ٱلْعِيدُ الْمَوْعُودُ

م. أبو الفتوح

  • منكر العيد وهو يبصره هو مجنون أحمق
  • عذاب الأول هو نار الأحقاد
  • عذاب الثاني هو ابتلاء الغياب عن الوقائع

لقد أنعم رب العالمين عليَّ بعقد عزم البيعة في يوم عيد الفطر الفائت، وذلك بعد أن كنت معارضًا حتى قبل ذلك بأيام. لقد دعوت الله دعاءً كثيفًا على غير عادتي في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان الذي سبق يوم بيعتي، أملًا مني أن تكون ليلة القدر، وقد كان محور دعائي على أن أتلقى رحمة من الله عمومًا، دون أن أتدخل في تحديد أو تسمية شكل أو نوع هذه الرحمة، ولم يكن حقًا في بالي أثناء الدعاء نية البيعة أو الانضمام إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية إطلاقًا. بعد ذلك بفترة وجيزة أدركت أن بيعتي هي استجابة للدعاء الحار الذي دعوته سابقًا، وأدركت بناء على ذلك أن الليلة التي قصدتها كانت ليلة القدر. فالحمد لله والشكر. ثم بعد ذلك بعام، وقبيل عيد الفطر أيضًا انتبهت لبيت في قصيدة لحضرة المسيح الموعود يقول فيها:

«اليوم بعد مرور شهر صيامنا
عيـدٌ لأقــوامٍ لنا عيـــدانِ» (1)

وبهذا فقد أصبحتُ مع حلول كل عيد فطر مُقبلا على الاحتفال بعيدين، عيد الفطر بعد صيام رمضان، وعيد بيعتي. ولكن مهلًا، فهذا الأمر لا يخصني وحدي، إذ إن كل مبايع يستقبل هذين العيدين أيضًا، فلما كان حضرة المسيح الموعود قد قال بيت الشعر المشار إليه في سياق ذكره حدث آيتَي الخسوف والكسوف المتفردتين ميقاتًا مع الشخص الحقيقي الموعود، إذ حصلتا في رمضان دون سابق مثيل زماني موافق لحدوثهما من قبل، فكانتا إيذانًا بالعيد الموعود.

زمن الاستعداد
الاستعداد لِشيء ما والتهيؤ له يكون بتحضير العُدة، وكان حدثا الخسوف والكسوف المجتمعين في رمضان آيتين تبشران وتنذران معًا، لقد كان الدعاء هو سبيل حضرة المسيح الموعود لتحقق كل آية وبه تحققت آيتا الكسوف والخسوف ثم كان سبيل الاستعداد الذي ألهمه الله تعالى لعبده المسيح الموعود بعد تلك الآية المؤيدة له أن قال: «اصنع الفُلك بأعيننا ووحينا»(2) ، وكما أن أمر المؤمن كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، كذلك كان لآيتي الخسوف والكسوف المُخوفتين نتيجتهما المُرعبة التي اندلعت بعد عشر سنوات من ظهور هذه الآية، إمهالًا من رب العالمين، مصداقًا لهذا الحديث لرسول الله ، فلقد جاء بعد كل منهما خيرٌ عميم، تمامًا كما ورد عن رسول الله الصادق الأمين ، وكان هذا الخير في كل مرة بمثابة العيد أو فلنقل أنه شابه فرحة الاستعداد للعيد.

إن مُنكر العيد وهو يبصره فهو إما أنه يُضمر السوء لمستقبليه، فتراه مولعا بتعكير أجواء الفرحة، أو هو مجنون أحمق لا يدرك المواعيد ولا يعي الفرق بين الصراخ وبين الزغاريد، أو نِياح النوّاح وإنشاد الأناشيد، أو أن يكون ممن قد أفضت حالته الشخصية المتردية إلى اكتئاب، فيري أن فرحة الخلق من حوله حالة من التلهي والغياب، وأنه أولى لهم حال الاكتئاب ليكونوا بشرًا مهذبين.

كان الكثيرون، وفي مقدمتهم المترصدون والمعارضون لحضرة المسيح الموعود يسألونه أين آية المهدي المأثورة عن نبينا محمد ؟! يشيرون إلى آيتي الخسوف والكسوف المجتمعتين في رمضان بحسب الحديث الذي رواه الدارقطني، ويطالبونه بها، حتى إذا جاءت وظهرت كفلق الصبح، دانت كثيرين ممن تعنتوا وقد كانوا من قبل لها طالبين، وراحوا يفتشون في دفاتر التقارير الفلكية عبثا عن المتشابهات، طمعا في تكذيب الآية، فما وجدوا إلا ما يُرَدِّيهم فوق ما تردوا، وزادتهم رجسًا، أما المؤمنون فكان ظهور الآية لهم بمثابة الاستعداد للعيد، وزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون، وأما أنقياء النفوس فقد أعدتهم الآية وأهّلتهم لاستقبال عيد جديد مُقبل بخلع حُلةِ الإيمان المجيد عليهم من جديد.
إذًا، لقد تمخضت حوادث زمن الاستعداد الآن عن ثلاث فئات، فئة الموقنين المطمئنين، وفئة الأنقياء الطيبين، وفئة التعساء المترددين، دعك من غير المبالين، فلما أقبل العيد بظهور النبوءة كان لا بد للفرحة من أن تعُمّ، برغم وجود المرجفين، أي الذين يُشيعون الاضطراب ويخوضون في تحقير الاقتراب من الإيمان والحقائق، لكن لا بد للعيد إذا جاء أن يفرض فرحته ومعه تتضاءل محاولات كل مرجف بائس وتصير مثله بائسة.. وبهذه الفرحة بعد ذلك النصر السماوي يكون قد تحقق في فئتي الموقنين سلفًا والمُقبلين على الإيمان مُسَلّمين خاضعين، يتحقق فيهم قول نبينا الكريم: «إن أصابته سراء شكر» وتحقق كذلك في المؤمنين والطيبين قول مسيح الله الموعود «فنصرنا الله في كل موطن، وأخرجنا الذهب من كل معدن» (3) ولما تبعت تلك الآيةَ السماوية المخوفة نتيجتُها أي «تفشي الطاعون» كعذاب طالما ظل الإعراض مُخيمًا.فكان المتربصون المرجفون ينظرون ويترقبون نهاية تلك العصبة المؤمنة بفعل الطبيعة والأوبئة المتجهمة، والأنقياء ينتظرون إشارة هادية مطمئنة، والمؤمنون الموقنون ينتظرون البشارة.
فلما كان ما كان من أمر طوفان الطاعون، هنالك ابتُلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، فلولا رُبط على قلوبهم لكانوا من القوم الضالين، فهنالك دَعوا واستجاب الله، وكان نصر الله قريبا، فلقد جُعلوا بإيمانهم وتصديقهم لآيات ربهم مناط الأمان، والماء الذي يلوذ به العطشان، هنالك ألهم الله عبده: «إني أحافظ كل من في الدار»(4) ، فتهيأ الملاذ لكل من لاذ من هذه النار حصرًا عند مسيح الله الموعود وفي كنفه لقول الله تعالى:

وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (5)

يقول حضرة المسيح الموعود والإمام المهدي :

«فلما سلخنا رمضان، وتم ميقات ربنا الرحمن نظرنا إلى تلك الزمان، فإذا آيات أُلحِقَ بعضها بالبعض كدُررٍ ومرجان، فشكرنا ربنا على هذا الإحسان، وكيف نؤدي شكره ومن أين يأتي قوة البيان؟ طوبى لصبحٍ جاء بفتحٍ عظيم، وحبذا يومٌ سوَّد وجه عدو لئيم»(6).

إنه العيد، بعد ما مرت على المؤمنين مواعيد وآيات قدرها الله فآمن من رأى، وعاند من طغى:

فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (7).

والتحق بهذا العيد بُحلّة الإيمان الجديد جمع كثير، عادوا بعد الضلال فأصبحوا من السعداء. وقال حضرته مُعيّدًا:

«إنا ابتسمنا ابتسام ثغر الصباح، وبشَّرنا ضوؤه بانتشار الجناح، وظهرت الآيات وأقام الله الدليل، وكشف الحقيقة وطوى القال والقيل، وكفى الله مخلوقه سيل الفتن ومعرته، ورد عنهم مضرته. وكنت أُقيدُ لحظي بآية كثرة الجمع، وأُرهف أذني لوقت هذا السمع، وأستطلع منه كمثل عطاشى من الماء، ومظلمين من الضياء، حتى وصلني الأخبار من الأطراف والأنحاء القريبة والبعيدة، وتبين أن جماعتنا زادت على مائة ألف في هذه الأعوام الثلاثة، مع أنها كانت زهاء ثلاث مائة في الأيام السابقة»(8)،

فكان ذلك مصداقًا لقول نبينا «وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» والحق أن هذا الخير كان عميما، إذ أسعد مبعوث رب العالمين ووهبه من السعداء أتباعا آخرين، فكان ذلك عيدًا بتجلٍّ جديد.

زمن الأعياد
لا شك أن بعثة المسيح الموعود هي في حد ذاتها عيدٌ ممتد لكل من آمن بحضرته. فالجُمعة (زمن بعثته) هو عيد عند المسلمين؛ وفي هذا العيد الأكبر، أي زمنه ، تتوالى الأعياد، فكان أولها عيد النصر، نصر بدر. ذلك البدر الذي نسميه في العربية الدارجة (قمر أربع عشرة) ولقد ظهر هذا القمر ينير عتمة ظلام الليالي الطويلة التي سادت وهيمنت، فأزالها بأن قشع العتمة وحل محلها، وتغير الحال بعدها عما كان عليه من قبل، تمامًا كحال النصر الأول في موقعة بدرٍ التاريخية، التي جعلت للمسلمين الأوائل شوكة بعد ما كانوا قلة مُستضعفة مستهانة، وهكذا كانت بدر الثانية، أي القرن الرابع عشر الهجري، موعد النصر السماوي والرحمة العظمى.
وتوالت الأعياد، حتى لقد أصبح كل إلهام يتلقاه حضرة المسيح الموعود من ربه الوهاب بمثابة عيد سعيد، ونبوءة بأعياد تأتي وتعود بالنصر من جديد، وتلون صفحة الزمان بألوان المجد للإسلام على الدوام. من جملة تلك الإلهامات إلهام الله تعالى لحضرته بميلاد ولد له سيكون مصلحًا للدين وسيُحيي مجد الإسلام. ومنها أيضا أن أنبأه الله بقدوم القدرة القوية الثانية من بعده ، أي الخلافة، مصداق النبوة التي تمثل العيد الإلهي الممتد في هذه الأرض، ثم مع كل بيعة لمبايع جديد تتراءى السعادة والأفراح على قسمات المبايع ويُسجل يوم بيعته عيدًا يُحاكي به أحبّته، وتتردد أدعية الحمد والشكر في قلب كل تابع لمسيح الله الموعود فرحًا بتحقق الأنباء وأن قد صاروا عليها من الشاهدين. فالحمد لله رب العالمين.

العيد والوعيد
كان المسيح الناصري قد أعطى لحوارييه وصفة لمّا سألوه: متى تُسخر لنا الظروف ويميل الزمان ليكون ذلك لنا عيدًا وللأجيال من بعدنا؟ فكان جواب حضرته عليهم أن أمنيتكم هذه ممكنة التحقق إن اتقيتم، فاتقوا الله إن كنتم مؤمنين. ولكنهم كانوا مستعجلين، فعبروا عن إرادة تذوق حلاوة تلك الانتصارات والفرحة بالبشارات في حينهم؛ ودعموا طلبهم هذا بالقول:

وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (9)،

أي ونحن على يقين تام أنك قد جئتنا بالصدق والحق، فنود أن نكون على نتيجة هذا الحق اليقين من المُنعم عليهم ومن الشاهدين. فسأل نبي الله ربه تحقيق مطلبهم، واستجاب الله، بشرط أن من يتذوق حلاوة النصر والنعمة ثم بعد ذلك يجحدهما وقد عاين من قبل فرحة العيد، فهذا يكون مستوجب العذاب ويكون الصول عليه شديدا.
إن مُنكر العيد وهو يبصره فهو إما أنه يُضمر السوء لمستقبليه، فتراه مولعا بتعكير أجواء الفرحة، أو هو مجنون أحمق لا يدرك المواعيد ولا يعي الفرق بين الصراخ وبين الزغاريد، أو نِياح النوّاح وإنشاد الأناشيد، أو أن يكون ممن قد أفضت حالته الشخصية المتردية إلى اكتئاب، فيرى أن فرحة الخلق من حوله حالة من التلهي والغياب، وأنه أولى لهم حال الاكتئاب ليكونوا بشرًا مهذبين.
فعذاب الأول نار الأحقاد التي تحرقه جراء إشعاع الضوء السماوي في كل عيد، ومظهر الفرحة السماوية المنعكسة على الأرضين، فلا يطيق رؤيتها من تمام بهر أشعتها.. فيغمض فيها مُضطرًا ويُعلن أنه لا يرى سوى عتمة وظلام وقد صدق عليه القول:

وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (10)،

أما عذاب الثاني فيكفيه ابتلاء الغياب عن الوقائع وفقد نوال كل مذاق رائع فنسأل الله له البصيرة. أما ذلك المكتئب فعذابه اكتئابه وتوجس الكراهية من كل من كان حوله حتى من أهله وأقاربه وأحبابه، تسيطر عليه روح الشر حتى أُشرِبَ في نفسه أنه حتمًا من الهالكين، فما وثق يومًا في رحمة الله رب العالمين وما سعى لاستجلاب الثواب فكان من القانطين وقد علم أنه لا ييأس من روح الله إلا الكافرون الذين جحدوا مبدأ الرحمة التي كتبها الله على نفسه.
فهذا مصير كل من يجحد أيام الله، التي هي الأعياد في حقيقتها، والآيات في طبيعتها، مبشرة كانت أو منذرة، فعجبا للمؤمن، إن أمره كله خير، وكل عامٍ والمؤمنون جميعًا نحن بخير.

1. من قصيدة «بشرى لكم يا معشر الإخوان، من كتاب «نور الحق»
2. سفينة نوح
3. مواهب الرحمن.
4. سفينة نوح
5. السجدة: 25
6. مواهب الرحمن.
7. الأنبياء: 16
8. مواهب الرحمن
9. المائدة 114
10. الإسراء: 73