هَلْ حَقًّا بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ؟!

التحرير

  • التقوى مدار جميع المناسك والشعائر
  • لن ينال اللهَ لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى
  • بتم نحر النفس الإمارة بكبح ثوائرها وكفها عن شهواتها وهذا هو مدار جميع العبادات

من قبيل كلمة الحق التي يراد بها باطل أحيانا، طالما يردد البعض العبارة التي تقول: «بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ».. تلك العبارة الكائنة في الرِّسَالَةِ إِلى الْعِبْرَانِيِّينَ، والتي تعتبر لدى بعض المذاهب المسيحية جزءا من الكتاب المقدس.. ومن مقتضى الإنصاف القول بأن الكتاب المقدس بهيئته الحالية يضم بين دفتيه الكثير من القيم والحكم والنبوءات، وإن كان هذا لا يمنعنا من القول بنسخه واستيعابه ضمن الكتاب الأشمل والأكمل، أي القرآن المجيد. فماذا عن مسألة سفك الدم؟! وما علاقتها بمغفرة الخطايا؟! وقبل أن يُساء فهمنا، ويُظن بأننا ننادي بعقيدة الفداء والكفارة التي يعتنقها إخوتنا المسيحيون، نقول إن مغفرة الخطايا مشروطة بالتوبة، وهي بدورها مشروطة بقتل أهواء وشهوات وثوائر النفس الأمارة، عملا بالإرشاد الذي قدمه سيدنا موسى لقومه، والذي قصه علينا القرآن المجيد في قوله تعالى:

فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ..

إذًا، فكف خوار النفس الأمارة، الذي هو بمثابة ذبحها، يعد شرطا أساسيا لا بد من تحقيقه لتحصل المغفرة، فبدون سفك دم الأمارة لا يطمعن أحد في مغفرة خطاياه.
وفي هذه الأيام المشهودة، أي موسم حج بيت الله الحرام، تتبادر إلى الأذهان فكرة غفران الذنوب، ورجوع المرء نقيا منها كما ولدته أمه، كما وضح هذا سيدنا خاتم النبيين بقوله:

«مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»..

ولأن تقديم الذبيحة هو تمثيل مادي لحقيقة مجردة هي تقديم التقوى، نجد في القرآن المجيد موازنة عجــــيبة بين الدماء والتقــــــــــــوى، وهذا ما يُفــــــــــهم من قوله تعـــــــالى:

لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ .

فالتقرب إلى الله تعالى بنحر الهدي والأضاحي إنما هو رمز لنحر النفس الأمارة والاستسلام التام بين يديه . ويتم نحر النفس الأمارة بكبح ثوائرها وكفها عن شهواتها وهذا هو مدار جميع العبادات والشعائر التي شرعها الله تعالى في كافة العصور ولكافة الأمم، وآخرها أمة خاتم النبيين التي انصهرت في بوتقتها كافة أمم النبيين السابقين.. تلك كانت إحدى حقائق شعائر حج بيت الله الحرام، والتي كانت ولم تزل غائبة عن كثيرين، إلى أن جاء من الله تعالى من يسبر لنا غموضها ويرينا دقائق التقوى..
عزيزي قارئ التقوى ومستقرئها، مواكبة من مجلتك لهذا الحدث السنوي المشهود، نقدم بين يديك باقة من المواد المعرفية المنوعة التي تدور في فلك هذه المناسبة المباركة، بدءا من خطبة عيد الأضحى لحضرة الخليفة الخامس للمسيح الموعود سيدنا مسرور أحمد (أيده الله تعالى بنصره العزيز) لتحقيق الخلاص لا نحتاج إلى أيّ دم، ولا إلى أيّ صليب ولا حاجة لنا إلى أية كفّارة، بل نحن بحاجة إلى تضحية واحدة، ألا وهي ذبح شهوات أنفسنا.
وطوافا حول مضامين الحج المتعددة، يطالع القارئ أيضا مقالات أخرى ذات صلة بهذا الموضوع، منها ما يتناول بشيء من التعمق ماهية بعض الرموز المقدسة، كالكعبة والحجر الأسود، والحكمة من تقديسهما، وذلك في ضوء أقوال المسيح الموعود الذي جاء معلما إيانا دقائق التقوى.

فالتقرب إلى الله تعالى بنحر الهدي والأضاحي إنما هو رمز لنحر النفس الأمارة والاستسلام التام بين يديه . ويتم نحر النفس الأمارة بكبح ثوائرها وكفها عن شهواتها وهذا هو مدار جميع العبادات والشعائر التي شرعها الله تعالى في كافة العصور ولكافة الأمم، وآخرها أمة خاتم النبيين التي انصهرت في بوتقتها كافة أمم النبيين السابقين.. تلك كانت إحدى حقائق شعائر حج بيت الله الحرام، والتي كانت ولم تزل غائبة عن كثيرين، إلى أن جاء من الله تعالى من يسبر لنا غموضها ويرينا دقائق التقوى..

كما تتطرق مقالات العدد أيضا إلى موضوع الحج بوجه عام، من حيث كونه مناسبة ينعم فيها الناس، بالأمن المفتقد، ومع ذلك تُصِرُّ طائفة من الناس على حرمان المسلمين الأحمديين من أداء فريضة الحج، فتصدهم عن المسجد الحرام عدوانا وظلما.
هدى الله تعالى سائر المسلمين لإدراك الحكمة من جعل بيته الحرام مثابة للناس وأمنا، ووفقهم للسير على دروب التقوى الدقيقة، فيستحقوا بحق أن يُدعوا خير أمة أخرجت للناس.. اللهم وفق لذلك، آمين.