؤمن إيمانًا مع إيمانه. بمعنى أن أي تغير لا يبطئ قدم المؤمن ولا ينقص من إيمانه شيئًا، بل يزيده قوة على قوته. خذوا جماعتنا مثلا، فإن كل محنة واختبار قد مرت به قد زادها تقدمًا وازدهارًا. فكم كانت شديدةً الصدمةُ التي أصيبت بها جماعتنا عند خروجنا من قاديان. ذلك لأن الأحمديين كانوا مصابين بنوع من الشرك بشأن قاديان، حيث ظنوا أنهم لن يخرجوا منها أبدًا. وعندما قُضي على شركهم هذا أصيبوا بهزة عنيفة حتى تضعضع كثير من ضعاف الإيمان منهم. فكان بعضهم يقولون بأفواههم بأن الأحمدية حق، ولكنهم كانوا مرتابين في قلوبهم، وقالوا إذا كانت الأحمدية حقًّا لما أُخرجنا من قاديان. ولكن انظر إلى الازدهار الكبير الذي حققته جماعتنا بعد الخروج من هناك. عندما كنا في قاديان كان يفد إليها من خارج الهند الواحد أو الاثنان للتعليم خلال عدة سنين. أما بعد الهجرة منها فبدأ الكثيرون من بلاد عديدة يفدون إلى المركز على التوالي من أجل دراسة الدين، فيوجد اليوم أيضًا حوالي عشرة أو اثنا عشر طالبًا من الأجانب يتعلمون الدين هنا في المركز. كما نتلقى من حين لآخر طلبات كثيرة من الآخرين الكثيرين الذين يريدون المجيء هنا لهذا الغرض، ولكنا نضطر لرفض طلباتهم لقلة مواردنا. ثم إننا عندما كنا في قاديان كانت لنا في الخارج مراكز قليلة للدعوة والتبليغ، ولكنا قد أرسلنا الآن عديدًا من الدعاة إلى بلاد أخرى أيضًا، ويطّلع الناس على الأحمدية على نطاق أوسع. كما أن ميزانية الجماعة قد زادت الآن على ما كانت عليه في قاديان. فالرقي الذي حققناه في كل المجالات مدهش حقًّا. وهذه هي الحقيقة التي قد نبه الله تعالى إليها هنا، فهو لا يزال يزيد المؤمنين رقيًّا ورفعة عند كل خطوة. صحيح أنهم ليسوا في مأمن من المحن والصدمات، ولكن كلما انقشعت غمامة المعارضة وانجلت المحنة، تبين أن أعداء الحق قد أصابهم الضعف والوهن، وأن المؤمنين قد ازدادوا قوة إلى قوتهم.
ثم يقول الله تعالى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير مَردًّا.. أي أن الحسنات التي تبقى هي الأفضل عند الله تعالى. بمعنى أن رأس مال المرء إنما هو أعماله التي تحظى بالقبول لدى الله تعالى؛ أو بتعبير آخر، إن الباقيات الصالحة تُدّخر في خزانة الله تعالى.
يقول المسيح : «لا تكنـزوا لكم كنوزًا على الأرض حيث يُفسد السوسُ والصدأُ، وحيث ينقُب السارقون ويسرقون. بل اكنـزوا لكم كنوزًا في السماء حيث لا يُفسد سوسٌ ولا صدأٌ، وحيث لا ينقُب سارقون ولا يسرقون»(متى 6: 19،20).
فبما أن المسيح قد أوصى قومه بألا يدّخروا المال على الأرض، وإنما الحري بهم أن يدّخروه في السماء، لذا قد نبه الله تعالى المسيحيين هنا في القرآن الكريم أن كل الكفاءات والقدرات التي يتظاهرون ويتفاخرون بها إنما تتعلق بالأرض. إن مدافعكم وقنابلكم، سواء العادية منها أو النووية، وإن جنودكم وأحزابكم وتجاراتكم كلها أمور أرضية دنيوية. أما المؤمنون الذين تظنون أنهم ضعفاء لا حيلة بهم ولا قوة، فمَصرَفهم الذي يدّخرون فيه هو في السماء. هل نسيتم قول المسيح إن ما يُكنـز في السماء محفوظ، وإن ما يُكنـز على الأرض هو غير محفوظ. إن باقياتهم الصالحات مدخرة في البنك السماوي الذي لا يعرف الإفلاس أبدًا، وإنها خيرٌ ثوابًا وخير مردًّا.. أي أنهم سينالون هنالك رؤوس أموالهم مع أرباحها، حيث إن لفظ ثوابًا إشارة إلى الربح، ومردًّا إلى رأس المال. فالله تعالى ينبه هؤلاء الشعوب لقد أصابكم الزهو ببنوككم، وترون أنه لا بد لكم مدخرات فيها حتى تكسبوا الربا عليها أضعافًا مضاعفة، ولكن قد نسيتم أن المال الحقيقي إنما هو ما يُدّخر في البنك الإلهي، أن الربح الحقيقي إنما هو ما يعطيه الله من فضله.
التفسير:
يقول الله تعالى هنا متسائلاً: إن هذا الذي يكفر بآياتنا زاعمًا أن ماله سيزيده ثراءً حيث يستثمره بالتجارة فيربح المزيد من المال، وأن أولاده سيتسببون في ازدهار عشيرته وقبيلته، فعنده كل الوسائل التي تزيده مالاً ونفرًا، أَطَّلَـعَ الغيبَ[؟ ألم يُهلَك الأولون رغم كثرة أموالهم؟ ألم يدمّروا رغم كثرة أولادهم؟ ألم يكن قوم عاد قوة عظيمة؟ كانوا في يوم من الأيام يحكمون الجزيرة العربية كلها والعراق وفلسطين والشام، أما اليوم فإن علماء الآثار يبحثون عن آثارهم الباقية في بطن الأرض، وإذا وجدوا شيئًا من آثارهم يفرحون ويبتهجون وكأنهم قد قاموا بإنجاز تاريخي عظيم. ثم كم بلغ الفراعنة من المنعة والعظمة؟ كان الناس يرتجفون بسماع اسمهم، وبلغ غرورهم بعظمتهم أنه إذا خرج أحدهم إلى بلاطه وضع على وجهه النقاب ظنًّا منه أنه لو رأى أحدٌ من الرعايا وجهه لأصيب بالجذام. أما اليوم فتُستخرج جثثهم المحنطة وتوضع في المتاحف، ويقال هذه مومياء فرعون كذا وتلك مومياء فرعون ذاك. ولقد رأيت بنفسي هذه الجثث المحنطة في المتحف المصري. وتوجد بعض هذه المومياوات في فرنسا. ويسعى الأمريكان أن يأخذوا إلى بلدهم مومياء أحد من الفراعنة. وهذا يعني أن الفراعنة أصبحوا جثثًا تتفرج عليها الناس في المتاحف كما يتفرجون على الأواني القديمة. فمتى خطر ببالهم أنه سيُفعل بجثثهم هذا في يوم من الأيام؟
فهؤلاء القوم الذين يدّعون بأنهم لن يهلكوا أبدًا لأن عندهم الأموال ولأن أولادهم مستمرون في الترقي والازدهار، يقول الله تعالى فيهم أطّلعَ الغيبَ أم اتخذَ عند الرحمن عهدًا.. أي هل تيسر لـهم علم الغيب بأنهم لن يهلكوا، أم أن الله الرحمن قد وعدهم بهذا؟ ذلك لأن معرفة علم الغيب أو الوعد عند الله هما الأمران اللذان يمكن أن يبنوا عليهما ادعاءهم بعدم الهلاك، أما كثرة الأموال والأولاد فلا يمكن أن ينجي أحدًا من الدمار، إذ لم تزل القوى الدنيوية العظيمة تهلك وتباد حتى اليوم.
الحق أن لأخبار الغيب مصدرين؛ أولهما المنجمون والرمالون والكهان وغيرهم الذين يتنبؤون في زعمهم بشتى الأخبار المستقبلية، والمصدر الثاني هو الله تعالى الذي يُطلِع رسلَه على أخبار الغيب؟ ولذلك ذكر الله هنا هذين المصدرين، وقال أَطّلعَ الغيبَ.. أي هل ما يدّعون به هو نبأ أدلى به أحد المنجمين وغيرهم، أم اتخذَ عند الرحمن عهدًا.. أي أم أن نبيًّا من أنبياء الله تعالى أخبرهم بهذا؟
إن ما يُكنـز في السماء محفوظ، وإن ما يُكنـز على الأرض هو غير محفوظ. إن باقياتهم الصالحات مدخرة في البنك السماوي الذي لا يعرف الإفلاس أبدًا، وإنها خيرٌ ثوابًا وخير مردًّا.. أي أنهم سينالون هنالك رؤوس أموالهم مع أرباحها، حيث إن لفظ ثوابًا إشارة إلى الربح، ومردًّا إلى رأس المال. فالله تعالى ينبه هؤلاء الشعوب لقد أصابكم الزهو ببنوككم، وترون أنه لا بد لكم مدخرات فيها حتى تكسبوا الربا عليها أضعافًا مضاعفة، ولكن قد نسيتم أن المال الحقيقي إنما هو ما يُدّخر في البنك الإلهي
شرح الكلمات:
كلا: ورد في المفردات: «كلا، رَدعٌ وزجرٌ وإبطالٌ لقول القائل». فالمراد من «كلا» أن الكلام الذي مرّ من قبل غلطٌ، وإنما الصحيح ما يقال الآن.
التفسير:
يعلن الله تعالى أن كل ما يقوله هؤلاء كلام فارغ غلط، إذ لم يتيسر لهم علم الغيب، كما لم يقطع الله معهم أي عهد. سنكتب ما يقول.. أي لن ننسى قولهم لأُوتَيَنَّ مالاً وولدًا[، بل لا بد أن نأخذه في الحسبان لنحاسبهم عليه. لن ننسى أنهم قد ادعوا بهذه الدعاوى أمام عبادنا، ومن واجبنا أن نفضحهم أمامهم أيضًا.
ثم قال الله تعالى ونَمُدّ له من العذاب مَدًّا.. أي كما أننا مددنا لهم حبل المهلة طويلاً حتى أخذهم الزهو والغرور بقوتهم وشوكتهم، فعيّروا المؤمنين بضعفهم وقلة حيلتهم، فمن واجبنا كذلك أن نمد فترة عذابهم أيضًا. وكأنه تعالى يقول إن إمهالنا لهؤلاء القوم طويلاً قد عرّض عبادنا المؤمنين للخزي والهوان طويلاً، حتى بدوا أمامهم ضعفاء حقيري الشأن، كما عرّضنا بذلك الإسلام للمطاعن، فمن واجبنا الآن أن نطيل فترة عذابهم أيضًا انتقامًا للمؤمنين، لكي يطمئنوا بأن هناك من يعطف عليهم ويرعاهم.
التفسير:
اعلم أن قوله تعالى ونرِثه ما يقول تقديره: نرث منه ما يقول. وأما ما يقول فقد مضى شرحه من قبل في قول الله تعالى قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خيرٌ مقامًا وأحسنُ نديًّا[، وقول الله تعالى وقال لأُوتَيَنَّ مالاً وولدًا. فالمراد من ما يقول هو زهوهم بثرائهم ومالهم وتفاخرهم بمكانتهم وأولادهم. فالله تعالى يعلن هنا أنه سيرث منهم هذه الأشياء التي يتباهون بها، أي سينـزع منهم أموالهم وثراءهم، وعزتهم ومناصبهم وأولادهم أيضًا.
ثم يقول تعالى ويأتينا فردًا.. أي أنه سيحضرنا وحيدًا منفردًا.
وكما ترى فإن الله تعالى لم يشر هنا إلى المال وإنما اكتفى بالإشارة إلى كونه وحيدًا فردًا. ذلك لأن أصحاب المرء نوعان: النوع الأول هم أولئك الذين يكونون معه بسبب القرابة كأب وأم وولد وأخ وأخت وزوجة. والنوع الثاني هم أولئك الذين يجتمعون حول المرء من أجل بعض المكاسب التي هي نتيجة حتمية للمال والعزة. وكأن هؤلاء طماعون في المال أو العزة أو الصيت في الحقيقة، وكلما رأوا عند أحد مالاً ونفوذًا صاروا من أصحابه وأصدقائه يتملقون لـه طلبًا لبعض المنافع والفوائد. ولكن الله تعالى يعلن هنا أنهم حين يأتوننا يأتي كل واحد منهم كفرد واحد، ولن يرافقه عندها أي من أصحابه.
لقد بين الله تعالى من قبل أنه سينـزع منهم أموالهم وأولادهم، أما الآن فيضيف ويقول ويأتينا فردًا.. أي لأننا سننـزع منهم أولادهم فيصبح كل واحد منهم وحيدًا فردًا؛ كما أننا سننـزع منهم أموالهم أيضًا فينفضّ مِن حولهم أصحابهم الآخرون الذين اجتمعوا حولهم طمعًا في مالهم وكانوا يتملقون لهم كل حين. فكأن قوله تعالى ويأتينا فردًا جاء تأكيدًا لحرمانهم من المال والأولاد كليهما. حيث جاء لفظ فردًا نفيًا للأولاد والخدم والأصحاب، أما الذين يجتمعون حولهم طمعًا في المنافع والمكاسب فجاء نفيهم في نفي المال تلقائيًا، لأن هؤلاء إنما يتخلون عن المرء حين لا يكون عنده مال ولا نفوذ. خذوا كفار مكة مثلاً، كم كان الرؤساء الكافرون يتباهون بأولادهم، ولكن الله تعالى نـزع منهم أولادهم وجمعهم على قدمي محمد رسول الله ، جاعلاً أولئك الرؤساء الكافرين أذلاء صاغرين.
لما خرج النبي لغزوة بني المصطلَق تشاجر بعض الأنصار والمهاجرين على بئر ماء وقت الشرب، وطال الشجار واحتد حتى شهر القوم سيوفهم وكادوا يقتتلون. فاغتنم عبد الله بن أبي بن سلول – رأس المنافقين – الفرصة فتقدم وقال للأنصار، إنما هي أخطاؤكم التي رأيتم بسببها هذا اليوم التعيس. فكنت أنصحكم دائمًا أن لا تخصوا المهاجرين بهذه الحفاوة والكرم وإلا ستتندمون على ذلك في يوم من الأيام، ولكنكم لم ترضوا بقولي. والحمد لله أنكم قد تنبهتم لخطأكم الآن قبل فوات الأوان، فلا يهمنّكم شأنهم. دعوني أرجع إلى المدينة، فسترون أنه ليُخرِجنّ الأعزُّ منها الأذلَّ(المنافقون: 9). وسترون أن هذه الفتنة لن تطلّ برأسها بعد ذلك أبدًا. وكان هذا الشقي يقصد بـ الأعزّ نفسه، وبـ الأذل– والعياذ بالله – رسولَنا الكريم . فلما سمع الفريقان قوله فطنوا على الفور أن الرجل يريد الفتنة مستغلا شجارهم وحماسهم. فرجعوا إلى صوابهم وتصالحوا. ولكن أحد الصحابة جرى إلى رسول الله وأبلَغه الخبر. فدعا النبي عبدَ الله بن أبي بن سلول وأصدقاءه وسألهم عن الأمر. فأنكروا ما قالوا تمامًا. ولكن الحدث كان أمرًا واقعًا، فأخذ خبره ينتشر بين القوم حتى وصل إلى ابن رأس المنافقين هذا، حيث قيل لـه إن أباك قد قال عند هذا الشجار مهددًا: إن أعز شخص في المدينة، أي أباك، لا بد أن يطرد أذل شخص فيها، أي – والعياذ بالله – رسول الله . وكان ابنه فتى مؤمنًا مخلصًا، فلم يتمالك نفسه وذهب إلى النبي من فوره، وقال: يا رسول الله، لقد سمعت أن أبي قد تكلم بمثل هذا الكلام؟ قال النبي : نعم، لقد بلغني ذلك أيضًا. قال: يا رسول الله، هل عقوبة هذه الجريمة إلا القتل؟ فأرجوك، يا رسول الله، أنك إذا أردتَ قتل أبي فلا تأمر غيري بقتله؛ لأنك لو أمرت غيري بقتله فأخاف أن يغويني الشيطان ويحرضني على قاتل أبي، فأقتله من فورة الغضب والانتقام. فاسمح لي أنا بقتل أبي بيدي. فقال رسول الله ، أنا لا أرغب في قتله أبدًا، بل إني لا أريد عقابه أصلا. قال: يا رسول الله، حسنًا، إذا كنت لا تريد أن تعاقب أبي الآن، فالرجاء أنك إذا أردت قتله في وقت لاحق فمُرْني أنا ولسوف أقتله بيدي. فأعاد النبي كلامه وقال إنا لا نريد أن نعاقبه أصلاً، وإنما نريد أن نعامله بلطف ولين. فخرج الفتى من عند رسول الله صامتًا، ولكنه كان يحترق كمدًا بسبب الكلمة التي تفوه بها أبوه، فكان لا يرتاح له بال ولم يقر لـه قرار.(يتبع)