- ما العلاقة بين كمال الذات الإلهية وضرورة إرسال المبعوثين والمجددين في كل عصر؟
- ما ماهية الإصلاح في حق المهدي الذي انتظر المسلمون بعثته؟
- بم يحتفي المسلمون الأحمديون في الحقيقة في الذكرى السنوية لتأسيس جماعتهم؟
___
لولادة الأمم وجماعات المؤمنين قانون أرساه الخلاق العليم سبحانه، ودورة تتعاقب فيها الأحوال وتتكرر، وقد سن العزيز الحكيم ذلك القانون من لدن سبحانيته، لكي لا يفقِد الخلق أمل الخلاص. وبإمكاننا الزعم بأنَّ تاريخ الإنسان في هذا العالم ما هو إلا تعاقُب لدورات نشأة الأمم والجماعات. وحيث إن الأصل في الأشياء النفعُ والصلاحُ، تتأسس جماعات المؤمنين من اجتماع صلحاء الناس برعاية ربانية تُرافق مبعوثا إلهيا، ثم يطول الأمدُّ فينسى الخلَفُ هدي السلَفِ شيئا فشيئا، فتمس الحاجة إلى إعادة خلق جماعة المؤمنين وتجديد المرعى، يقول :
إذن فمجيء مبعوث يتولى مهامًّا تجديدية إصلاحية إنما هو فيض من ينبوع الكمال الإلهي، ذلك لأن كمال الدين من كمال صاحبه، والدين الكامل يشتمل على خصائص تضمن تطوره وتجدده بذاته وبما يناسب مستجدات العصر، وكمالات الله تعالى لا تنتهي، ومن تلك الكمالات يفيض على عباده المصطفين الأخيار، وبفضل تلك الكمالات غير المحدودة، هناك دومًا مجال للإحسان والإصلاح والتكميل.
ولا يخفى على أحد أن أوضاع العالم تسوء بسرعة في هذه الأيام، ومن سوء الحظ أن بعض المنظِّمات التي تنسب نفسها إلى الإسلام ضالعة في ذلك، على الرغم من أن كافة الأعمال الغاشمة التي تُرتكب باسم الجهاد لا تمتُّ إلى الإسلام بِصِلَةٍ، كما أن الظلم الذي تصبه الحكومات الإسلامية على رعاياها لا علاقة له بالإسلام أبدا. إنها تتصرف خلافًا لتعاليم الإسلام.. فأوضاع العالم بعامة، والمسلمين بخاصة، اقتضت أن يأتي من يعيد الصلح إلى الأجواء. فليت العالم يتنبَّه إلى أن ذلك الصالح المصلح قد أتى بالفعل، مؤسسًا بأمر الله هذه الجماعة الإسلامية في الثالث والعشرين من مارس 1889م باجتماع أربعين من صلحاء المسلمين في مدينة لدهيانة الهندية ليبايعوا رجلاً بعثه الله مصلحا لما فسد في الزمن الأخير، إنه سيدنا مرزا غلام أحمد القادياني ، الذي تواتر عليه وحي الله تعالى كالمطر الغزير، مُنبئًا إياه بأنه هو نفسه المهدي المعهود والمسيح الموعود، الذي طالما انتظر مجيئه المسلمون ومن سواهم من سائر الأديان.
وتأكيدًا على كون دعوة المسيح الموعود عالمية الطابع، كان من مقتضى الحال أن تكون آيات صدقه والتأييدات الإلهية له عالمية الطابع كذلك، وتصديق ذلك ما كان الظاهرة الفلكية الفريدة المعروفة، حيث اجتمعت الشمس والقمر في رمضانين متواليين، مصداقًا لنبوءة القرآن الكريم في سورة القيامة:
وكذلك نبوءة خاتم النبيين :
ويا له من توافق بديع، حيث تَحُلُّ الذكرى السابعة والثلاثين بعد المائة ليوم المسيح الموعود متزامنة مع حلول عيد الفطر المبارك في نفس هذا الشهر، فلا أصدق تعبيرا عن هذه الفرحة من نظم للمسيح الموعود في بيت شعر عربي قال فيه ما نصه:
اليَوْمَ بَعْدَ مُرُورِ شَهْرِ صيَامِنَا
عِيدٌ لِأَقْوَامٍ لَنَا عِيدَانِ (4)
ولأن للصَّائمِ فرحتين، فرحة عند فِطره، وفرحة عند لقاء ربه، بحسب قول سيد الورى (5)، فقد نَظم سيدنا المسيح الموعود هذا البيت ضمن منظومة عربية ترْبُو على المائة بيت، تهلُّلا واستبشارًا بتحقق نبوءة سيد الورى وخاتم النبيين ، وتفصيل ذلك أنْ قد تحقق خسوف القمر في 21/3/1894، وتحقق كسوف الشمس في 6/4/1894، وكانا آيتين عاينهما أهل المشرق. ثم تكرر الحدثان في العام التالي، أي في عام 1895 ليراهما قاطنو الشطر الغربي من الكوكب، ولِتُقامَ الحُجَّةُ على العالم كلِّه. فاحتفاؤنا إذن بالدرجة الأولى بالشهر الفضيل.
والثانية الاحتفال بيوم المسيح الموعود بوصفه اليوم الذي تأسست فيه جماعة المؤمنين، الجماعة الإسلامية الأحمدية، لهو في حقيقة الأمر احتفاءٌ بتصديق نبوءة خاتم النبيين وتأثير قوته القدسية، والتي كان من مظاهرها بعثته الثانية في الآخرين.
قارئ التقوى الكريم، يأتيك عدد هذا الشهر مُحمَّلا بهدايا كثيرة، وهِداياتٍ أثيرة، وكلها منظومة بسِلْكٍ وثيق يمتد من أولى صفحات العدد إلى آخرها. فارتكازًا على خُطبة سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) المُتَخيَّرة لهذا العدد، نطَّلع على شيء مِنْ أفضال وبركات الشهر الفضيل ودلالات روحانية رمضانية، يبحث فيه دلالات شتى، منها مثلا فلسفة تسمية الشهر الفضيل برمضان، وعلاقة ذلك ببعثة المسيح الموعود في الزمن الأخير، وكذلك جوهر الفرق بين الصوم كممارسة تعبدية فردية، والصيام بوصفه رُكنًا ركينًا من أركان الدين!
لنَخْلُص إلى أنَّ كل ما أجراه الله تعالى على يد مسيحه الموعود من كرامات إنما هو مُعجزة لنبيِّه الخاتم. ومواكبة للذكرى السنوية ليوم المسيح الموعود، نقدم لكم ثلاث مقالات وثيقة الصلة ببطل الإسلام المبعوث من لدن الرحمة والقدرة، أولها مقال يحمل إضاءات من سيرة المسيح الموعود ، وثانيها مقال عن خدماته الدينية، ومُراجعة ممتعة لأحد كُتبه، وكتاب «المقارنة بين الأديان في ميزان الفطرة». ولكي تكتمل باقة هدايا الشهر، ذُيِّل العدد بمقال علمي، يصحبنا فيه كاتبه في رحلة مَكُوكِيَّة جيئةً وذهابًا بين ثلاثة علوم مُعتبَرة، علم النفس، وعلم الاجتماع، وتفسير القرآن، فنفهم معنى أن يكون المرء ظلومًا جهولا! ونُدرك خطورة أن يُمعِن في ظلم نفسِه. فندعو المولى أن يُتمَّ علينا بركات الشهر الفضيل، نحن أسارى إحسانه الجزيل.
الهوامش:
- (الأَعلى: 2-6)
- رواه ابن ماجه
- (القيامة: 8-11)
- سنن الدارقطني، كتاب العيدين، باب صلاتي الخسوف والكسوف وهيئتهما.
- مرزا غلام أحمد القادياني ، نور الحق (الثاني)، قصيدة «بشرى لكم يا معشر الإخوان»
- يُنظَر: حديث النبي المروي في صحيح البخاري: «للصَّائمِ فرحتانِ، فرحةٌ حينَ يفطرُ، وفرحةٌ حينَ يَلقى ربَّهُ».