إعلام الدجال، والتورط في غسيل الأدمغة

إعلام الدجال، والتورط في غسيل الأدمغة

التحرير

  • ما هي آليات استغلالنا وتحويلنا إلى مجرد سلعة لصالح مخططات الدجال؟
  • كيف يُغذّي هذا النظام النزعة المادية؟
  • هل من سبيل للنجاة من تلك الفتنة؟ فما هو؟

____

لعلَّ من أبرز التحولات التي شهدها العصر الحديث، تلك الطفرة الهائلة في عالم الاتصالات والإعلام، ما جعل المجتمعات الإنسانية أشبه ما تكون بقرية صغيرة. لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل أصبح قوةً جبارةً بيد القائمين عليه، قادرة على تشكيل الوعي والتحكم في السلوكيات، إلى الحد الذي يمكن أن يوصف فيه بأنه أداة جناية البشرية على نفسها، لا سيما في ظل التخوُّف، حيث يرى الخبراء استقلال تقنيات الذكاء الاصطناعي من الإنسان ويطور التقنيات والبرامج بمفردها وذلك بدون دراية الإنسان وتتحول إلى عبد متمرد على سيده، وتخرج عن سيطرة الإنسان الذي أنشأها وطوَّرها.

لقد كان الإعلامُ أداةً لتوجيه الرأي العام، لكنه اليوم، وفي ظل الثورة الرقمية الرابعة، أصبح يمتلك آليات معقدة، مدعومة بالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، تُمكنه من التأثير في الأفراد والمجتمعات على نحو لم يسبق له مثيل. إن الوضع بلغ من خطورته أنْ صار التمييز بين المادة المرئية الحقيقية الصادقة من جانب وتلك التي جرى تنفيذها بأدوات الذكاء الاصطناعي من جانب الآخر ضربا من ضروب العمل الشاق، فالفرق بين المادتين لا تكاد تلحظه عين بصر، فالتعويل الآن أصبح على عين البصيرة واليقين الصادق.

والتأثير السلبي للإعلام المعاصر لم يقتصر على مظهر واحد، بل تغلغل في كافة جوانب حياتنا، أفرادًا ومجتمعات، من خلال آليات بالغة التعقيد، نذكر منها عمليات القرصنة النفسية التي نتعرض لها بشكل يومي، وتهدف إلى إبقاء المستخدم عاكفًا على متابعة صفحات ومواقع شتى السلع والأخبار والخدمات، بحيث يتحول هو نفسه إلى سلعة.

تعتمد هذه المنصات على نموذج «الرأسمالية القائمة على المراقبة»، حيث تُجمع البيانات عن كل نقرة «إعجاب» أو «مشاركة» أو «مشاهدة» يقوم بها المستخدم، وبناءً على هذه البيانات، تعمل الخوارزميات وتعرض المحتوى الذي يرغب المستخدم في مشاهدته بالضبط، مما يبقيه منجذبًا إلى شاشته لفترة أطول. هذا النموذج يهدف في جوهره إلى خدمة شركات الإعلان، التي تُعد المستهلك الحقيقي، حيث تُباع لها بيانات المستخدمين وتفضيلاتهم، بينما نحن المستخدمون، فيجري التعامل معنا بوصفنا مجرد سلع أو أرقام!

ولكي تتحقق للقائمين على المؤسسة الإعلامية الرأسمالية مآربهم، يُسهم أدواتهم الإعلامية المعاصرة في خلق واقع افتراضي منفصل عن الحقيقة، حيث يُقدَّم لكل شخص «حقائق» مختلفة تتوافق مع اهتماماته وتوجهاته، فعلى سبيل المثال، في تعامل مؤسسات إعلامية معروفة مع المتلقي العربي أو المسلم، تعرِض قضية المسلمين الأحمديين بوصفهم خارجين عن الملة وداعمين لأجندة خارجية استعمارية(1) بينما حين تخاطب المؤسسة ذاتها المتلقي الغربي فإنها تقدم إليه صورة مغايرة تماما للقضية ذاتها، فتُظهرنا نحن الأحمديين بوصفنا مجنيًّا عليهم!(2).. إن هذا النموذج الإعلامي، الذي يُعطي المستخدم ما يريده، لا ما يحتاج إليه، يُسهم في انتشار المعلومات الكاذبة بشكل أسرع بست مرات من الحقيقة، ويزيد من حدة الاستقطاب الفكري في المجتمعات.

علاوة على ذلك، يُعزز الإعلام المعاصر ثقافة “الأنا “ والنزعة الفردية، ويقوّض عاطفة المواساة التي هي جوهر الإنسانية، فالتفاعل الافتراضي يحل محل التفاعل المباشر، ويُغذي شعور الأفراد بالانعزالية، مما يجعلهم أكثر أنانية ويصعب عليهم الشعور بمعاناة الآخرين، كما أن هذه المنصات تُحرّك المادية المفرطة، حيث تُقدّم معايير جمال وثروة زائفة يصعب الوصول إليها.

فإن الإعلام المعاصر، بما يحمله من تحديات جسيمة، هو انعكاس لحالة الوعي الإنساني، وهو ما يتطلب منا كأفراد ومجتمعات أن نعود إلى جوهر إنسانيتنا، الذي يقوم على التآلف والمواساة والإحسان إلى الآخرين. فهل سنكون على قدر المسؤولية لنعيد توجيه هذه القوة الجبارة نحو خدمة الإنسانية بدلاً من تدميرها؟!

وفي كتاب «غسيل الأدمغة» يناقش المؤلف دانيال بيك مسألة السيطرة على الوعي الإنساني بوصفها ظاهرة ممتدة عبر التاريخ وليست مجرّد ممارسة ظرفية. فالتحكّم في العقول يتجاوز حدود أنظمة الحكم الجبرية الشمولية القديمة إلى الفضاءات الديموقراطية الحديثة، حيث يتحقق بأساليب ناعمة عبر الإعلام والتعليم والدعاية التجارية والتقنيات النفسية في تشكيل الرأي العام. يكشف المؤلف أنّ ما يُسمّى بـ «غسيل الأدمغة» ليس مجرد خطاب دعائي، بل منظومة معرفية رمزية تعمل على إعادة صياغة علاقة الفرد بذاته وبالعالم، بحيث يغدو الامتثال والطاعة نتاجًا لإعادة توجيه الإدراك قبل أن يكون نتيجة إكراه مادي مباشر. ويضع الكتاب هذه الظاهرة في سياق جدلي، رابطًا بين التجارب الكلاسيكية للأنظمة النازية والستالينية والاستعمارية، وبين الآليات المعاصرة التي تتوسل التكنولوجيا الرقمية وخوارزميات الإعلام الاجتماعي لإنتاج أنماط جديدة من الطاعة الطوعية. فالمسألة هنا لا تتعلق بمجرد أدوات القمع، بل بآليات أكثر خفاءً تُمارَس باسم الحرية والاختيار، بينما هي في حقيقتها تضيّق أفق الحرية وتعيد إنتاجها في إطار محدّد مسبقًا.

فكما يبدو، باتت وسائل الإعلام المعاصرة واقعا لا فكاك منه، فالسبيل إلى الخلاص من تأثيرها ليس في الإقلاع المطلق عن استخدام هذه الوسائل، وإنما في إصلاح كامل لطريقة التعامل معها واستخدامها. وهذا الإصلاح لا يمكن أن يتحقق إلا بسلوك المسلك الإسلامي في مثل هذه المعضلات، وهو ما تسعى التقوى لعرضه ضمن المادة المقالية لهذا العدد.

وفي الختام، فإن الإعلام المعاصر، بما يحمله من تحديات جسيمة، هو انعكاس لحالة الوعي الإنساني، وهو ما يتطلب منا كأفراد ومجتمعات أن نعود إلى جوهر إنسانيتنا، الذي يقوم على التآلف والمواساة والإحسان إلى الآخرين. فهل سنكون على قدر المسؤولية لنعيد توجيه هذه القوة الجبارة نحو خدمة الإنسانية بدلاً من تدميرها؟!

الهوامش:

  1. يُنظر: القاديانية.. بين مزالق الهرطقة ومصارع السياسة..
  1. Abid Hussain, Pakistan’s Ahmadis living in fear as graves, religious sites attacked, Aljazeera Live, 27 Sep 2023
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via