بعض سنن استدراج الأمم الضالة وإهلاكها
  • كيف عرض المصلح الموعود رضي الله عنه فكرة “النسبية” في مقارنة القوة العسكرية للدول قديما وحديثا؟
  • ما الفرق الجوهري الذي وضحته آيات سورة مريم بين “العذاب” و”الساعة” كأدوات للقرار الإلهي النهائي بصدد الشعوب والحكومات؟

___

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (مريم 75)

 شرح الكلمات:

أثاثًا: الأثاث: متاع البيت؛ وقيل: هو ما يُتّخذ للاستعمال والمتاع؛ وقيل: المال كله (الأقرب).

رِئْيًا: الرِّئْيُ: المنظر (الأقرب).

التفسير:

يرد الله تعالى هنا على حجتهم ويقول إن حجتهم مقبولة من دون شك إذا كانت الثروة التي بحوزتهم تشكل ضمانًا بأن حالهم غير قابل للزوال. نحن نسلّم بأنهم يملكون الأموال والثروة التي لا يملكها المؤمنون. ولكن هلا فكّروا فيما جرى لمن قبلهم ووَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا.

والقرن هو مئة عام، كما يطلق على مدة قريبة من ذلك مثل الثمانين والتسعين عامًا. والقرن أهل زمان واحد؛ وأهل جيل واحد؛ والوقت من الزمان؛ وكل أمة هلكتْ فلم يبق منها أحد (الأقرب).

فالله تعالى ينبه الكفار بذلك أنهم لو فكروا لعلموا أنه قد خلا قبلهم قرون من الناس الذين أهلكناهم كلهم حتى لم يبق منهم أحد، وذلك بالرغم من أنهم كانوا أحسن من هؤلاء متاعًا وكانت نواديهم أغلى أثاثًا من نوادي هؤلاء.. أي كانوا أشد منهم قوةً وشوكة، وأكثر منهم رعبًا وهيبة، ومع ذلك دمرناهم. فما دامت الأمم التي كانت أحسن من هؤلاء مالاً وقوة وشوكة قد دُمرتْ فلا يحق لهم أن يدّعوا بأنهم لن يهلكوا أبدًا. لسنا هنا بصدد فيما إذا كان الله يريد أن يهلكهم أم لا، وإنما نؤكد بهذا على خطأ زعمهم أنهم كيف يمكن أن يهلكوا مع أنهم أكثر أموالاً وقوة من المؤمنين.

ولما كان الحديث هنا يدور عن المسيحية فهناك سؤال يطرح نفسه هنا: مَن هؤلاء الذين كانوا أكثر مالاً وقوةً وعتادًا مِن هذه الشعوب المسيحية؟ فإنها تملك اليوم من الأموال والأثاث والقوة والعتاد ما لم يتيسر لأي حكومة من قبل؟

فليكن مفهومًا أن المال والقوة أمر نسبي في الحقيقة. فمثلاً هناك شخصان يملك أحدهما ألف جنيه، ويملك الآخر مئتي جنيه. وهناك شخصان آخران يملك أحدهما عشرة ملايين جنيه، بينما يملك خصمه أيضًا عشرة ملايين جنيه إلا ألف جنيه. فبالرغم أن الذي عنده عشرة ملايين جنيه هو أكثر مالاً بكثير من الذي عنده ألف جنيه فقط، ولكنه في الواقع أضعف منه قوة بالنظر إلى ما يملكه خصمه. ذلك لأن الذي يملك ألف جنيه فقط هو أقوى من عدوه خمسة أضعاف، أما هذا الذي بحوزته عشرة ملايين فإن منافسه لا ينقصه إلا ألف جنيه، فثبت أن ضعفه حيال خصمه قليل جدًا نسبيًّا. فثبت بذلك أن موازنة القوة أمر نسبي، حيث لا يُنظر فيه إلى ما يملكه الطرف الواحد من مال وقوة، بل يؤخذ في الحسبان أيضًا ما يملكه الطرف المنافس، ثم يتم الحكم بحسب النسبة الحاصلة بينهما.

وعندما نطالع التاريخ من هذا المنظور نجد أنه لم يوجد في عصر فرعون ملِكٌ آخر يمكن أن يقف ندًّا لـه قوة ومنعة. ولم يوجد في عهد الإسكندر في الدنيا كلها مثيل لـه في القوة والشوكة. ولم توجد في عهد جنكيز خان في الدنيا قوة تقف في وجهه. مما لا شك فيه أن أمريكا اليوم هي أكثر من جنكيز خان والإسكندر ونابليون وغيره مالاً وعتادًا ونظامًا عسكريًّا بآلاف المرات، ولكن القوى المعادية لأمريكا هي الأخرى أكثر مالاً وقوة من الإسكندر وجنكيز خان ونابليون بآلاف المرات. لقد هبّ الإسكندر من اليونان وقطع مسافة أربعة آلاف ميل ليغزو الهند، ولم تقدر أية دولة على الوقوف في وجهه. بينما نجد أن أمريكا لما حاولت غزو كوريا لم تجد بدًّا من الانسحاب منها وبصعوبة بالغة. وهذا يعني أن الصين وروسيا تملكان اليوم قوة تماثل قوة الأمريكان. فثبت أن أمريكا اليوم أضعف نسبيًّا من الإسكندر وجنكيز خان رغم كل ما تملكه من عدة وعتاد، ذلك لأن أعداء جنكيز خان أو الإسكندر كانوا أضعف بكثير من أعداء أمريكا.

أو انظروا مثلاً إلى ما كان يتمتع به ملوك ميديا وفارس أو الملك البابلي نبوخذنصر من قوة ومنعة، حيث لم يوجد حوله بمسافة آلاف الأميال من يقدر على التصدي لهم. وحيثما توجهوا بجنودهم استسلمت لـهم الشعوب دونما مقاومة، وإذا حاربهم أحد لقي هزيمة نكراء. ولكن أمريكا لا تستطيع أن تتغلب على العالم كله، بل كلما تقدمت قليلاً في جبهة وقفت الصين في وجهها، وإذا تقدمت في جبهة أخرى تصدت لها روسيا. فتجد ثمة توازنًا للقوى بحيث يبدو أن الواحد ند للآخر تمامًا، أو أن الفرق بينهما ليس بكبير. أما الفرق بين هؤلاء الملوك القدامى وخصومهم فكان كبيرًا جدًّا. إذًا فلا شك أن أمريكا هي أكثر قوة ومنعة من هؤلاء الملوك القدامى فيما يبدو، ولكنها أضعف منهم نسبيًّا في الحقيقة.

ومن أجل ذلك يقول الله تعالى لهؤلاء القوم إننا ما دمنا قد أهلكنا في الماضي دولاً كانت أكثر منكم مالاً وقوة وعتادًا، فكيف تظنون أنكم لن تهلكوا أبدًا.

قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (مريم 76)

التفسير:

يبين الله تعالى هنا أن هناك سبيلاً واحدًا لبقاء الإنسان، وهو أن يسلك الطريق المستقيم، أما إذا انحرف عن سواء السبيل فيدرك كل عاقل أنه هالك لا محالة، عاجلاً أم آجلاً. إذ من المحال أن يسلك المرء طريقًا خاطئًا، ويتجه إلى هوة الدمار ثم ينجو من السقوط فيها. إن الذي يسلك الطريق الخاطئ ثم يظن أنه ناجح فمثله كمثل جحا. يقال إن شخصًا رأى جحا على شجرة وهو يقطع الغصن الذي هو جالس عليه. فقال لـه: لا تفعل هكذا وإلا سقطتَ على الأرض. فقال لـه: كيف عرفت أني سأسقط على الأرض؟ هل أنت نبيّ؟ اذهبْ لشأنك. فقال الرجل إن الأمر واضح جلي. إنك تقطع الغصن الذي أنت جالس عليه، وحين ينقطع تمامًا سيسقط بك على الأرض حتمًا. قال: اتركني وشأني، فقد رأينا كثيرًا من الناس يدّعون بمثل هذه الدعاوى. فذهب الرجل، ولما انقطع الغصن وسقط جحا على الأرض، جرى وراء الرجل الذي حذره من مغبّة عمله. فلحِق به وأخذ يعتذر إليه ويقول: سامِحْني يا سيدي، فلقد أخطأت خطأ كبيرًا إذ لم أعمل بنصيحتك. لقد أيقنت الآن أنك نبي. فقال الرجل: إنني لست بنبي، بل هذا ما يمليه علينا العقل والمنطق، وقلت ما دام هذا يقطع الغصن الذي هو جالس عليه فلا بد أن يسقط أيضًا. فقال جحا: كلا يا سيدي، إنك نبي بكل تأكيد، فأرجوك أن تخبرني الآن متى ستحين وفاتي؟ قال: كيف أعرف يوم وفاتك؟ فألحّ عليه إلحاحًا شديدًا، فقال الرجل لكي يتخلص منه: تموت في اليوم الذي ينـزف الدم من فمك. وكان جحا حائكًا، وذات يوم كان يسوي الخيوط للحياكة، فدخلت قطعة صغيرة من الخيط الأحمر في فمه واحمرّت به أسنانه. فظنَّها المسكين دمًا وقال لزوجته: لقد حان موتي، فجهّزي لكفني ودفني.

فمثل هؤلاء كمثل جحا الغبيّ. إذ ما دام الأمر الواقع يؤكد أنهم سائرون في طرق تؤدي إلى هوة الهلاك، فكيف يعترضون، مثل جحا الغبي، على من يقول لهم إنكم هالكون حتمًا؟ لو نظرتَ إلى روسيا وأمريكا لوجدتهما نِدَّين، ولو اصطدمت هاتان القوتان ووقعت الحرب بينهما الآن لكانت النتيجة دمار الاثنتين كما دُمّرت ألمانيا وإيطاليا وفرنسا في الحرب العالمية الثانية. وهذا ما ينبه الله إليه في هذه الآية ويقول إن الذي ثبت ضلاله لا يمكن أن يكون حول مصيره رأيان. فعليكم أيها الكافرون أن تنظروا هل أنتم في ضلال أم لا؟ فإذا كنتم في ضلال فلا شك في صحة قولنا بأنكم الهالكون حتمًا في يوم من الأيام مهما كانت قوتكم وشوكتكم، لأنكم سائرون في طريق الخطأ والهلاك.

أما قول الله تعالى فليَمْدُدْ لـهُ الرَّحمنُ مَدًّا فهو خبرٌ ورد في صيغة الأمر من أجل التأكيد. ومن أساليب العربية إيراد الخبر بصيغة الأمر أحيانًا بغية التأكيد. والمعنى أن الله الرحمن سيمنح هذا الشخص مزيدًا من المهلة حتمًا، لكي تراه الدنيا أولاً في قوته وشوكته وأبّهته لفترة طويلة، ثم تشاهد هلاكه الذي سيكون نكالاً للآخرين، حتى تعترف بأهمية هذه المعجزة.

وكأن الله تعالى يقول إن أحوال هؤلاء القوم تدفع المرء العادي ليدعو عليهم قائلا: دمّر الله عليهم وأبادهم، بيد أن هذه المعجزة تبلغ من الأهمية والعظمة بحيث إن الشخص العاقل الروحاني سيقول: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا.. أي فليزدْهم الله رقيًّا وصعودًا، لأنهم كلما ازدادوا صعودًا كان في سقوطهم آية عظمى.

ثم يقول الله تعالىحَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ. واعلم أن قوله تعالى إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَة لا يدل على الشك والريبة في مجيء العذاب أو الساعة عليهم، بل لـه معنى آخر. فمن سنة الله المستمرة أنه لا يعذب شتى الشعوب والحكومات في وقت واحد ولا على منوال واحد، بل يحل عذابه أولاً على شعب، ثم بعد فترة يحل على شعب آخر، ثم بعد مدة على شعب ثالث. كما أن هناك أممًا لا يحل بهم العذاب وإنما تحل بهم الساعة. وهاتان السنتان الإلهيتان كلتاهما جاريتان معًا. فقوله تعالى لا يعني أننا لا ندري هل هم يرون العذاب أم الساعة، بل المراد أن بعضهم يرى العذاب وبعضهم يرى الساعة. وهذا ما يحصل دائمًا. وعلى سبيل المثال كانت الحرب العالمية الأولى بمنـزلة الساعة لقيصر ألمانيا ولقيصر روسيا ولملِك تركيا حيث قُضي عليهم جميعًا، بينما كانت بمثابة العذاب على إنجلترا وفرنسا وبلجيكا. أما الحرب العالمية الثانية فكانت بمنـزلة الساعةَ على هتلر وموسوليني حيث قُضي عليهما، ولكنها كانت عذابًا على إنجلترا وفرنسا حيث أصابهما الضعف الشديد. ولذلك يقول الله تعالى إذا جاء اليوم الذي يتحقق فيه وعدنا فيرى بعضهم العذاب وبعضهم الساعة.

واعلم أن الساعة تعنى دائمًا القيامة أو القرار النهائي. ولكنها لا يمكن أن تؤخذ هنا بمعنى القيامة لأن القيامة ليست بديلاً للعذاب، لذلك فإن الساعة تعني هنا القرار النهائي بصدد شعب لأنه يكون بديلاً للعذاب. ذلك أن القرار لا يصدر بصدد الشعوب كلها في وقت واحد، بل سيرى بعضها العذاب، بينما سيُقضى على بعضها الآخر، وهكذا سيصدر القرار النهائي في الجميع واحدًا واحدًا.

وهذا يوضح أن الله تعالى سيعامل الشعوب المسيحية بحسب سنته هذه المستمرة، فينـزل على بعضهم العذاب، بينما تحل على الآخرين ساعتهم.

ثم يقول الله تعالى فسيعلمون مَن هو شر مكانًا وأضعف جندًا.. أي حين ينظر هؤلاء تأييد الله ونصره للمؤمنين سيضطرون للاعتراف بأن المؤمنين كانوا مؤهلين للرقي والازدهار وإن كانوا ضعفاء، وأننا كنا مستحقين للهلاك والدمار وإن كنا أقوياء. فمثل الفريقين كمثل شجرة ونبات صغير، فالشجرة ضخمة طويلة الأغصان في الظاهر، وعمرها مئة سنة، وصارت نخرة متآكلة من داخلها، وأما النبات فصغير ناعم يخرج رأسه من النواة. فلا شك أن هذا النبات الصغير يبدو ضئيل القدر جدًّا إزاء تلك الشجرة الضخمة القوية في بادئ الرأي، ولكن كل عاقل يدرك أن هذا النبات هو الذي سينمو ويكبر ويزدهر في المستقبل، لأن أمامه عمره كله، وأما تلك الدوحة النخرة المتآكلة البالغة مئة سنة فمآلها السقوط والهلاك عاجلاً أو آجلا.

وهذا ما يبين الله تعالى هنا ويخبر أنه عند ظهور النتيجة سيقر هؤلاء القوم بأنهم كانوا مستحقين للهلاك، وأن المؤمنين هم الذين كانوا مؤهلين للترقي والازدهار، كما ينكشف عليهم أي الحزبين كان أضعف جندًا، أجند الله أم جندهم؟

في هذه الآية إشارة إلى أن هؤلاء الشعوب المسيحية سيصابون بالزهو والغرور بحضاراتهم الراقية وجنودهم الجرارة في ذلك الوقت، وأما المؤمنون فلن تكون مؤهلاتهم بادية للناس، لذا فستعيّر الشعوب المسيحية أهلَ الشرق بسبب مستوى حياتهم المتدني، ويقولون للمؤمنين نحن أكثر منكم جندًا وأشد منكم قوة. ولكن الله تعالى سينـزع منهم ثرواتهم في آخر المطاف، لأنه قد قرر إنهاض المؤمنين ومحو الكافرين. فالمؤمنون سيزدادون رفعة وصعودًا، وأما الكافرون فيزدادون سقوطًا يومًا بعد يوم، حتى تقر الدنيا بأن هؤلاء ماضون قدمًا إلى الرقي والازدهار، وأما أولئك القوم فهم إلى زوال وانحطاط.

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via